قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُتَقَدِّمًا وَآخِرُ الْأَمْرَيْنِ الْإِبَاحَةَ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يُكْتَبَ الْحَدِيثُ مَعَ الْقُرْآنِ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِهِ وَيَشْتَبِهَ انْتَهَى
قال علي القارىء فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْكِتَابِ مَحْظُورًا فَلَا وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ بِالتَّبْلِيغِ وَقَالَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِذَا لَمْ يُقَيِّدُوا مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْهُ تَعَذَّرَ التَّبْلِيغُ وَلَمْ يُؤْمَنْ ذَهَابُ الْعِلْمِ وَأَنْ يَسْقُطَ أَكْثَرُ الْحَدِيثِ فَلَا يَبْلُغُ آخِرَ الْقُرُونِ مِنَ الْأُمَّةِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ الْأَسْلَمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمُزَنِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ قَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لِأَنَّهُ يُرْسِلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ لَهُ لُقًا وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ يُدَلِّسُونَ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَمْرٍو أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ عُمَرَ لَمْ يُدْرِكْهُ الْأَوْزَاعِيُّ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ الْحَدِيثَ
[٣٦٤٨] (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) والحديث ليس من رواية اللؤلؤي
قَالَ الْمِزِّيُّ هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
[٣٦٤٩] (فَقَالَ اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَهَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ فِي الْوَقْفِ وَالدَّرَجِ وَلَا يُقَالُ بِالتَّاءِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ عَنْهُ وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ وَالْإِذْنَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوِ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْإِذْنَ فِي
تَفْرِيقِهَا أَوِ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالْإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا
وَقِيلَ النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الْحِفْظِ وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ مُؤَمَّلِ بْنِ الْفَضْلِ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ وَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
[٣٦٥٠] (قُلْتُ لِأَبِي عَمْرٍو) هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَدِيثُ لَيْسَ من رواية اللؤلؤي وتقدم قول المزي فيه
([٣٦٥١] باب التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ)
ﷺ (عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ) الْأَحْمَسِيِّ هُوَ أَبُو بِشْرٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ (قَالَ قُلْتُ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (قَالَ) الزُّبَيْرُ (أَمَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنْ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ) أَيْ قُرْبٌ وَقَرَابَةٌ فَكَثُرَ بِذَلِكَ مُجَالَسَتِي مَعَهُ وَسَمَاعِي مِنْهُ ﷺ فَلَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ قِلَّةَ السَّمَاعِ لَهُ سَبَبُهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (مَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنِ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ إِذِ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ
وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْمَوْثُوقِ بِنَقْلِهِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ فَمَنْ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ الْوُقُوعَ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ
وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثْبِيتِ أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ مَنْ مَوْصُولَةٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَكَذَبَ عَلَيَّ صِلَتُهَا وَقَوْلُهُ فَلْيَتَبَوَّأْ جَوَابُ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ دَخَلَتْهُ الْفَاءُ (فَلْيَتَبَوَّأْ) بِكَسْرِ اللَّامِ هُوَ الْأَصْلُ وَبِالسُّكُونِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ التَّبَوُّءِ وَهُوَ اتِّخَاذُ الْمَبَاءَةِ أَيِ الْمَنْزِلُ يُقَالُ تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ مَوْضِعًا لِمَقَامِهِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَوَّأَ بِالْمَكَانِ أَصْلُهُ مِنْ مَبَاءَةِ الْإِبِلِ وَهِيَ أَعْطَانُهَا وَظَاهِرُهُ أَمْرٌ وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ يُرِيدُ أن الله تعالى يبوءه مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (مَقْعَدَهُ) هُوَ مَفْعُولٌ لِيَتَبَوَّأْ وَكَلِمَةُ مِنْ مِنَ النَّارِ بَيَانِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ إِنَّ حَدِيثَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَنِهَايَةِ الْقُوَّةِ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مُتَعَمِّدًا وَالْمَحْفُوظُ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ وَاللَّهِ مَا قَالَ مُتَعَمِّدًا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ مُتَعَمِّدًا