٠ - (بَاب قِلَّةِ الْمَهْرِ)
[٢١٠٩] (وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ) أَيْ أَثَرُهُ
وَالرَّدْعُ بِمُهْمَلَاتٍ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي هُوَ أَثَرُ الطِّيبِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَثَرٌ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ طِيبِ الْعَرُوسِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ وَلَا تَعَمَّدَ التَّزَعْفُرَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ وَكَذَا نَهَى الرِّجَالَ عَنِ الْخَلُوقِ لِأَنَّهُ شِعَارُ النِّسَاءِ وَقَدْ نَهَى الرِّجَالَ عَنِ التَّشَبُّهِ بَالنِّسَاءِ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُحَقِّقُونَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَهْيَمْ) أَيْ مَا شَأْنُكَ أَوْ مَا هَذَا وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ وَهَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ
كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ الطِّيبِيُّ سُؤَالٌ عَنِ السَّبَبِ فَلِذَا أَجَابَ بِمَا أَجَابَ وَيَحْتَمِلُ الْإِنْكَارُ بِأَنَّهُ كَانَ نَهَى عَنِ التَّضَمُّخِ بَالْخَلُوقِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَضَمُّخًا بَلْ شَيْءٌ عَلِقَ بِهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْعَرُوسِ أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ انْتَهَى
وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْفَاضِلِ تَفَقُّدُ أَصْحَابِهِ وَالسُّؤَالِ عَمَّا يَخْتَلِفُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (قَالَ مَا أَصْدَقْتَهَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمْ أَصْدَقْتَهَا أَيْ كَمْ جَعَلْتَ صَدَاقَهَا (قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ) بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أَصْدَقْتُهَا وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيِ الَّذِي أَصْدَقْتُهَا هُوَ
قَالَهُ الْحَافِظُ
قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّوَاةُ اسْمٌ لِقَدْرٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَسَّرُوهَا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْ ذَهَبٍ
قَالَ الْقَاضِي كَذَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هِيَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ
وَقِيلَ الْمُرَادُ نَوَاةُ التَّمْرِ أَيْ وَزْنُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ النَّوَاةُ رُبْعُ دِينَارٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ وَقَعَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ قَالَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَهَبٌ إِنَّمَا هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً
كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) لَوْ هَذِهِ لَيْسَتِ الِامْتِنَاعِيَّةَ وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الْوَلِيمَةِ عَنِ الْمُوسِرِ وَلَوْلَا ثُبُوتُ أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ
عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِأَقَلَّ مِنَ الشَّاةِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أقل ما يجزيء فِي الْوَلِيمَةِ مُطْلَقًا وَلَكِنْ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ وَفِي تَنَاوُلِهِ لِغَيْرِهِ خِلَافٌ فِي الأصول معروف
قال القاضي عياض وأجموا على أنه لاحد لِأَكْثَرِ مَا يُولَمُ بِهِ وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَكَذَلِكَ وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ كَذَا فِي النَّيْلِ
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِصْدَاقِهِ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَةِ التِّجَارَةِ حَتَّى ظَهَرَتْ مِنَ الْإِعَانَةِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَا اشْتَهَرَ وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٢١١٠] (مِلْءُ كَفَّيْهِ سَوِيقًا) هُوَ دَقِيقُ الْقَمْحِ الْمَقْلُوِّ أَوِ الذُّرَةِ أَو الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهَا (فَقَدِ اسْتَحَلَّ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ يَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَقَدْ جَعَلَهَا حَلَالًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ وَأَدْنَاهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا تَرَاضَيَا بِهِ الْمُتَنَاكِحَانِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ لَا تَوْقِيتَ فِي أَقَلِّ الْمَهْرِ وَأَدْنَاهُ وَهُوَ مَا تَرَاضَوْا بِهِ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ لَهُ
وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّ الْمَهْرِ رُبْعُ دِينَارٍ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَقَدَّرُوهُ بِمَا يُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ عِنْدَهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إتلاف عضوا انْتَهَى
قُلْتُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَقَلُّهُ خمسون درهما
وقال النخعي أربعون
وقال بن شُبْرُمَةَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ الْخَاتَمِ الَّذِي سَيَأْتِي وَبِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ قالت نعم فأجازه رواه أحمد وبن ماجه والترمذي
وصححه وبحديث بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَدُّوا الْعَلَائِقَ قِيلَ مَا الْعَلَائِقُ قَالَ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ وَلَوْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَعْفٌ لَكِنْ حَدِيثُ الْخَاتَمِ وَحَدِيثُ نَوَاةِ الذَّهَبِ مِنْ أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا كِفَايَةٌ لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ وَلَيْسَ عَلَى الْأَقْوَالِ الْبَاقِيَةِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ أَحَدُهَا لَا دُونَهُ
وَمُجَرَّدُ مُوَافَقَةِ مَهْرٍ مِنَ الْمُهُورِ الْوَاقِعَةِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ الْوَاحِدِ مِنْهَا كَحَدِيثِ النَّوَاةِ مِنَ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ موافق لقول بن شُبْرُمَةَ وَلِقَوْلِ مَالِكٍ عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُجْزِئُ دُونَهُ إِلَّا مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دُونَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَلَا تَصْرِيحَ
فَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ
فَكُلُّ مَا لَهُ قِيمَةٌ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بَالصَّوَابِ
فَإِنْ قُلْتَ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ إِلَّا الْأَكْفَاءَ وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إِلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَلَا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ إِذْ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنْ لَا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ
قُلْتُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ أَحَادِيثُهُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا انْتَهَى
وَقَالَ أَخُونَا الْعَلَّامَةُ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ أَحَادِيثُ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ مَوْضُوعَةٌ كَذِبٌ انْتَهَى
قَالَ بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَعَنْ أبي يعلى رواه بن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَقَالَ مُبَشِّرٌ يَرْوِي عَنِ الثِّقَاتِ الْمَوْضُوعَاتِ لَا يَحِلُّ كَتْبُ حَدِيثِهِ إِلَّا على جهة التعجب انتهى
ورواه بن عَدِيٍّ وَالْعُقَيْلِيِّ وَأَعَلَّاهُ بِمُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَسْنَدَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ وَصَفَهُ بَالْوَضْعِ وَالْكَذِبِ انْتَهَى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (نَسْتَمْتِعُ بَالْقُبْضَةِ بِضَمِّ) الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْقُبْضَةُ بَالضَّمِّ مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ يُقَالُ أَعْطَاهُ قُبْضَةً مِنْ تَمْرٍ أَوْ سَوِيقٍ قَالَ وربما يفتح (قال أبو داود رواه بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَخْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مُعَلَّقًا قَدْ أَخْرَجَهُ مسلم في صحيحه من حديث بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بَالْقُبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وقال أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ صَارَ مَنْسُوخًا فَإِنَّمَا نُسِخَ مِنْهُ شَرْطُ الْأَجَلِ فَأَمَّا مَا يَجْعَلُونَهُ صَدَاقًا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ النَّسْخُ انْتَهَى