١٥ - (بَاب فِي الشِّغَارِ)
بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الرَّفْعُ يُقَالُ شَغَرَ الْكَلْبُ إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَرْفَعُ رِجْلَ بِنْتِي حَتَّى أَرْفَعَ رِجْلَ بِنْتِكَ وَقِيلَ هُوَ مِنْ شَغَرَ الْبَلَدُ إِذَا خَلَا لِخُلُوِّهِ عَنِ الصَّدَاقِ
وَيُقَالُ شَغَرَتِ الْمَرْأَةُ إذا رفعت رجلها عند الجماع
قال بن قُتَيْبَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْغَرُ عِنْدَ الْجِمَاعِ
وَكَانَ الشِّغَارُ مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
[٢٠٧٤] (قُلْتُ لنافع ما الشغار) قال بن الْبَرِّ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ جَمِيعُ رُوَاةِ مَالِكٍ عَنْهُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَلَا يَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ يَعْنِي الْمُؤَلِّفَ أَخْرَجَهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَلَمْ يَذْكُرِ التَّفْسِيرَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لِأَنَّهُمَا اخْتَصَرَا ذَلِكَ فِي تَصْنِيفِهِمَا وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ بَالتَّفْسِيرِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ
فَالْأَكْثَرُ لَمْ يَنْسُبُوهُ لِأَحَدٍ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَدْرِي التَّفْسِيرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أو عن بن عُمَرَ أَوْ عَنْ نَافِعٍ أَوْ عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ هُوَ مِنْ قَوْلِ مالك بينه وفصله القعنبي وبن مَهْدِيٍّ وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ عَنْهُ قُلْتُ وَمَالِكٌ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ عَنْ نَافِعٍ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ هَذِهِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ التَّفْسِيرُ فِي حديث بن عُمَرَ جَاءَ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَمَّا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَالظَّاهِرِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ
فَإِنْ كَانَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مَقْبُولٌ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا سَمِعَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كعب مرفوعا لاشغار قالوا يارسول اللَّهِ وَمَا الشِّغَارُ قَالَ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ بَالْمَرْأَةِ لا صداق بينهما وإسناده ضعيفا لَكِنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ
هَذَا كُلُّهُ تَلْخِيصُ مَا فِي التَّلْخِيصِ وَالْفَتْحِ
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الشغار زاد بن نُمَيْرٍ وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ زَوِّجْنِي ابنتك
وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي الْحَدِيثَ (يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ) أَيْ يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ بِنْتَ رَجُلٍ (وَيُنْكِحُهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْكَاحِ
وَالْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ حَرَامٌ بَاطِلٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ نَهْيٌ يَقْتَضِي إِبْطَالَ النِّكَاحِ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي إِبْطَالُهُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ
وَقَالَ مَالِكٌ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَبْلَهُ لَا بَعْدَهُ
وَقَالَ جَمَاعَةٌ يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وإسحاق وبه قال أبو ثور وبن جَرِيرٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَنَاتِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ وَالْإِمَاءِ كَالْبَنَاتِ فِي هَذَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٢٠٧٥] (وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا) مَفْعُولُ جَعَلَا الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ أَيْ كَانَا جَعَلَا إِنْكَاحَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ابْنَتَهُ صَدَاقًا (فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْخَلِيفَةُ (إِلَى مَرْوَانَ) بْنِ الْحَكَمِ وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ (وَقَالَ فِي كِتَابِهِ) الَّذِي كَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ (هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) قال الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَكَذَلِكَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا شِغَار فِي الْإِسْلَام وَمِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَن عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَار
وَمَنْ اِنْتَهَبَ نُهْبَة فَلَيْسَ منا
وَمِمَّنْ أَبْطَلَ هَذَا النِّكَاحَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ النِّكَاحُ جَائِزٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَسْتَحِلَّ الْفَرْجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُ الشَّغْرِ فِي اللُّغَةِ الرَّفْعُ يُقَالُ شَغَرَ الْكَلْبُ بِرِجْلِهِ إِذَا رَفَعَهَا عِنْدَ الْبَوْلِ قَالَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النِّكَاحُ شِغَارًا لِأَنَّهُمَا رَفَعَا الْمَهْرَ بَيْنَهُمَا قَالَ وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَنْفَصِلُ مِمَّنْ قَالَ بَلْ سُمِّيَ شِغَارًا لِأَنَّهُ رَفَعَ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ فَارْتَفَعَ النِّكَاحُ وَالْمَهْرُ مَعًا وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ قَدِ انْطَوَى عَلَى أَمْرَيْنِ معا أن البدل ها هنا لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْعَقْدِ وَلَا الْعَقْدُ شَيْءٌ غَيْرُ الْبَدَلِ فَهُوَ إِذَا فَسَدَ مَهْرًا فَسَدَ عَقْدًا وَإِذَا أَبْطَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَإِنَّهَا أَفْسَدَتْهُ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي كَانُوا يُوقِعُونَهُ وَكَانُوا يُوقِعُونَهُ مَهْرًا وعقدا فوجب أن يفسدا معا
وكان بن أَبِي هُرَيْرَةَ يُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَاسْتَثْنَى عضوا من أعضائها وهو مالا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ
قَالَ وَكَذَلِكَ الشِّغَارُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ زَوَّجَ وَلِيَّتَهُ وَاسْتَثْنَى بُضْعَهَا حَتَّى جَعَلَهُ مَهْرًا لِصَاحِبَتِهَا وَعَلَّلَهُ فَقَالَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ لَهُ مَعْقُودٌ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ لَهَا مَعْقُودٌ بِهَا فَصَارَ كَالْعَبْدِ تَزَوَّجَ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقًا لِلزَّوْجَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ انْتَهَى
قُلْتُ صَرَّحَ بَالتَّحْدِيثِ
٦ - (بَاب فِي التَّحْلِيلِ)
[٢٠٧٦] (قَالَ إِسْمَاعِيلُ وَأُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى عَامِرٍ (قَدْ رَفَعَهُ) أَيِ الْحَدِيثَ (لُعِنَ الْمُحِلُّ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِحْلَالِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُحَلِّلُ مِنَ التَّحْلِيلِ وَهُمَا بِمَعْنًى أَيِ الَّذِي تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةَ غَيْرِهِ ثَلَاثًا بِقَصْدِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ لِيُحِلَّ الملطق نِكَاحَهَا
قِيلَ سُمِّيَ مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ إِلَى التَّحْلِيلِ (وَالْمُحَلَّلُ لَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى أَيِ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ إِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ أَنَّهُ إِذَا نَكَحَهَا بَانَتْ مِنْهُ أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُطَلِّقَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ إِطْلَاقَهُ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَغَيْرَهَا لَكِنْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أبي
غَسَّانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قال جاء رجل إلى بن عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ عَنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ هَلْ يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ قَالَ لَا إِلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ بن حَزْمٍ لَيْسَ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مُحَلِّلٍ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ وَاهِبٍ وَبَائِعٍ وَمُزَوِّجٍ فَصَحَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْمُحِلِّينَ وَهُوَ مَنْ أَحَلَّ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِلَا حُجَّةَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ شَرَطَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا لَمْ يَنْوِ تَحْلِيلَهَا لِلْأَوَّلِ وَنَوَتْهُ هِيَ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي اللَّعْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الشَّرْطُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ بَيْنَهُمَا فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُتَنَاهٍ إِلَى مُدَّةٍ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا وَكَانَ نِيَّةً وَعَقِيدَةً فَهُوَ مَكْرُوهٌ فَإِنْ أَصَابَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَقَدْ حَلَّتْ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُضْمِرَا أَوْ يَنْوِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا التَّحْلِيلَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْاهُ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَا يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ مُحَلِّلٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَسْتَأْنِفَ نِكَاحًا جَدِيدًا
وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَإِنَّمَا لَعَنَهُمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ الْمُرُوءَةِ وَقِلَّةِ الْحَمِيَّةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ وسقوطها
أما النسبة إِلَى الْمُحَلَّلِ لَهُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا بَالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحَلِّلِ فَلِأَنَّهُ يُعِيرُ نَفْسَهُ بَالْوَطْءِ لِغَرَضِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَطَؤُهَا لِيُعَرِّضَهَا لِوَطْءِ الْمُحَلَّلِ لَهُ وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ ﷺ بَالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ
ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي
[٢٠٧٧] (فَرَأَيْنَا أَنَّهُ) أَيِ الرَّجُلُ (بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الحديث المذكور
قال المنذري وأخرجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَحَدِيث جَابِر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَعَنَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ قَالَ هَكَذَا رَوَى أَشْعَث بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مُجَالِد عَنْ عَامِر عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَهَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَائِمِ لِأَنَّ مُجَالِد بْن سَعِيد قَدْ ضَعَّفَهُ بعض أهل
الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ عَلِيٍّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
والحارث هذا هو بن عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ الْكُوفِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو زُهَيْرٍ وَكَانَ كَذَّابًا
وَقَدْ رَوَى هُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ النَّخَعِيُّ لَا يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ فَإِنْ كَانَ نِيَّةُ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ مُحَلِّلٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ مُطْلَقًا لَا شَرْطَ فِيهِ فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَلَا تُفْسِدُ النِّيَّةُ مِنَ النِّكَاحِ شَيْئًا لِأَنَّ النِّيَّةَ حَدِيثُ نَفْسٍ وَقَدْ رُفِعَ عَنِ النَّاسِ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمُ انْتَهَى