وقال بن الْمُنْذِرِ قَوْلُهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْكُفْرِ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَاذِبٌ كَكَذِبِ الْمُعَظِّمِ لِتِلْكَ الْجِهَةِ انْتَهَى
(عُذِّبَ بِهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِهِ لِأَنَّ جَزَاءَهُ مِنْ جِنْسِ عمله
قال الحافظ قال بن دقيق العيد هَذَا مِنْ بَابِ مُجَانَسَةِ الْعُقُوبَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ لِلْجِنَايَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ جِنَايَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا إِلَّا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ (نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ) كَأَنْ يَقُولَ إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَفُلَانٌ حُرٌّ وَهُوَ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ
[٣٢٥٨] (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ) الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى آخِرِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ النسائي فيه وبن مَاجَهْ
فِي الْكَفَّارَاتِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ (إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ) أَيْ لَوْ فَعَلْتُ كَذَا أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ (فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) أَيْ فِي حَلِفِهِ (فَهُوَ كَمَا قَالَ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ تَهْدِيدٌ وَزَجْرٌ مَعَ التَّشْدِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ
قال الحافظ قال بن الْمُنْذِرِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ أَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَحْوَ ذلك إن فعلت ثم فعل فقال بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ كَافِرًا إِلَّا إِنْ أَضْمَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقٌ هُوَ يَمِينٌ وَعَلَيْهِ الكفارة
قال بن الْمُنْذِرِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً زَادَ غَيْرُهُ وَلِذَا قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ فَأَرَادَ التَّغْلِيظَ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَجْتَرِئَ أَحَدٌ عَلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَلَا
تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُقُوبَتَهَا فِي دِينِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِهِ شَيْئًا وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ انْتَهَى
(وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) أَيْ فِي حَلِفِهِ يَعْنِي مَثَلًا حَلَفَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ (سَالِمًا) لِأَنَّ فِيهِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْإِسْلَامِ فَيَكُونُ بِنَفْسِ هَذَا الْحَلِفِ آثِمًا
([٣٢٥٩] بَاب الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَأَدَّمَ)
أَيْ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْإِدَامَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ هَلْ يَكُونُ مُؤْتَدِمًا فَيَحْنَثُ أَمْ لَا
(عَلَى كِسْرَةٍ) مِنْ خُبْزٍ (هَذِهِ) أَيْ تَمْرَةٌ (إِدَامُ هَذِهِ) أَيْ كِسْرَةٌ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَبِهَذَا يُحْتَجُّ أَنَّ كُلَّ مَا يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ غَيْرَ الْخُبْزِ فَهُوَ إِدَامٌ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَأَدَّمَ فَأَكَلَ خُبْزًا بِتَمْرٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ
وَقَالَ أَبُو حنيفة وأبو يوسف الإدام ما يصطبغ بِهِ مِثْلُ الزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالْمِلْحِ وَالْخَلِّ وَأَمَّا ما لا يصطبغ بِهِ مِثْلُ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ وَالْجُبْنِ وَالْبِيضِ فَلَيْسَ بِإِدَامٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذِهِ إِدَامٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يوسف انتهى
وقال الحافظ قال بن الْقَصَّارِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ ائْتَدَمَ بِهِ فَلَوْ قَالَ أَكَلْتُ خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ وَإِنْ قَالَ أَكَلْتُ خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ الْإِدَامُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَسْتَهْلِكَ الْخُبْزَ فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِأَنْ تَتَدَاخَلَ أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ
وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إلا بما يصطبغ بِهِ فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ دَعْوَى التَّدَاخُلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَيُوسُفُ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّ لَهُ صُحْبَةً وَقَالَ غَيْرُهُمْ
لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ لَهُ رِوَايَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ فِي مَنْ وُلِدَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ
([٣٢٦١] بَاب الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ)
قَالَ الْحَافِظُ الاستثناء في الإصلاح إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وَأَدَاتُهَا إِلَّا وَأَخَوَاتُهَا وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّعَالِيقِ وَمِنْهَا التَّعْلِيقُ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَإِذَا قَالَ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى وَكَذَا إِذَا قَالَ لَا أَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(عَلَى يَمِينٍ) أَيْ عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ (فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) أَيْ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ (فَقَدِ اسْتَثْنَى) أَيْ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا وَأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سالم عن بن عُمَرَ مَوْقُوفًا وَذُكِرَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَرْفَعُهُ يَعْنِي عَنْ نَافِعٍ وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ وَقَالَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلَفْظ النَّسَائِيِّ فَلَهُ ثُنْيَاهُ وَفِي لَفْظ لَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ مَضَى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ فَلَا حِنْث عَلَيْهِ ولفظ بن مَاجَهْ إِنْ شَاءَ رَجَعَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْر حَانِث
قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقَدْ رَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْره عَنْ نَافِع عَنْ بن عمر موقوفا
وهكذا روى مسلم عن بن عُمَر مَوْقُوفًا وَلَا نَعْلَم أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْر أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم كَانَ أَيُّوب أَحْيَانًا يَرْفَعهُ وَأَحْيَانًا كَانَ لَا يَرْفَعهُ
وروى عبد الرزاق عن معمر عن بن طاووس عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّفَق عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَّا أَنَّ الْحَدِيث مَعْلُول
قَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلْت مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ هَذَا حَدِيث خَطَأ أَخْطَأَ فيه