[٣٩٢٤] (فِيهَا عَدَدُنَا) أَيْ أَهْلُونَا (فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ إِلَخْ) وَالْمَعْنَى أَنَتْرُكُهَا وَنَتَحَوَّلُ إِلَى غَيْرِهَا أَوْ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (ذَرُوهَا ذَمِيمَةً) أَيِ اتْرُكُوهَا مَذْمُومَةً فَعِيلَةً بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ قاله بن الْأَثِيرِ
وَالْمَعْنَى اتْرُكُوهَا بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا حَالَ كَوْنِهَا مَذْمُومَةً لِأَنَّ هَوَاءَهَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لَكُمْ
قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ أَيْ ذَرُوهَا وَتَحَوَّلُوا عَنْهَا لِتَخْلُصُوا عَنْ سُوءِ الظَّنِّ وَرُؤْيَةِ الْبَلَاءِ مِنْ نزول تلك الدار انتهى
قال الخطابي وبن الْأَثِيرِ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إِبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إِنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ السُّكْنَى فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَزَالَ عَنْهُمْ مَا خَامَرَهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٩٢٥] (أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ) قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ الْمَجْذُومُ الَّذِي وضع رسول الله أَوْ عُمَرُ ﵁ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَأَكَلَ مَعَهُ هُوَ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ (فِي الْقَصْعَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَفِيهِ غَايَةُ التَّوَكُّلِ مِنْ جِهَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا الْأَخْذُ بِيَدِهِ وَثَانِيَتُهُمَا الْأَكْلُ مَعَهُ
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كُلْ مَعَ صَاحِبِ الْبَلَاءِ تَوَاضُعًا لِرَبِّكَ وَإِيمَانًا (كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْوُثُوقِ كَالْعِدَةِ وَالْوَعْدِ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ كُلْ مَعِي أَثِقْ ثِقَةً بِاللَّهِ أَيْ اعْتِمَادًا بِهِ وَتَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَيْهِ (وَتَوَكُّلًا) أَيْ وَأَتَوَكَّلُ تَوَكُّلًا (عَلَيْهِ) وَالْجُمْلَتَانِ حَالَانِ ثَانِيَتُهُمَا مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ قَالَ البيهقي أخذه بيد المجذوم ووضعها في القصعة وأكل مَعَهُ فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ حَالُهُ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَتَرْكَ الِاخْتِيَارِ فِي مَوَارِدِ الْقَضَاءِ
وقوله وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ وأمره فِي مَجْذُومِ بَنِي ثَقِيفٍ
بِالرُّجُوعِ فِي حَقِّ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنِ احْتِمَالِ الْمَكْرُوهِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فَيُحْرَزُ بِمَا هُوَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاحْتِرَازَاتِ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفَ الْآثَارُ عَنِ النبي فِي قِصَّةِ الْمَجْذُومِ فَثَبَتَ عَنْهُ الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ أَيْ حَدِيثُ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ وَحَدِيثُ الْمَجْذُومِ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النبي أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ وَقَالَ لَهُ كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَنَا مَوْلَى مَجْذُومٌ فَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي
قَالَ وَقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ إِلَى الْأَكْلِ مَعَهُ وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخٌ
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا نَسْخَ بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ لَا الْوُجُوبِ وَأَمَّا الْأَكْلُ مَعَهُ فَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ هَذَا شَيْخٌ بَصْرِيٌّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ شَيْخٌ مِصْرِيٌّ أَوْثَقُ مِنْ هَذَا وَأَشْهَرُ
وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشهيد عن بن بُرَيْدَةَ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ وَحَدِيثُ شُعْبَةَ أَشْبَهُ عِنْدِي وَأَصَحُّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْبَصْرِيُّ أَخُو مُبَارَكٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْهُ يَعْنِي عَنِ بن المنكدر
وقال بن عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ لَا أَعْلَمُ يَرْوِيهِ عَنْ حَبِيبٍ غَيْرُ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ وَقَالَ أَيْضًا وَقَالُوا تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ هَذَا بَصْرِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو مَالِكٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وقد أخرج مسلم في صحيحه والنسائي وبن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفَ رجل مجذوم فأرسل إليه النبي إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ أبا هريرة يقول قال رسول
الله يَقُولُ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
قُلْتُ قَوْلُهُ تَعْلِيقًا يُنْظَرُ فِي كَوْنِهِ تَعْلِيقًا فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ بَابُ الْجُذَامِ وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ميناء فذكره وعفان هو بن مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ رَوَى عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَوَاضِعَ وَرَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ أَيْضًا كَثِيرًا فَقَوْلُهُ قَالَ عَفَّانُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاتِّصَالِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ عَنِ الْجُمْهُورِ وَذَكَرَهُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَزِيرُ في كتابه تنقيح الأنظار ورد على بن حَزْمٍ قَوْلَهُ إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الِاصْطِلَاحِ أَنَّ مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَهُنَا قَدْ جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَرَى
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَأَبِي قُتَيْبَةَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ شَيْخِ عَفَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ فَذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ