وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحُمَةُ سُمُّ ذَوَاتِ السُّمُومِ وَقَدْ تُسَمَّى إِبْرَةُ الْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ حُمَةً وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَجْرَى السُّمِّ وَلَيْسَ فِي هَذَا نَفْيُ جَوَازِ الرُّقْيَةِ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَقَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ
وَقَالَ لِلشِّفَاءِ وَعَلِّمِي حَفْصَةَ رُقْيَةَ النَّمِلَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالسُّمِّ وَهَذَا كَمَا قِيلَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ وَلَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه الترمذي
٨ - (باب فِي الرُّقَى)
[٣٨٨٥] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَقَيْتُهُ أَرْقِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى رَقْيًا عَوَّذْتُهُ بِاللَّهِ وَالِاسْمُ الرُّقْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى وَالْمَرَّةُ رُقْيَةٌ وَالْجَمْعُ رُقَى مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدَى انْتَهَى
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ الرُّقَى جَمْعُ رُقْيَةٍ وَهِيَ الْعُوذَةُ وَبِالْفَارِسِيَّةِ أفسون وَقِيلَ مَا يُقْرَأُ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْقُرْآنِ وَالْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا بِالِاتِّفَاقِ وَبِمَا عَدَاهَا حَرَامٌ لَا سِيَّمَا بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ انتهى (قال أحمد) بن صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ ثَابِتُ بْنُ قيس بن شماس (ثم أخذ) النبي (مِنْ بَطْحَانَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ اسْمُ وَادِي الْمَدِينَةِ والْبَطْحَانِيُّونَ مَنْسُوبُونَ إِلَيْهِ وَأَكْثَرُهُمْ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَلَعَلَّهُ الْأَصَحُّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَجَعَلَهُ) أَيِ التُّرَابَ (فِي قَدَحٍ) بِفَتْحَتَيْنِ آنِيَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْجَمْعُ أَقْدَاحٌ مِثْلُ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ (ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التُّرَابِ (بِمَاءٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَفَثَهُ مِنْ فِيهِ نَفْثًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ رَمَى بِهِ وَنَفَثَ إِذَا بَزَقَ وَمِنْهُ مَنْ يَقُولُ إِذَا بَزَقَ وَلَا رِيقَ مَعَهُ وَنَفَثَ فِي الْعُقْدَةِ عِنْدَ الرَّقْيِ وَهُوَ الْبُصَاقُ الْيَسِيرُ انْتَهَى
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ النَّفْثُ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ وَالنَّفْثَ
شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ وَقِيلَ هُوَ التَّفْلُ بِعَيْنِهِ نَفَثَ الرَّاقِي (وَصَبَّهُ) أَيْ وَصَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ وَالْمَعْنَى أَيْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ رَمَى بِالْمَاءِ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَاءَ أَوَّلًا فِي فِيهِ لِيُخَالِطَ الْمَاءَ بريق رسول الله وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ نُفِثَ أَيْ رُمِيَ عَلَى التُّرَابِ مِنْ غَيْرِ إِدْخَالِهِ فِي فِيهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَيْ رُشَّ الْمَاءُ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الطِّينُ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ قَالَ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ أَيْ أَحَدُ رُوَاتِهِ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى سَقِيمُنَا بإذن ربنا
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ هَذَا مِنَ الْعِلَاجِ السَّهْلِ الْمُيَسَّرِ النَّافِعِ الْمُرَكَّبِ وَهِيَ مُعَالَجَةٌ لَطِيفَةٌ يُعَالَجُ بِهَا الْقُرُوحُ وَالْجِرَاحَاتُ الطَّرِيَّةُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ إِذْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِكُلِّ أَرْضٍ
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَبِيعَةَ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ مُجَفِّفَةٌ لِرُطُوبَاتِ الْجُرُوحِ وَالْجِرَاحَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ الطَّبِيعَةُ مِنْ جَوْدَةِ فِعْلِهَا وَسُرْعَةِ انْدِمَالِهَا لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارَّةِ فَإِنَّ الْقُرُوحَ وَالْجِرَاحَاتِ يَتْبَعُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ سُوءُ مِزَاجٍ حَارٍّ فَيَجْتَمِعُ حَرَارَةُ الْبَلَدِ وَالْمِزَاجِ وَالْجِرَاحِ وَطَبِيعَةُ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ أَشَدُّ مِنْ بُرُودَةِ جَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الْبَارِدَةِ فَيُقَابِلُ بُرُودَةُ التُّرَابِ حَرَارَةَ الْمَرَضِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ التُّرَابُ قَدْ غُسِلَ وَجُفِّفَ وَيَتْبَعُهَا أَيْضًا كَثْرَةُ الرُّطُوبَاتِ الرَّدِيَّةِ وَالسَّيْلَانِ
وَالتُّرَابُ مُجَفِّفٌ لَهَا مُزِيلٌ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ وَتَجْفِيفِهِ لِلرُّطُوبَةِ الرَّدِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ بَرْدِهَا وَيَحْصُلُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ تَعْدِيلُ مِزَاجِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ وَمَتَى اعْتَدَلَ مِزَاجُ الْعُضْوِ قَوِيَتْ قُوَاهُ الْمُدَبِّرَةُ وَدَفَعَتْ عَنْهُ الْأَلَمَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وَمَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها عَلَى التُّرَابِ فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَيَنْضَمُّ أَحَدُ الْعِلَاجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ فَيَقْوَى التَّأْثِيرُ
وَهَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا جَمِيعُ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً فِيهِ قَوْلَانِ
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنَ التُّرْبَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ خَاصِّيَّةٌ يُنْفَعُ بِهَا مِنْ أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ وَيَشْفِي بِهَا أَسَقَامًا رَدِيَّةً
قَالَ جَالِينُوسُ رَأَيْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ وَيَطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيِّنَةً
قَالَ وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ قَدْ يَقَعُ هَذَا الطِّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهِّلَةِ الرَّخْوَةِ قَالَ وَإِنِّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهَّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلُّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ مِنْ أَسْفَلَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطِّينِ نَفْعًا بَيِّنًا
وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمَكُّنًا شَدِيدًا فَبَرَأَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا