٢٨ - (بَاب فِي النَّوْحِ)
[٣١٢٧] أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ النَّوْحِ
(عَنِ النِّيَاحَةِ) أَيِ النَّوْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٣١٢٨] (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ جَدِّ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ (النَّائِحَةَ) يُقَالُ نَاحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا نَدَبَتْهُ أَيْ بَكَتْ عَلَيْهِ وَعَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ
وَقِيلَ النَّوْحُ بُكَاءٌ مَعَ صَوْتٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ وَأَمَّا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى مَعْصِيَتِهَا فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْعِبَادَةِ (وَالْمُسْتَمِعَةَ) أَيِ الَّتِي تَقْصِدُ السَّمَاعَ وَيُعْجِبُهَا كَمَا أَنَّ الْمُسْتَمِعَ وَالْمُغْتَابَ شَرِيكَانِ فِي الْوِزْرِ وَالْمُسْتَمِعُ وَالْقَارِئُ مُشْتَرَكَانِ فِي الأجر
قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَثَلَاثَتُهُمْ ضُعَفَاءُ
[٣١٢٩] (إِنَّ الْمَيِّتَ لِيُعَذَّبُ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي رَدَّتْهَا عَائِشَة واستدركتها ووهمت فيه بن عمر
والصواب مع بن عُمَر فَإِنَّهُ حَفِظَهُ وَلَمْ يُتَّهَم فِيهِ
وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَبُوهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ وَافَقَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ جَمَاعَة الصَّحَابَة كما أخرجا في الصحيحين عن بن عُمَر قَالَ لَمَّا طُعِنَ عُمَر أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَمَا عَلِمْتُمْ أن رسول الله ﷺ قال إن الميت ليعذب ببكاء الحي
وَفِي رِوَايَةٍ بِبُكَاءِ الْحَيِّ وَفِي رِوَايَةٍ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ يُبْكَ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ﵄ وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَنَسَبَتْهُمَا إِلَى النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَزِرُ وازرة وزر أخرى قَالَتْ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي يهوذية إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا يَعْنِي تُعَذَّبُ بكفرها في حال بكا أَهْلِهَا لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاحُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَنَوْحِهِمْ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ
قَالُوا فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَنَاحُوا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تزر وازرة وزر أخرى قَالُوا وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ
وَالْمُرَادُ بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَنِيَاحَةٍ لَا مُجَرَّدَ دَمْعِ الْعَيْنِ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الْمَيِّت يُعَذَّب بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ
وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَر جَعَلَ صُهَيْب يقول وا أخاه فَقَالَ لَهُ عُمَر يَا صُهَيْب أَمَا عَلِمْت أن رسول الله ﷺ قَالَ إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذَّب بِبُكَاءِ الْحَيّ
وَفِي لَفْظ لَهُمَا قَالَ عُمَر وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت أن رسول الله ﷺ قَالَ مَنْ يُبْكَ عَلَيْهِ يُعَذَّب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس أَنَّ عُمَر لَمَّا طُعِنَ أَعْوَلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَة فَقَالَ يَا حَفْصَة أَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول الْمَعْتُوك عَلَيْهِ يُعَذَّب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّب بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ
فَهَؤُلَاءِ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْنه عَبْد اللَّه وَابْنَته حَفْصَة وَصُهَيْب وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة كُلّهمْ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَمُحَال أَنْ يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ لِأَنَّهَا قَدْ رَوَتْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي شَأْنِ يَهُودِيٍّ وَالْخَبَرُ الْمُفَسَّرُ أَوْلَى مِنَ الْمُجْمَلِ ثُمَّ احْتَجَّتْ لَهُ بِالْآيَةِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أن يكون ما رواه بن عُمَرَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِلْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوصُونَ أَهْلَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَيْهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَيِّتُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ حَيَاتِهِ انْتَهَى
(فَقَالَتْ) عَائِشَةُ (وَهِلَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ غَلِطَ وسهى
وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْخَبَرِ لَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَحَمَلَتِ الْخَبَرَ عَلَى الْخَبَرِ الْمَعْلُومِ عِنْدهَا بِوَاسِطَةِ مَا ظَهَرَ لَهَا مِنَ اسْتِبْعَادِ أَنْ يُعَذَّبَ أَحَدٌ بِذَنْبِ آخَرَ وَقَدْ قَالَ تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى لَكِنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَلَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَضِيَ الْمَيِّتُ بِبُكَائِهِمْ وَأَوْصَى بِهِ أَوْ عَلِمَ مِنْ دأبهم أنهم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين ﵂ بين روايتهم وَبَيْن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى﴾ غَيْر لَازِمَة أَصْلًا
وَلَوْ كَانَتْ لَازِمَة لَزِمَ فِي رِوَايَتهَا أَيْضًا أَنَّ الْكَافِر يَزِيدهُ اللَّه بِبُكَاءِ أَهْله عَذَابًا فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه لَا يُعَذِّب أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْره الَّذِي لَا تَسَبُّب لَهُ فِيهِ
فَمَا تُجِيب بِهِ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قِصَّة الْكَافِر يُجِيب بِهِ أَبْنَاؤُهَا عَنْ الْحَدِيث الَّذِي اِسْتَدْرَكَتْهُ عَلَيْهِمْ
ثُمَّ سَلَكُوا فِي ذَلِكَ طُرُقًا
أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِمَنْ أَوْصَى أَنْ يُنَاح عَلَيْهِ فَيَكُون النَّوْح بِسَبَبِ فِعْله وَيَكُون هَذَا جَارِيًا عَلَى الْمُتَعَارَف مِنْ عَادَة الْجَاهِلِيَّة كَمَا قَالَ قَائِلهمْ إِذَا مُتّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَد وَهُوَ كَثِير فِي شِعْرهمْ
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَسَبَّب إِلَى ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ وَلَا غَيْرهَا فَلَا يَتَنَاوَلهُ الْحَدِيث
وَهَذَا ضَعِيف مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ اللَّفْظ عَامّ
الثَّانِي أَنَّ عُمَر وَالصَّحَابَة فَهِمُوا مِنْهُ حُصُول ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ
وَمِنْ وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّة بِذَلِكَ حَرَام يَسْتَحِقّ بِهَا التَّعْذِيب نِيحَ عَلَيْهِ أَمْ لَا
وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا عَلَّقَ التَّعْذِيب بِالنِّيَاحَةِ لَا بِالْوَصِيَّةِ
الْمَسْلَك الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِمَنْ كَانَ النَّوْح مِنْ عَادَته وَعَادَة قَوْمه وَأَهْله وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُمْ يَنُوحُونَ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ
فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُمْ كَانَ ذَلِكَ رضي مِنْهُ بِفِعْلِهِمْ وَذَلِكَ سَبَب عَذَابه وَهَذَا مَسْلَك الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَإِنَّهُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ وَقَالَ إِذَا كَانَ النَّوْح مِنْ سُنَنه وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْأَوَّل
الْمَسْلَك الثَّالِث أَنَّ الْبَاء لَيْسَتْ بَاء السَّبَبِيَّة وَإِنَّمَا هِيَ بَاء الْمُصَاحَبَة
وَالْمَعْنَى يُعَذَّب مَعَ بُكَاء أَهْله عَلَيْهِ أَيْ يَجْتَمِع بكاء أهله وعذابه كقولك خَرَجَ زَيْد بِسِلَاحِهِ
قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾