١٢ - (بَاب فِي حَلْقِ الرَّأْسِ)
[٤١٩٢] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن جعفر) أي بن أَبِي طَالِبٍ (أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ) أَيْ تَرَكَ أَهْلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَبْكُونَ وَيَحْزَنُونَ عَلَيْهِ (ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال
قال القارىء وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُنَاسِبُ لِظُلُمَاتِ الْحُزْنِ مَعَ أَنَّ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامَ مُتَلَازِمَانِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ وَالتَّحَزُّنَ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نُدْبَةٍ وَنِيَاحَةٍ جَائِزٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (عَلَى أَخِي) يعني جعفر (بَعْدَ الْيَوْمِ) أَيْ هَذَا الْيَوْمِ (ثُمَّ قَالَ أدعوا لي) أَيْ لِأَجْلِي (بَنِي أَخِي) وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَعَوْنٌ وَمُحَمَّدٌ أَوْلَادُ جَعْفَرٍ (كَأَنَّا أَفْرُخٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ جَمْعُ فَرْخٍ وَهُوَ صَغِيرُ وَلَدِ الطَّيْرِ وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ شَعْرَهُمْ يُشْبِهُ زَغَبَ الطَّيْرِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ مِنْ رِيشِهِ (فأمره) أي الحلاق بعد مجيئه (فحلق رؤوسنا) وإنما حلق رؤوسهم مَعَ أَنَّ إِبْقَاءَ الشَّعْرِ أَفْضَلُ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ لِمَا رَأَى مِنَ اشْتِغَالِ أُمِّهِمْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَنْ تَرْجِيلِ شُعُورِهِمْ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ قَتْلِ زَوْجِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَسَخِ وَالْقَمْلِ ذَكَرَهُ القارىء
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ جَمِيعِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ الْآتِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي
٣ - (باب في الصبي له ذؤابة)
بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الذُّؤَابَةُ هِيَ الشَّعْرُ الْمَضْفُورُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ انتهى
وفي القاموس الذؤابة الناصية أو منبتها مِنَ الرَّأْسِ انْتَهَى
وَفِي مُنْتَهَى الْأَرَبِ ذُؤَابَةٌ بالضم كيسو وبيشاني يا جاي روئيدي موي بيشاني درسر انتهى
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي الذُّؤَابَةُ مَا يَتَدَلَّى مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ انْتَهَى
وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَابِ
[٤١٩٣] (قال أحمد) أي بن حَنْبَلٍ (كَانَ) أَيْ عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ (قَالَ) أَيْ عُثْمَانُ (عَنِ الْقَزَعِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّاي ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ قَزَعَةٍ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ السَّحَابِ وَسُمِّيَ شَعْرُ الرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ بَعْضُهُ وَتُرِكَ بَعْضُهُ قَزَعًا تَشْبِيهًا بِالسَّحَابِ الْمُتَفَرِّقِ (وَالْقَزَعُ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ إِلَخْ) هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّ الْقَزَعَ مَا فَسَّرَهُ بِهِ نَافِعٌ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ حَلْقُ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الرَّاوِي وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ
قَالَ الْحَافِظُ إِلَّا أَنَّ تَخْصِيصَهُ بِالصَّبِيِّ لَيْسَ قَيْدًا
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوَهَا وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ مُطْلَقًا
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْقُصَّةِ أَوِ الْقَفَا لِلْغُلَامِ وَمَذْهَبُنَا كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَحُكِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّفْسِيرُ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمَا الْقَزَعُ فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ إِذَا حَلَقَ الصبي ترك ها هنا شعر وها هنا وها هُنَا فَأَشَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَيْ رَأْسِهِ فَقِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ فَالْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ قَالَ لَا أَدْرِي هَكَذَا قَالَ الصَّبِيُّ
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَعَاوَدْتُهُ فَقَالَ أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِمَا وَلَكِنِ الْقَزَعُ أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعْرٌ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ غَيْرُهِ وَكَذَلِكَ شِقُّ رَأْسِهُ هَذَا أَوْ هَذَا
[٤١٩٤] (نَهَى عَنِ الْقَزَعِ وَهُوَ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ لَهُ ذُؤَابَةٌ) هَكَذَا جَاءَ تَفْسِيرُ الْقَزَعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّحِيحُ مَا فَسَّرَ بِهِ نَافِعٌ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَعْرِفُ الَّذِي فَسَّرَ الْقَزَعَ بِذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ فَقَالَتْ أُمِّي لَا أَجُزُّهَا الْحَدِيثَ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
[٤١٩٥] (قَدْ حُلِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَنَهَاهُمْ) أَيْ أَهْلَ الصَّبِيِّ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ حَلْقِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ الْبَعْضِ
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيلَ لِكَوْنِهِ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ وَقِيلَ لِأَنَّهُ زِيُّ الشَّيْطَانِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ زِيُّ الْيَهُودِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ (احْلِقُوهُ) أَيْ رَأْسَهُ (كُلَّهُ) أَيْ كُلَّ الرَّأْسِ أَيْ شَعْرِهُ
قال القارىء فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَلْقَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَائِزٌ وَأَنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَتَرْكِهِ لَكِنِ الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَحْلِقَ إِلَّا فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ ﵃ وَانْفَرَدَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكَ بَعْضِهِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَ مِنْ قُبُلٍ وَدُبُرٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَنَّ الْجَائِزَ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ أَنْ يُحْلَقَ رؤوسهم كُلُّهَا أَوْ يُتْرَكُ كُلُّهَا انْتَهَى
(وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ) فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ حَلْقَ الرَّأْسِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِضُبَيْعٍ لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ بِالسَّيْفِ وَلِحَدِيثِ الْخَوَارِجِ أَنَّ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ
قَالَ أَحْمَدُ إِنَّمَا كَرِهُوا الْحَلْقَ بِالْمُوسَى أَمَّا بِالْمِقْرَاضِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْكَرَاهَةِ تَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
وَلَمْ يُجِبْ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْكَرَاهَةِ وَأَقْوَاهَا حَدِيثُ الْخَوَارِجِ وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لَهُمْ وَالْعَلَامَةُ قَدْ تَكُونُ بِحَرَامٍ وَقَدْ تَكُونُ بِمُبَاحٍ كَمَا قَالَ ﷺ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأْسِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِبَاحَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي خَرَّجَهُ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ
وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ