قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
[٤٧٣٧] (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ عِصْمَةً (بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ) أَيِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْعُيُوبِ أَوِ الْوَافِيَةِ فِي دَفْعِ مَا يُتَعَوَّذُ مِنْهُ (وَهَامَّةٍ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ (وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) أَيْ ذَاتُ لَمَمٍ وَهُوَ الْقُرْبُ مِنَ الشَّيْءِ (أَبُوكُمْ) أَيْ إِبْرَاهِيمُ ﵊ لِأَنَّهُ أَبُو الْعَرَبِ (بِهِمَا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِهَا بِضَمِيرِ الْوَاحِدِ الْمُؤَنَّثِ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ يُعَوِّذُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا مِنْ كَلَامٍ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَفِيهِ نَقْصٌ فَالْمَوْصُوفُ مِنْهُ بِالتَّمَامِ هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي الْبَاب عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت
قَالَ عَبَّاد بْن الْعَوَّام قَدِمَ عَلَيْنَا شَرِيك وَاسِط فَقُلْنَا لَهُ إِنَّ عِنْدنَا قَوْم يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيث إِنَّ اللَّه ﷿ يَنْزِل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَقَالَ شَرِيك إِنَّمَا جَاءَنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث مَنْ جَاءَنَا بِالسُّنَنِ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحَجّ وَإِنَّمَا عَرَفْنَا اللَّه ﷿ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث
قَالَ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة الرَّبِيع وَلَيْسَ يَنْبَغِي فِي سُنَّة رَسُول اللَّه ﷺ إِلَّا اِتِّبَاعهَا بِفَرْضِ اللَّه ﷿ وَالْمَسْأَلَة بِكَيْفَ فِي شَيْء قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ السُّنَّة مِمَّا لَا يَسَع عَالِمًا
وَقَالَ مُطَرِّف سَمِعْت مَالِكًا يَقُول إِذَا ذُكِرَ عِنْده الزَّائِغُونَ فِي الدِّين قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز سَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ وَوُلَاة الْأُمُور بَعْده سُنَنًا الْأَخْذ بِهَا اِتِّبَاع لِكِتَابِ اللَّه وَاسْتِكْمَال لِطَاعَةِ اللَّه وَقُوَّة عَلَى دِين اللَّه لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْق تَغْيِيرهَا وَلَا تَبْدِيلهَا وَلَا النَّظَر فِي شَيْء خَالَفَهَا مَنْ اِهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ وَمَنْ اِسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُور وَمَنْ تَرَكَهَا وَاتَّبَعَ غَيْر سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّه مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّم وَسَاءَتْ مَصِيرًا
وَقَالَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور قُلْت لِأَحْمَد بْن حَنْبَل يَنْزِل رَبّنَا كُلّ لَيْلَة حَتَّى يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل الْآخِر إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا أَلَيْسَ تَقُول بِهَذِهِ الْأَحَادِيث
ويرى أهل الجنة ربهم ولا تقبحوا الوجه واشتكت النار إلى ربها وأن مُوسَى لَطَمَ عَيْن مَلَك الْمَوْت
فَقَالَ أَحْمَد هَذَا كُلّه صَحِيح
قال الحافظ في الفتح قال بن بَطَّالٍ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالوا الحق عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَدِيمٌ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِصِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا بِهِ وَلَا يَزَالُ كَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي نَفَتْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أن نقول له كن فيكون فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا لَكَانَ مَخْلُوقًا بِكُنْ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ لِشَيْءٍ بِقَوْلٍ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيَتَسَلْسَلُ وَهُوَ فَاسِدٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَنُ
عَلَّمَ الْقُرْآنَ
خلق الإنسان فَخَصَّ الْقُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ وَخُصَّ الْإِنْسَانَ بِالتَّخْلِيقِ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ وَمَصْنُوعُهُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ خَلَقَ الْقُرْآنَ وَالْإِنْسَانَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وكلم الله موسى تكليما وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يكلمه الله إلا وحيا الْآيَةُ فَلَوْ كَانَ لَا يُوجَدُ إِلَّا مَخْلُوقًا فِي شَيْءٍ مَخْلُوقٍ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ مَعْنًى لِاسْتِوَاءِ جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي سَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ فَبَطَلَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي غَيْرِ اللَّهِ وَيَلْزَمُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلَامًا فِي شَجَرَةٍ كَلَّمَ بِهِ مُوسَى أَنْ يَكُونَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ أَفْضَلَ فِي سَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْ مُوسَى يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ هِيَ الْمُتَكَلِّمَةُ بِمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ كَلَّمَ بِهِ مُوسَى وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ إِنْ هذا إلا قول
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ إِسْحَاق وَلَا يَدَعهُ إِلَّا مُبْتَدِع أَوْ ضَعِيف الرَّأْي
فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف تَصْنَعُونَ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب حَدَّثَنِي عُمَر بْن حَفْص بْن غِيَاث حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَش حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق حَدَّثَنَا مُسْلِم الْأَغَرّ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة وَأَبَا سَعِيد الخدري ﵄ يَقُولَانِ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ اللَّه يُمْهِل حَتَّى يَمْضِي شَطْر اللَّيْل الْأَوَّل ثُمَّ يَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادِي وَيَقُول هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَاب لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر يُغْفَر لَهُ هَلْ مِنْ سَائِل يُعْطَى وَهَذَا الْإِسْنَاد ثِقَات كُلّهمْ
قُلْنَا وَأَيّ مُنَافَاة بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْله يَنْزِل رَبّنَا فَيَقُول وَهَلْ يَسُوغ أَنْ يُقَال إِنَّ الْمُنَادِي يَقُول أَنَا الْمَلِك وَيَقُول لَا أَسْأَل عَنْ عِبَادِي غَيْرِي وَيَقُول مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِر لَهُ وَأَيّ بُعْد فِي أَنْ يَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادِي هَلْ مِنْ سَائِل فَيُسْتَجَاب لَهُ ثُمَّ يَقُول هُوَ سُبْحَانه مَنْ يَسْأَلنِي فَأَسْتَجِيب لَهُ وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَبْلَغ فِي الْكَرَم وَالْإِحْسَان أَنْ يَأْمُر مُنَادِيه يَقُول ذَلِكَ وَيَقُولهُ سُبْحَانه بِنَفْسِهِ وَتَتَصَادَق الرِّوَايَات كُلّهَا عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا نُصَدِّق بَعْضهَا وَنُكَذِّب مَا هُوَ أَصَحّ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
البشر وَلَا يُعْتَرَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كريم لِأَنَّ مَعْنَاهُ قَوْلٌ تَلَقَّاهُ عَنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ولا ب