باب كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالْآبَاءِ)
(لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) أَيْ بِأُصُولِكُمْ فَبِالْفُرُوعِ أَوْلَى (وَلَا بِالْأَنْدَادِ) أَيِ الْأَصْنَامِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ وَيُنَادُّهُ أَيْ يُخَالِفُهُ وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ انْتَهَى
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَلِ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ قَوْلَانِ عِنْدَ المالكية كذا قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ الْكَرَاهَةُ وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمُ التَّحْرِيمُ وَبِهِ جزم الظاهرية
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ بالإجماع ومراده بنفي الجواز الكراهة أَعَمُّ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفَ بِهَا
وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةٌ فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْكَرَاهَةِ وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِالتَّفْصِيلِ فَإِنِ اعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوفِ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ حُرِّمَ الْحَلِفُ بِهِ وَكَانَ بذلك الاعتقاد كافر انتهى
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
[٣٢٤٩] (أَدْرَكَهُ) أَيْ عُمَرُ (وَهُوَ) أَيْ عُمَرُ (فِي رَكْبٍ) قَالَ فِي السُّبُلِ الرَّكْبُ أَيْ رُكْبَانُ الْإِبِلِ اسْمُ جَمْعٍ أَوْ جَمْعٌ وَهُمُ الْعَشَرَةُ فَصَاعِدًا وَقَدْ يَكُونُ الْخَيْلُ (وَهُوَ يَحْلِفُ) أَيْ عُمَرُ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ
(فَمَنْ كَانَ حَالِفًا) أَيْ مُرِيدًا لِلْحَلِفِ (فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ) أَيْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ
قَالَ الْحَافِظُ وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً لَكِنْ قَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ (أَوْ لِيَسْكُتْ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَحَقِيقَةُ الْعَظَمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ فَلَا يُضَاهَى بِهِ غَيْرُهُ وَهَكَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْآبَاءِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ
وَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ فَهِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْيَمِينُ انْتَهَى
قُلْتُ أَوْ أَنَّ هَذَا وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ
قَالَ وَأَمَّا قَسَمُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ نَحْوَ الصَّافَّاتِ وَالطُّورِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعَادِيَاتِ فَاللَّهُ يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ أَوِ التَّقْدِيرِ وَرَبِّ الطُّورِ انْتَهَى