عون المعبود · العظيم آبادي · ج10 ص289قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ قَدْ يَعْتَرِيهِ الطِّيَرَةُ وَيَسْبِقُ إِلَى قَلْبِهِ الْكَرَاهَةُ فِيهِ فَحُذِفَ اخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ وَاعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَذَلِكَ الْحَذْفُ يُسَمَّى فِي الْبَدِيعِ بِالِاكْتِفَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا مِنَّا إِلَى آخِرِهِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَهُوَ الصَّوَابُ
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ الطيرة والتطير أن التطير هو الظن السيء الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالطِّيَرَةُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الظَّنِّ السَّيِّئِ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ) مِنَ الْإِذْهَابِ (بِالتَّوَكُّلِ) أَيْ بِسَبَبِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطْرَةَ لَيْسَ بِهَا عِبْرَةٌ فَإِنْ وَقَعَتْ غَفْلَةً لَا بُدَّ مِنْ رَجْعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سلمة بْنِ كُهَيْلٍ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ هَذَا الْحَرْفُ لَيْسَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وكأنه قول بن مَسْعُودٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ نَحْوَ هَذَا وَأَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَمَا مِنَّا إِلَّا انْتَهَى
[٣٩١١] (لَا عَدْوَى) نَفْيٌ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْمَرَضِ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ (وَلَا صَفَرَ) نَفْيٌ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَنَّهُ دَاءٌ بِالْبَاطِنِ يُعْدِي أَوْ حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ وَهِيَ تُعْدِي أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ أَوِ الْمُرَادُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ أَوْ هُوَ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ مِنَ
الْجُوعِ أَوْ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ (وَلَا هَامَةَ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ طَائِرٌ وَقِيلَ هُوَ الْبُومَةُ
قَالُوا إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ وَقَعَتْ فِيهَا مُصِيبَةٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (مَا بَالُ الْإِبِلِ) أَيْ مَا شَأْنُ جَمَاعَةٍ مِنْهَا (تَكُونُ فِي الرَّمْلِ) هُوَ خَبَرُ تَكُونُ (كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) فِي النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الدَّاءِ وَالظِّبَاءُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَفِي الرَّمْلِ خَبَرٌ وَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى النَّقَاوَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي التُّرَابِ رُبَّمَا يَلْصَقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ (الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ) أَيِ الَّذِي فِيهِ جَرَبٌ وَحَكَّةٌ (فَيُجْرِبُهَا) مِنَ الْإِجْرَابِ أَيْ يَجْعَلُهَا جَرِبَةً بِإِعْدَائِهَا
وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ أَيْ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْجَرَبُ لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ فَإِنْ أَجَابُوا مِنْ بَعِيرٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلْيُفْصِحُوا بِهِ
فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ هُوَ الْقَادِرُ الْخَالِقُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مُؤَثِّرَ سِوَاهُ (لَا يُورِدَنَّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ (مُمْرِضٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى (عَلَى مُصِحٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ لَا يُورِدَنَّ إِبِلَهُ الْمَرِيضَةَ عَلَى إِبِلِ غَيْرِهِ الصَّحِيحَةِ
وَجَمَعَ بن بَطَّالٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ لَا عَدْوَى فَقَالَ لَا عَدْوَى إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَأَمَّا النَّهْيُ فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْمُصِحُّ أَنَّ مَرَضَهَا حَدَثَ مِنْ أَجْلِ وُرُودِ الْمَرِيضِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ داخلا بتوهمه
ذلك في تصحيح ما أبطله النبي وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَالَ) الزُّهْرِيُّ (فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ وَتُوَضِّحُهَا رِوَايَةُ مسلم من طريق يونس عن بن شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف حدثه أن رسول الله قَالَ لَا عَدْوَى وَيُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عن رسول الله ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدَ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ بن أبي ذباب وهو بن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك ياأبا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ كُنْتَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فما رآه (مِنَ الْمُمَارَاةِ) الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَا قُلْتُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَى قُلْتُ أَبَيْتُ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ انْتَهَى
(حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي الْعُمْرِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُؤَثِّرُ نِسْيَانُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ لَا عَدْوَى بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نِسْيَانَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأنس بن مالك وبن عمر عن النبي انْتَهَى
وَنَقَلَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَعَلَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا قَبْلَ بَسْطِ رِدَائِهِ ثُمَّ ضَمِّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ فَرَاغِ النَّبِيِّ مِنْ مَقَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا [٣٩١٢] (وَلَا نَوْءَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ طُلُوعُ نَجْمٍ وَغُرُوبُ مَا يُقَابِلُهُ أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يَنْسُبُونَهُ إلى الطالع أو الغارب فنفى صِحَّةَ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ مَعَ طُلُوعِ الصُّبْحِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَجْمًا يَسْقُطُ فِي كُلِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً نَجْمٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَطْلُعُ آخَرُ مُقَابِلَهُ فِي الْمَشْرِقِ مِنْ سَاعَتِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٣٩١٣] (لَا غُولَ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْغُولُ أَحَدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الغول في الفلاء تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا أَيْ تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى وَتَغُولُهُمْ أَيْ تُضِلُّهُمْ عَنِ الطريق وتهلكهم فنفاه النبي وَأَبْطَلَهُ وَقِيلَ قَوْلُهُ لَا غُولَ لَيْسَ نَفْيًا لِعَيْنِ الْغُولِ وَوُجُودِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ إِبْطَالُ زَعْمِ الْعَرَبِ فِي تَلَوُّنِهِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاغْتِيَالِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ لَا غُولَ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّ أَحَدًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا غُولَ وَلَكِنِ السَّعَالِي وَالسَّعَالِي سَحَرَةُ الْجِنِّ أَيْ وَلَكِنْ فِي الْجِنِّ سَحَرَةُ تَلْبِيسٍ وَتَخْيِيلٍ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ أَيْ ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذِكْرِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِنَفْيِهَا عَدَمُهَا وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ كَانَ لِي تَمْرٌ فِي سَهْوَةٍ فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ انْتَهَى كَلَامُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا غُولَ انْتَهَى [٣٩١٤] (كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ) الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ أَيْ أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَحِلُّ صَفَرَ مَرَّةً وَكَانَتْ تُحَرِّمُهُ مَرَّةً وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ النَّسِيءُ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا النَّسِيءُ زيادة في الكفر أَيْ هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ شَهْرٌ حَرَامٌ وَهُمْ مُحَارِبُونَ أَحَلُّوهُ وَحَرَّمُوا بَدَلَهُ شَهْرًا مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ حَتَّى رَفَضُوا خُصُوصَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ الْعَدَدِ فَإِنَّ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَتَحْلِيلَ مَا حَرَّمَهُ كُفْرٌ ضَمُّوهُ إِلَى كُفْرِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمُوا الشَّهْرَ الْحَرَامَ بَلْ وَافَقُوا فِي الْعَدَدِ وَحْدَهُ كَذَا فِي جَامِعِ البيان قال بن الْأَثِيرِ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ النَّسِيءَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ وَيَجْعَلُونَ صَفَرَ هُوَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فَأَبْطَلَهُ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ لَا صَفَرَ فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ تَأْخِيرُهُمْ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ وَهُوَ النَّسِيءُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالثَّانِي أَنَّ الصَّفَرَ دَوَابٌّ فِي الْبَطْنِ وَهِيَ دُودٌ وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصحيح وبه قال مطرف وبن وهب وبن حَبِيبٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَخَلَائِقُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ [٣٩١٦] (وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ) لِأَنَّهُ حُسْنُ ظَنٍّ بِاللَّهِ تَعَالَى (الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفِطْرَةِ مَحَبَّةَ ذَلِكَ كَمَا جَعَلَ فِيهَا الِارْتِيَاحَ بِالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْمَاءِ الصَّافِي وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ وَيَسْتَعْمِلْهُ وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أبى هريرة قال قال النبي لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يارسول اللَّهِ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ يُعْجِبُهُ أَنْ يَسْمَعَ يَا نَجِيحُ يَا رَاشِدُ قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ انْتَهَى أَيْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي السِّيَرِ [٣٩١٥] (تَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْهَامَةُ الرَّأْسُ وَاسْمُ طَائِرٍ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا وَهِيَ مِنَ طَيْرِ اللَّيْلِ وَقِيلَ هِيَ الْبُومَةُ وَقِيلَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَقُولُ اسْقُونِي فَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ وَقِيلَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ وَقِيلَ رُوحَهُ تَصِيرُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهُ الصَّدَى فَنَفَاهُ الْإِسْلَامُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْهَاءِ وَالْوَاوِ وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الْهَاءِ وَالْيَاءِ انْتَهَى (يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ) أَيْ بشهر صَفَرَ وَيَعْتَقِدُونَ شَآمَتَهُ (هُوَ يُعْدِي) مِنَ الْإِعْدَاءِ أَيْ يَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَى غَيْرِهِ [٣٩١٧] (فَأَعْجَبَتْهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ إِلَى الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ (فَأْلُكَ) بِالْهَمْزِ السَّاكِنِ بَعْدَ الْفَاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَأْلُ ضِدُّ الطِّيَرَةِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (مِنْ فِيكَ) أَيْ مِنْ فَمِكَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ انْتَهَى قَالَ السُّيُوطِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النبي سمع رجلا وفيه فقال رسول الله يَا لَبَّيْكَ نَحْنُ أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ [٣٩١٨] (فَمَا الْهَامَةُ) أَيْ مَا تَفْسِيرُهَا (قَالَ) عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي جَوَابِهِ (يَقُولُ نَاسٌ) مِنَ الَّذِينَ فِيهِمْ آثَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَاعْتِقَادُهَا (الْهَامَةُ) أَيِ الْبُومَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ (الَّتِي تَصْرُخُ) بِالْخَاءِ المعجمة من