HadithLab
RU
سنن أبي داود · باب ما يرجى في القتل

رقم الحديث 4278

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ»
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:Sahih
  • الألباني:Sahih
  • زبير علي زئي:Hasan
ج 4 ص 105
عون المعبود · العظيم آبادي · ج11 ص240
(قَالَ هِيَ جَزَاؤُهُ إِلَخْ) إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذهب جمهور السلف والخلف غير بن عَبَّاسٍ ﵁ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (بَاب مَا يُرْجَى فِي الْقَتْلِ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيْ بَابُ الَّذِي يُرْجَى فِي الْقَتْلِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ [٤٢٧٧] (فَقُلْنَا أَوْ قَالُوا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (هَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ (لَتُهْلِكُنَا مِنَ الْإِهْلَاكِ) أَيْ تُهْلِكُ تِلْكَ الْفِتْنَةُ دُنْيَانَا وَعَاقِبَتَنَا (إِنَّ بِحَسْبِكُمُ الْقَتْلُ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هَذَا بِزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي الْمُبْتَدَأِ عِنْدَ النُّحَاةِ قَالُوا لَا يُحْفَظُ زِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْمُبْتَدَأِ إِلَّا فِي بِحَسْبِكَ زَيْدٌ أَيْ حَسْبُكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ بِحَسْبِكَ أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَاتِ قَالَ بن يَعِيشَ وَمَعْنَاهُ حَسْبُكَ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فِي الِابْتِدَاءِ قَالَ وَلَا يُعْلَمُ مُبْتَدَأٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ فِي الْإِيجَابِ غَيْرَ هَذَا الْحَرْفِ انْتَهَى وَعَلَى هَذَا ها هنا هُوَ اسْمُ إِنَّ وَالْقَتْلُ مَرْفُوعٌ خَبَرُهَا انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ لَوْ أَدْرَكَتْكُمْ لَيَكْفِيكُمْ فِيهَا الْقَتْلُ أَيْ كونكم مقتولين والضرر الذي يحصلكم مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا الْقَتْلَ وَأَمَّا هَلَاكُ عَاقِبَتِكُمْ فَكَلَّا بَلْ يَرْحَمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ هُنَاكَ وَيَغْفِرُ لَكُمْ هَذَا ظَهَرَ لِي فِي مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قُتِلُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٤٢٧٨] (أُمَّتِي هَذِهِ) أَيِ الْمَوْجُودُونَ الْآنَ وَهُمْ قَرْنُهُ أَوْ أَعَمُّ (أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ) أَيْ مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ أَوْ بِتَخْفِيفِ الْإِصْرِ وَالْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَإِخْرَاجِ رُبْعِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ (لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخرة) أي من عذب منهم لا تعذب مِثْلَ عَذَابِ الْكُفَّارِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا عَذَابَ عَلَيْهَا فِي عُمُومِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يَمَسُّهَا النَّارُ فَتَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ إِنَّ الْغَالِبَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الْمَغْفِرَةِ وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بَلْ غَالِبُ عَذَابِهُمْ أَنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمِحَنِ وَالْأَمْرَاضِ وَأَنْوَاعِ الْبَلَايَا كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سوءا يجز به) انْتَهَى (عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ) أَيِ الْحُرُوبُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمْ (وَالزَّلَازِلُ) أَيِ الشَّدَائِدُ وَالْأَهْوَالُ (وَالْقَتْلُ) أَيْ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَخَفُّ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّ شَأْنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ جَارٍ عَلَى مِنْهَاجِ الْعَدْلِ وَأَسَاسِ الرُّبُوبِيَّةِ وَشَأْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَاشٍ عَلَى مَنْهَجِ الفضل وجود الإلهية قال القارىء وَقِيلَ الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِجَمَاعَةٍ لَمْ تَأْتِ كَبِيرَةً وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ وَهُمُ الْمُشَاهَدُونَ مِنِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْمَشِيئَةِ مُقَدَّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء وَقَالَ الْمُظْهِرُ هَذَا حَدِيثٌ مُشْكِلٌ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنْ لَا يُعَذَّبَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ سَوَاءً فِيهِ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ وَغَيْرُهُ فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْذِيبِ مُرْتَكِبِ الكبيرة اللهم إلا أن يأول بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ هُنَا مَنِ اقْتَدَى بِهِ ﷺ كَمَا يَنْبَغِي وَيَمْتَثِلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ أُمَّتِهِ ﷺ وَاخْتِصَاصِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ فِي الدُّنْيَا حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ذَنْبًا مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ هَذِهِ وَتَعْقِيبُهَا بِقَوْلِهِ مَرْحُومَةٌ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ تَمْيِيزِهِمْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَفْهُومِ مَهْجُورٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فسأكتبها للذين يتقون إِلَى قَوْلِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ انتهى قال القارىء وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ أَنَّ رَحْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ وَإِمَّا بِعَفْوِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَهَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ الْمَأْخُوذُ مِنَ أَلْفَاظِهِ وَمَبْنَاهُ وَلَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُخْتَلَفِ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَهْجُورٌ بَلِ الْمُرَادُ بِمَفْهُومِهِ فِي كَلَامِ الْمُظْهِرِ الْمَعْلُومِ فِي الْعِبَارَةِ ثُمَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ وَهِيَ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ بِالْبَلِيَّةِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ وَلَا عِبْرَةٍ بِمَا فيهم مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ إِلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ وُقُوعِ عَذَابِهَا بِهَا غَالِبًا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْكُوفِيُّ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ تَغَيَّرَ فِي آخر عمره في حديثه اضطراب وقال بن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ اخْتَلَطَ حَدِيثُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَفِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ الْمَسْعُودِيُّ مَشْهُورٌ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِالْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمَاعُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى والله أعلم ٣٥ - كِتَاب الْمَهْدِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْكَافَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ ظُهُورِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُؤَيِّدُ الدِّينَ وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ وَيَتَّبِعُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَسْتَوْلِي عَلَى الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَيُسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ وَيَكُونُ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَثَرِهِ وَأَنَّ عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ مِنْ بَعْدِهِ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ أَوْ يَنْزِلُ مَعَهُ فَيُسَاعِدُهُ عَلَى قَتْلِهِ وَيَأْتَمُّ بِالْمَهْدِيِّ فِي صَلَاتِهِ وَخَرَّجُوا أَحَادِيثَ الْمَهْدِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو داود والترمذي وبن مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ وَأَسْنَدُوهَا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ عَلِيٍّ وبن عباس وبن عُمَرَ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَثَوْبَانَ وَقُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ وَعَلِيٍّ الْهِلَالِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ ﵁ وَإِسْنَادُ أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ بَيْنَ صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ وَقَدْ بَالَغَ الْإِمَامُ الْمُؤَرِّخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ الْمَغْرِبِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثَ الْمَهْدِيِّ كُلِّهَا فَلَمْ يُصِبْ بَلْ أَخْطَأَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ مَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيث الخلافة بعد وثلاثون سَنَة وَحَدِيث اِثْنَا عَشَر خَلِيفَة ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف الْجَمْع قِيلَ لَا تَعَارُض بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّ الْخِلَافَة الْمُقَدَّرَة بِثَلَاثِينَ سَنَة هي خلافة النبوة كما في حَدِيث أَبِي بَكْرَة وَوَزْن النَّبِيّ ﷺ بِأَبِي بَكْر وَرُجْحَانه وَسَيَأْتِي وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ خِلَافَة نُبُوَّة ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْك مَنْ يَشَاء وَمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ مَنْ كَذَّبَ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ فَمَوْضُوعٌ وَالْمُتَّهَمُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ الْمُنْكِرُونَ لِشَأْنِ الْمَهْدِيِّ بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَمَ وَالْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [٤٢٧٩] لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا أَيْ مُسْتَقِيمًا سَدِيدًا جَارِيًا عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِّ (حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً وَلَفْظُ مُسْلِمٍ لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ) الْمُرَادُ بِاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ انْقِيَادُهَا لَهُ وَإِطَاعَتُهُ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَدْ مَضَى مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا الْخُلَفَاء الِاثْنَا عَشَر فَلَمْ يَقُلْ فِي خِلَافَتهمْ إِنَّمَا خِلَافَة نُبُوَّة وَلَكِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ اِسْم الْخُلَفَاء وَهُوَ مُشْتَرَك وَاخْتَصَّ الْأَئِمَّة الرَّاشِدُونَ مِنْهُمْ بِخَصِيصَةٍ فِي الْخِلَافَة وَهِيَ خِلَافَة النُّبُوَّة وَهِيَ الْمُقَدَّرَة بِثَلَاثِينَ سَنَة خِلَافَة الصِّدِّيق سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَة أَشْهُر وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَخِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب عَشْر سِنِينَ وَسِتَّة أَشْهُر وَأَرْبَع لَيَالٍ وَخِلَافَة عُثْمَان اِثْنَتَيْ عَشْر سَنَة إِلَّا اِثْنَيْ عَشَر يَوْمًا وَخِلَافَة عَلِيّ خَمْس سِنِينَ وَثَلَاثَة أَشْهُر إِلَّا أَرْبَعَة عَشَر يَوْمًا وَقُتِلَ عَلِيّ سَنَة أَرْبَعِينَ فَهَذِهِ خِلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ سَنَة وَأَمَّا الْخُلَفَاء اِثْنَا عَشَر فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّانَ وَغَيْره إِنَّ آخِرهمْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَذَكَرُوا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ثُمَّ مُعَاوِيَة ثُمَّ يَزِيد اِبْنه ثُمَّ مُعَاوِيَة بْن يَزِيد ثُمَّ مَرْوَان بْن الْحَكَم ثُمَّ عَبْد الْمَلِك اِبْنه ثُمَّ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك ثُمَّ سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك ثُمَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَتْ وفاته على رأس المائة وهي القرن الفضل الَّذِي هُوَ خَيْر الْقُرُون وَكَانَ الدِّين فِي هَذَا الْقَرْن فِي غَايَة الْعِزَّة ثُمَّ وَقَعَ مَا وَقَعَ وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا أَوْقَع عَلَيْهِمْ اِسْم الْخِلَافَة بِمَعْنَى الْمُلْك فِي غَيْر خِلَافَة النُّبُوَّة قَوْله فِي الْحَدِيث الصَّحِيح مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي خُلَفَاء يَعْمَلُونَ بِمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَسَيَكُونُ مِنْ بَعْدهمْ خُلَفَاء يَعْمَلُونَ بِمَا لَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ من أنكر بريء وَمَنْ أَمْسَكَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ وَقِيلَ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ يَفْتَرِقُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ السَّبِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يَعْتَقِبُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُقْسِطِينَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لِاسْمِ الْخَلِيفَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْوِلَاءِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ عَلَى الْوَلَاءِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُسَمَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمَجَازِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي قَدْ تَوَجَّهَ هُنَا سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْهُرُ الَّتِي بُويِعَ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ وَالسُّؤَالُ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وَلِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ قَالَ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ بَاطِلٌ لأنه لَمْ يَقُلْ لَا يَلِي إِلَّا اثْنَا عَشَرَ خَلِيفةً وَإِنَّمَا قَالَ يَلِي وَقَدْ وَلِيَ هَذَا الْعَدَدُ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ وُجِدَ بَعْدَهُمْ غَيْرُهُمُ انْتَهَى قَالَ هَذَا إِنْ جُعِلَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ كُلَّ وَالٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُسْتَحِقِّي الْخِلَافَةَ الْعَادِلِينَ وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ مَنْ عُلِمَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحَدِّثُ فِي قُرَّةِ الْعَيْنَيْنِ فِي تَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ فِي حَدِيثِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِرًا إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَوَجْهُ الِاسْتِشْكَالِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَاظِرٌ إِلَى مَذْهَبِ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامًا والأصل إن كلامه بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ قَدْ هَلَكَ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ سَبْعِينَ سَنَةً مِمَّا مَضَى وَقَدْ وَقَعَتْ أَغْلَاطٌ كَثِيرَةٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْنُ نَقُولُ مَا فَهِمْنَاهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ أَنَّ ابْتِدَاءَ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْجِهَادِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَمَعْنَى فَإِنْ يَهْلِكُوا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ وَالتَّرْدِيدِ بَلْ بَيَانُ أَنَّهَا تَقَعُ وَقَائِعٌ عَظِيمَةٌ يُرَى نَظَرًا إِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ أَمْرَ الْإِسْلَامِ قَدِ اضْمَحَلَّ وَشَوْكَةَ الْإِسْلَامِ وَانْتِظَامَ الْجِهَادِ قَدِ انْقَطَعَ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ الْخِلَافَةِ وَالْإِسْلَامِ وَإِلَى سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَزَالُ هَذَا الِانْتِظَامُ وَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ فَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنِ ابْتِدَاءِ الْجِهَادِ وَقَعَتْ حَادِثَةُ قَتَلَ ذِي النُّورَيْنِ وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْضًا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وصفين وَفِي هَذِهِ الْحَوَادِثِ لَمَّا ظَهَرَ الْفَسَادُ وَالتَّقَاتُلُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُعِلَ جِهَادُ الْكُفَّارِ مَتْرُوكًا وَمَهْجُورًا إِلَى حِينَ عُلِمَ نَظَرًا إِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ وَهَنَ وَاضْمَحَلَّ وَكَوْكَبُهُ قَدْ أَفَلَ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ مُنْتَظِمًا وَأَمْضَى الْجِهَادَ إِلَى ظُهُورِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَتَلَاشِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ فَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْضًا فُهِمَ بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أُبِيدَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يُرِيدُ ثُمَّ أَيَّدَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَشَادَ مَنَارَهُ وَجَلَّى نَهَارَهُ حَتَّى حَدَثَتِ الْحَادِثَةُ الْجَنْكِيزِيَّةُ وَإِلَيْهَا إِشَارَةٌ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّي أَنْ يُؤَخِّرَهَا نِصْفَ يَوْمٍ فَقِيلَ لِسَعْدٍ وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ قَالَ خَمْسُ مِائَةِ سنة رواه أحمد فتارة أخبر النبي عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ وَخَصَّصَهُ بِثَلَاثِينَ سَنَةً وَالَّتِي بَعْدَهُمْ عَبَّرَهَا بِمُلْكٍ عَضُوضٍ وَتَارَةً عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ وَالَّتِي تَتَّصِلُ بِهَا كِلَيْهِمَا مَعًا وَعَبَّرَهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةٍ وَتَارَةً عَنِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا مَعًا وَعَبَّرَهَا بِخَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ وَأَمَّا مَا فَهِمَ هَذَا الْمُسْتَشْكِلُ فُلًّا يَسْتَقِيمُ أَصْلًا بِوُجُوهٍ الأول أن المذكور ها هنا الْخِلَافَةُ لَا الْإِمَامَةُ وَلَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ الثَّانِي أَنَّ نِسْبَتَهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَإِنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَمَّا فَعَلُوا أَمْرًا وَكُلُّهُمْ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الْبَطْنِ وَلَمَّا كَانُوا مِنْ بُطُونٍ شَتَّى يُسَمُّونَهُمْ بِالْقَبِيلَةِ الْفَوْقَانِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ الثَّالِثُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَئِمَّةً لَمْ يَقُولُوا بِظُهُورِ الدِّينِ بِهِمْ بَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدِّينَ قَدِ اختفى بعد وفاته وَالْأَئِمَّةُ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالتَّقِيَّةِ وَمَا اسْتَطَاعُوا عَلَى أَنْ يُظْهِرُوهُ حَتَّى إِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِ مَذْهَبِهِ وَمَشْرَبِهِ الرَّابِعُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ حَرْفِ إِلَى أَنْ تَقَعَ فَتْرَةً بَعْدَ مَا يَنْقَضِي عَصْرُ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً وَهُمْ قَائِلُونَ بِظُهُورِ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَمَالِ الدِّينِ بَعْدَهُمْ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَى الْغَايَةِ وَالْمُغَيَّا كَمَا لَا يَخْفَى فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِمُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَبَنِيهِ الْأَرْبَعِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ مِنْ مُخَالِفِيهِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قَدْ ذَكَرَا عَنِ النبي ما يدل على أن تسلط بن الزُّبَيْرِ وَاسْتِحْلَالَ الْحَرَمِ بِهِ مُصِيبَةٌ مِنْ مَصَائِبِ الْأُمَّةِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا أَحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حازم قال جاء بن الزُّبَيْرِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْغَزْوِ فَقَالَ عُمَرُ اجْلِسْ فِي بَيْتِكِ فَقَدْ غزوت مع رسول الله قَالَ فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَجِدُ بِطَرَفِ الْمَدِينَةِ مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكِ أَنْ تَخْرُجُوا فَتُفْسِدُوا على أصحاب محمد وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فَمِنْ لَفْظِهِ بِطَرَفِ الْمَدِينَةِ يُفْهَمُ أن واقعة الجمل غير مراد ها هنا بَلِ الْمُرَادُ خُرُوجُهُ لِلْخِلَافَةِ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَدْ أَشَارَ عَلِيٌّ ﵁ فِي قِصَّةِ جَوَابِ الْحَسَنِ ﵁ وَلَمْ ينتظم الْخِلَافَةِ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَاقِطٌ مِنْ هَذَا الْبَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ مُدَّةً يُعْتَدُّ بِهَا وَسُوءِ سِيرَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ بَلْ قَدْ وُجِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃ وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَبَعْضِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ وِلَايَتُهُمْ لَا مَحَالَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُمِ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الواردة بذكره أنه يواطىء اسمه اسم النبي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ فَيَمْلَأُ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ سَامِرَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةً ولا جود بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ هُوَ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةِ مِنَ الرَّوَافِضِ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمُ انْتَهَى قُلْتُ زَعَمَتِ الشِّيعَةُ خُصُوصًا الْإِمَامِيَّةَ مِنْهُمْ أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ بَعْدَ رسول الله عَلِيٌّ ﵁ ثُمَّ ابْنُهُ الْحَسَنُ ثُمَّ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ ثُمَّ ابْنُهُ عَلِيٌّ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ ثُمَّ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ ثُمَّ ابْنُهُ مُوسَى الْكَاظِمُ ثُمَّ ابْنُهُ عَلِيٌّ الرِّضَا ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ التَّقِيُّ ثُمَّ ابْنُهُ عَلِيٌّ النَّقِيُّ ثُمَّ ابْنُهُ الْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ الْمَهْدِيُّ وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَدِ اخْتَفَى خَوْفًا مِنْ أَعْدَائِهِ وَسَيَظْهَرُ فَيَمْلَأُ الدُّنْيَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا وَلَا امْتِنَاعَ فِي طُولِ عُمْرِهِ وَامْتِدَادِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ كَعِيسَى وَالْخَضِرِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ اخْتِفَاءَ الْإِمَامِ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْأَغْرَاضِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ وُجُودِ الْإِمَامِ وَإِنَّ خَوْفَهُ مِنَ الْأَعْدَاءِ لَا يُوجِبُ الِاخْتِفَاءَ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ إِلَّا الِاسْمُ بَلْ غَايَةُ الأمران يُوجِبَ اخْتِفَاءَ دَعْوَى الْإِمَامَةِ كَمَا فِي حَقِّ آبَائِهِ الَّذِينَ كَانُوا ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَدَّعُونَ الْإِمَامَةَ وَأَيْضًا فَعِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ وَاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَاسْتِيلَاءِ الظَّلَمَةِ احْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَى الْإِمَامِ أشد وَانْقِيَادُهُمْ لَهُ أَسْهَلُ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ قُلْتُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَا زَعَمَتِ الشِّيعَةُ مِنْ أَنَّ الْمَهْدِيَّ الْمُبَشَّرَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ وَأَنَّهُ مُخْتَفٍ وَسَيَظْهَرُ هِيَ عَقِيدَةٌ بَاطِلَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا زَعَمَ أَكْثَرُ الْعَوَامِّ وَبَعْضُ الْخَوَاصِّ فِي حَقِّ الْغَازِي الشَّهِيدِ الْإِمَامِ