٦ - (بَاب فِي الرُّخْصَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا [٤٩٦٧])
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ جعفر الحنفية (قال قال علي) هو بن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (إِنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ إِلَخْ) فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ
[٤٩٦٨] (فَذُكِرَ لِي) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَنَّكَ تَكْرَهُ) أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَجَابَ (ذَلِكَ) أَيِ الْجَمْعُ (فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي) قَالَهُ بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ إِلَخْ) شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اسْمِهِ ﷺ وَكُنْيَتِهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ غَرِيبٌ انْتَهَى
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ الْحَجَبِيَّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ مَجْهُولٌ انْتَهَى
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْحَجَبِيُّ لَهُ حَدِيثٌ وَهُوَ مُنْكَرٌ وَمَا رَأَيْتُ لَهُمْ فِيهِ جُرْحًا وَلَا تَعْدِيلًا انتهى
٧ - (بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَتَكَنَّى وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [٤٩٦٩])
(يُكَنَّى أَبَا عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ طَائِرٌ يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَقِيلَ هُوَ الْعُصْفُورُ وَقِيلَ هُوَ الْعُصْفُورُ صَغِيرُ الْمِنْقَارِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ وَقِيلَ أهل المدينة يسمونه البلبل قاله القارىء (فَمَاتَ) أَيِ النُّغَرُ (فَرَآهُ) أَيْ أَخَا أَنَسٍ (فَقَالَ مَا شَأْنُهُ) أَيْ مَا حَالُهُ وَمَا وَجْهُ كَوْنِهِ حَزِينًا (مَا فَعَلَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ مَا صَنَعَ (النُّغَيْرُ) تَصْغِيرُ النُّغَرِ وَالْمَعْنَى ما جرى له حيث لَمْ أَرَهُ مَعَكَ
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَكْنِيَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَتَكْنِيَةُ الطِّفْلِ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَذِبًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
٨ - (بَاب فِي الْمَرْأَةِ تُكْنَى [٤٩٧٠])
(قَالَا أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ) هُوَ بن زيد (يعني بن أُخْتِهَا) أَيْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ (هَكَذَا) أي بإسناد هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (رَوَاهُ قُرَّانُ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (عَنْ هِشَامِ) بْنِ
عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ وَقُرَّانَ بْنَ تَمَّامٍ وَمَعْمَرًا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
وَأَمَّا أَبُو أُسَامَةَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَمَسْلَمَةُ بْنُ قَعْنَبٍ فَرَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قُلْتُ وَقَدْ تَابَعَ أَبَا أُسَامَةَ وَحَمَّادًا وَمَسْلَمَةَ وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُكَنِّنِي فَقَالَ اكْتَنِي بِابْنِكِ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٩ - (بَاب فِي الْمَعَارِيضِ [٤٩٧١])
جَمْعُ مِعْرَاضٍ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ وَهُوَ التَّوْرِيَةُ بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ
وَقَالَ الرَّاغِبُ التَّعْرِيضُ كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ فِي صِدْقٍ وَكَذِبٍ أَوْ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ
(عَنْ ضُبَارَةَ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وبالموحدة بن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ مَجْهُولٌ (كَبُرَتْ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ عَظُمَتْ (خِيَانَةً) تَمْيِيزٌ (أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ) فَاعِلُ كَبُرَتْ (هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ) أَيْ أَخُوكَ مُصَدِّقٌ لَكَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ (وَأَنْتَ لَهُ) أَيْ لِأَخِيكَ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ (كَاذِبٌ) لِأَنَّهُ ائْتَمَنَكَ فِيمَا تُحَدِّثُهُ بِهِ فَإِذَا كَذَبْتَ فَقَدْ خُنْتَ أَمَانَتَهُ وَخُنْتَ أَمَانَةَ الْإِيمَانِ فِيمَا أَوْجَبَ مِنْ نَصِيحَةِ الْإِخْوَانِ
قَالَ الْمَنَاوِيُّ أن تحدث أخاك فاعل كبرت وأنت الْفِعْلَ لَهُ بِاعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ لِأَنَّ نَفْسَ الْخِيَانَةِ هِيَ الْكَبِيرَةُ وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ كَمَا فِي كبر مقتا عند الله وَالْمُرَادُ خِيَانَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْكَ إِذَا حَدَّثْتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَيْكَ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّكَ مُسْلِمٌ لَا تَكْذِبُ فَيُصَدِّقُكَ وَالْحَالُ أَنَّكَ كَاذِبٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالتَّوْرِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ إِطْلَاقُ لَفْظٍ هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنًى وَيُرِيدُ مَعْنًى آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّغْرِيرِ وَالْخِدَاعِ فَإِنْ دَعَتْ إِلَيْهِ مَصْلَحَةٌ شرعية
رَاجِحَةٌ عَلَى خِدَاعِ الْمُخَاطَبِ أَوْ حَاجَةٌ لَا مَحِيصَ عَنْهَا إِلَّا بِهِ فَلَا بَأْسَ وَإِلَّا كَرِهَ فَإِنْ تَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَخْذِ بَاطِلٍ أَوْ دَفْعِ حَقٍّ حُرِّمَ عَلَيْهِ
انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ
قَالَ الْمَنَاوِيُّ لَكِنْ وَضَعَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ فَاقْتَضَى كَوْنَهُ حَسَنًا عِنْدَهُ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ شَيْخِهِ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ
وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ ضَعِيفٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ
وَقَالَ شَيْخَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ضَعَّفَهُ بن عَدِيٍّ وَحَدِيثُ النَّوَّاسِ سَنَدُهُ جَيِّدٌ
انْتَهَى كَلَامُ الْمَنَاوِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ سُفْيَانَ بْنَ أَسِيدٍ هَذَا وَقَالَ لَا أَعْلَمُ رَوَى غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَسِيدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَيُقَالُ فِيهِ بن أَسِيدٍ أَيْضًا
قَالَ النَّمَرِيُّ حَدِيثُهُ مِنْ حَدِيثِ الحمصيين حدث عنه بقية
٠ - (بَابٌ فِي زَعَمُوا [٤٩٧٢])
أَيْ فِي بَيَانِ مَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزَّعْمُ مُثَلَّثَةُ الْقَوْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ ضِدٌّ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِيمَا يُشَكُّ فِيهِ
(أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مَا سَمِعْتُ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ (يَقُولُ فِي زَعَمُوا) أَيْ فِي حَقِّ هَذَا اللَّفْظِ (بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ) الْمَطِيَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ بِمَعْنَى الْمَرْكُوبِ (زَعَمُوا) فِي النِّهَايَةِ الزَّعْمُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ قَرِيبٌ مِنَ الظَّنِّ أَيْ أَسْوَأُ عَادَةٍ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَّخِذَ لَفْظَ زَعَمُوا مَرْكَبًا إِلَى مَقَاصِدِهِ فَيُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ تَقْلِيدًا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ فَيُخْطِئَ
وَيُجَرَّبَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ قَالَهُ الْمَنَاوِيُّ
وَفِي اللُّمَعَاتِ يَعْنِي أَنَّ مَا زَعَمُوا بِئْسَ مَطِيَّتُهُ يَجْعَلُ الْمُتَكَلِّمَ مُقَدِّمَةَ كَلَامِهِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِخَبَرٍ مَبْنَاهُ عَلَى الشَّكِّ وَالتَّخْمِينِ دُوْنَ الْجَزْمِ وَالْيَقِينِ قَبِيحٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِخَبَرِهِ سَنَدٌ وَثُبُوتٌ وَيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ ذَلِكَ لَا مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ عَلَى ظَنٍّ وَحُسْبَانٍ
وَفِي الْمَثَلِ زَعَمُوا مَطِيَّةَ الْكَذِبِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى بَلَدٍ رَكِبَ مَطِيَّةً وَسَارَ حَتَّى يَبْلُغَ حَاجَتَهُ فَشَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يُقَدِّمُهُ الرَّجُلُ أَمَامَ كَلَامِهِ وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حَاجَتِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ زَعَمُوا كَذَا وَكَذَا بِالْمَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصِدُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ زَعَمُوا فِي حَدِيثٍ لَا سَنَدَ لَهُ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ حُكِيَ عَنِ الْأَلْسُنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَلَاغِ فَذَمَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْحَدِيثِ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ وَأَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ وَالتَّوَثُّقِ لِمَا يَحْكِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَرْوُونَهُ حَتَّى يَكُونَ مَعْزِيًّا إِلَى ثَبْتٍ وَمَرْوِيًّا عَنْ ثِقَةٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْجَرْمِيُّ الْبَصْرِيُّ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمَا يَعْنِي حُذَيْفَةَ وَأَبَا مسعود ﵃
١ - (باب في الرجل يقول في خطبته أما بعد [٤٩٧٣])
(فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِأَنَّهُ مِنَ الظُّرُوفِ الْمَقْطُوعَةِ عَنِ الْإِضَافَةِ
وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَطْبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَيَنْبَغِي لِلْخُطَبَاءِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا تَأَسِّيًا وَاتِّبَاعًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ
٢ - (بَابٌ في الكرم [٤٩٧٤])
الْكَرْمِ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا مَصْدَرُ كَرَمَ يَكْرُمُ يُوصَفُ بِهِ مُبَالَغَةً عَلَى طَرِيقِ رَجُلٌ عَدْلٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ الْعَرَب تُسَمِّي شَجَر الْعِنَب كَرْمًا لِكَرَمِهِ وَالْكَرَم كَثْرَة الْخَيْر وَالْمَنَافِع وَالْفَوَائِد لِسُهُولَةِ تَنَاوُلهَا من
يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ يُقَالُ رَجُلٌ كَرْمٌ وَامْرَأَةٌ كَرْمٌ وَرَجُلَانِ كَرْمٌ وَامْرَأَتَانِ كَرْمٌ وَرِجَالٌ كَرْمٌ وَنِسْوَةٌ كَرْمٌ وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِنَبِ وَشَجَرَةٍ كَذَا قَالُوا
قُلْتُ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحَائِطِ مِنَ الْعِنَبِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفْعُهُ أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فِي الْكُتُبِ الْكَرْمُ مِنْ أَجْلِ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَأَنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِطَ مِنَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ (وَحِفْظِ الْمَنْطِقِ) أَيْ وَهَذَا بَابُ حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ مَصْدَرٌ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَطَقَ نُطْقًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمَنْطِقًا
وَالنُّطْقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُحَافِظَ فِي الْمَنْطِقِ وَيُرَاعِي فِي الْكَلَامِ فَلَا يتكلم ولا ينطق بما تشهيه نَفْسُهُ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي كَلَامِهِ الْأَلْفَاظَ الْوَارِدَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَجْتَنِبَ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَنِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا مُخَالَفَةٌ لِلْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ
قُلْتُ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي سَاقَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ التَّالِيَةِ أَكْثَرُهَا دَاخِلٌ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَيْ حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ الْكَرَمَ) أَيْ لِلْعِنَبِ أَوْ لِحَائِطِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْكَرِيم وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيم﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج﴾ فَهُوَ كَرِيم مَخْبَره بَهِيج فِي مَنْظَره وَشَجَر الْعِنَب قَدْ جَمَعَ وُجُوهًا مِنْ ذَلِكَ
مِنْهَا تَذْلِيل ثَمَره لِقَاطِفِهِ
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ دُونه شَوْك يُؤْذِي مُجْتَنِيه
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ لِعُلُوِّ سَاقه وَصُعُوبَته كَغَيْرِهِ
وَمِنْهَا أَنَّ الشَّجَرَة الْوَاحِدَة مِنْهُ مَعَ ضَعْفهَا وَدِقَّة سَاقهَا تَحْمِل أَضْعَاف مَا تَحْمِلهُ غَيْرهَا
وَمِنْهَا أَنَّ الشَّجَرَة الْوَاحِدَة مِنْهُ إِذَا قُطِعَ أَعْلَاهَا أَخْلَفَتْ مِنْ جَوَانِبهَا وَفُرُوعهَا وَالنَّخْلَة إِذَا قُطِعَ أَعْلَاهَا مَاتَتْ وَيَبِسَتْ جُمْلَة
وَمِنْهَا أَنَّ ثَمَره يُؤْكَل قَبْل نُضْجه وَبَعْد نُضْجه وَبَعْد يُبْسه
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُتَّخَذ مِنْهُ مِنْ أَنْوَاع الْأَشْرِبَة الْحُلْوَة وَالْحَامِضَة كَالدَّبْسِ وَالْخَلّ مَا لَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْره ثُمَّ يُتَّخَذ مِنْ شَرَابه مِنْ أَنْوَاع الْحَلَاوَة وَالْأَطْعِمَة وَالْأَقْوَات مَا لَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْره وَشَرَابه الْحَلَال غِذَاء وَقُوت وَمَنْفَعَة وَقُوَّة
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُدَّخَر يَابِسه قُوتًا وَطَعَامًا وَأُدُمًا
وَمِنْهَا أَنَّ ثَمَره قَدْ جَمَعَ نِهَايَة الْمَطْلُوب مِنْ الْفَاكِهَة مِنْ الِاعْتِدَال فَلَمْ يُفْرِط إِلَى الْبُرُودَة كَالْخَوْخِ
وَهَذَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ وَلَكِنْ قُولُوا حَدَائِقَ الْأَعْنَابِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّمَا نَهَاهُمْ ﵇ عَنْ تَسْمِيَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ كَرْمًا لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْكَرْمِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ رَجُلٌ كَرْمٌ بِمَعْنَى كَرِيمٍ وَقَوْمٌ كَرْمٌ أَيْ كِرَامٌ فَأَشْفَقَ ﷺ أَنْ يَدْعُوهُمْ حُسْنُ أَسْمَائِهَا إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ ثَمَرِهَا فَسَلَبَهَا هَذَا الِاسْمَ وَجَعَلَهُ صِفَةً لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَتَوَقَّى شُرْبَهَا وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ الشَّهْوَةَ فِيهَا عِزَّةً وَتَكَرُّمًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ المسلم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَغَيْره وَلَا إِلَى الْحَرَارَة كَالتَّمْرِ بَلْ هُوَ فِي غَايَة الِاعْتِدَال إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ فَوَائِده
فَلَمَّا كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَة سَمَّوْهُ كَرْمًا فَأَخْبَرَهُمْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّ الْفَوَائِد وَالثَّمَرَات وَالْمَنَافِع الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّه قَلْب عَبْده الْمُؤْمِن مِنْ الْبِرّ وَكَثْرَة الْخَيْر أَعْظَم مِنْ فَوَائِد كَرْم الْعِنَب فَالْمُؤْمِن أَوْلَى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة مِنْهُ
فَيَكُون مَعْنَى الْحَدِيث عَلَى هَذَا النَّهْي عَنْ قَصْر اِسْم الْكَرْم عَلَى شَجَر الْعِنَب بَلْ الْمُسْلِم أَحَقّ بِهَذَا الِاسْم مِنْهُ
وهذا نظير قوله ﷺ لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرَعَةِ وَلَكِنْ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب أَيّ مَالِك نَفْسه أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى شَدِيدًا مِنْ الَّذِي يَصْرَع الرِّجَال
وَكَقَوْلِهِ لَيْسَ الْمِسْكِين بِهَذَا الطَّوَّاف الَّذِي تَرُدّهُ اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ وَالْأَكْلَة وَالْأَكْلَتَانِ وَلَكِنَّهُ الَّذِي لَا يَسْأَل النَّاس وَلَا يُفْطَن لَهُ فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ أَي هَذَا أَوْلَى بِأَنْ يُقَال لَهُ مِسْكِين مِنْ الطَّوَّاف الَّذِي تُسَمُّونَهُ مِسْكِينًا
وَنَظِيره فِي الْمُفْلِس والرقوب وغيرهما
ونظيره قوله ليس الواصل بالمكافيء وَلَكِنَّهُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمه وَصَلَهَا وَإِنْ كَانَ هَذَا أَلْطَف مِنْ الَّذِي قَبْله
وَقِيلَ فِي مَعْنَى وَجْه آخَر وَهُوَ قَصْد النَّبِيّ ﷺ سَلْب هَذَا الِاسْم الْمَحْبُوب لِلنُّفُوسِ الَّتِي يَلَذّ لَهَا سَمَاعه عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة الَّتِي تُتَّخَذ مِنْهَا أُمّ الْحَبَائِب فَيَسْلُبهَا الِاسْم الَّذِي يَدْعُو النُّفُوس إِلَيْهَا وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَكُون سَمَّتْهَا كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْر الْمُتَّخَذَة مِنْهَا تَحُثّ عَلَى الْكَرَم وَبَذْل الْمَال فَلَمَّا حَرَّمَهَا الشَّارِع نَفَى اِسْم الْمَدْح عَنْ أَصْلهَا وَهُوَ الْكَرْم كَمَا نَفَى اِسْم الْمَدْح عَنْهَا وَهُوَ الدَّوَاء فَقَالَ إِنَّهَا دَاء وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَمَنْ عَرَفَ سِرّ تَأْثِير الأسماء في مسمياتها نقرة وَمَيْلًا عَرَفَ هَذَا فَسَلَبَهَا النَّبِيّ ﷺ هَذَا الِاسْم الْحَسَن وَأَعْطَاهُ مَا هُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْهَا وَهُوَ قَلْب الْمُؤْمِن
وَيُؤَكِّد الْمَعْنَى الْأَوَّل أَنَّ النَّبِيّ ﷺ شَبَّهَ الْمُسْلِم بِالنَّخْلَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِع وَالْفَوَائِد حَتَّى إِنَّهَا كُلّهَا مَنْفَعَة لَا يَذْهَب مِنْهَا شَيْء بِلَا مَنْفَعَة حَتَّى شَوْكهَا وَلَا يَسْقُط عَنْهَا لِبَاسهَا وَزِينَتهَا كَمَا لا
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا تَقُولُوا الْكَرْمَ وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ
٣ - (بَاب لَا يَقُولُ الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَرَبَّتِي [٤٩٧٥])
(لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا اللَّهُ تَعَالَى فَكُلُّكُمْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يَسْقُط عَنْ الْمُسْلِم زِينَته فَجُذُوعهَا لِلْبُيُوتِ وَالْمَسَاكِن وَالْمَسَاجِد وَغَيْرهَا وَسَعَفهَا لِلسُّقُوفِ وَغَيْرهَا وَخُوصهَا لِلْحُصُرِ وَالْمَكَاتِل وَالْآنِيَة وَغَيْرهَا وَمَسَدهَا لِلْحِبَالِ وَآلَات الشَّدّ وَالْحَلّ وَغَيْرهَا وَثَمَرهَا يُؤْكَل رَطْبًا وَيَابِسًا وَيُتَّخَذ قُوتًا وَأُدُمًا وَهُوَ أَفْضَل الْمُخْرَج فِي زَكَاة الْفِطْر تَقَرُّبًا إِلَى اللَّه وَطُهْرَة لِلصَّائِمِ وَيُتَّخَذ منه ما يتخذ من شراب الأعناب ويزيد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قُوت وَحْده بِخِلَافِ الزَّبِيب وَنَوَاهُ عَلَف لِلْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِل الْأَثْقَال إِلَى بَلَد لَا يَبْلُغهُ الْإِنْسَان إِلَّا بِشِقِّ النَّفْس
وَيَكْفِي فِيهِ أَنَّ نَوَاهُ يُشْتَرَى بِهِ الْعِنَب فَحَسْبك بِتَمْرٍ نَوَاهُ ثَمَن لِغَيْرِهِ
وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْعِنَب وَالنَّخْل أَيّهمَا أَفْضَل وَأَنْفَع وَاحْتَجَّتْ كُلّ طَائِفَة بِمَا فِي أَحَدهمَا مِنْ الْمَنَافِع
وَالْقُرْآن قَدْ قَدَّمَ النَّخِيل عَلَى الْأَعْنَاب فِي مَوْضِع وَقَدَّمَ الْأَعْنَاب عَلَيْهَا فِي مَوْضِع وَأَفْرَدَ النَّخِيل عَنْ الْأَعْنَاب وَلَمْ يُفْرِد الْعِنَب عَنْ النَّخِيل
وَفَصْل الْخِطَاب فِي الْمَسْأَلَة أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي يَكْثُر فِيهِ وَيَقِلّ وُجُود الْآخَر أَفْضَل وَأَنْفَع
فَالنَّخِيل بِالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاق وَغَيْرهمَا أَفْضَل وَأَنْفَع مِنْ الْأَعْنَاب فِيهَا
وَالْأَعْنَاب فِي الشَّام وَنَحْوهَا أَفْضَل وَأَنْفَع مِنْ النَّخِيل بِهَا
وَلَا يُقَال فَمَا تَقُولُونَ إِذَا اِسْتَوَيَا فِي بَلْدَة فَإِنَّ هَذَا لَا يُوجَد لِأَنَّ الْأَرْض الَّتِي يَطِيب النَّخِيل فِيهَا وَيَكُون سُلْطَانه وَوُجُوده غَالِبًا لَا يَكُون لِلْعِنَبِ بِهَا سُلْطَان وَلَا تَقْبَلهُ تِلْكَ الْأَرْض
وَكَذَلِكَ أَرْض الْعِنَب لَا تَقْبَل النَّخِيل وَلَا يَطِيب فِيهَا
الله سُبْحَانه قَدْ خَصَّ كُلّ أَرْض بِخَاصِّيَّةٍ مِنْ النَّبَات وَالْمَعْدِن وَالْفَوَاكِه وَغَيْرهَا فَهَذَا مَوْضِعه أَفْضَل وَأَطْيَب وَأَنْفَع وَهَذَا فِي مَوْضِعه كَذَلِكَ
عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ (وَلَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَرَبَّتِي) لِأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إِنَّمَا حَقِيقَتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَالِكُ أَوِ الْقَائِمُ بِالشَّيْءِ وَلَا يُوجَدُ حَقِيقَةُ هَذَا إِلَّا فِي اللَّهِ تَعَالَى (وَلْيَقُلِ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي) هُمَا بِمَعْنَى الشَّابِّ وَالشَّابَّةِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ فِي الْخَدَمِ أَوِ الْقَوِيِّ وَالْقَوِيَّةِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ (وَلْيَقُلِ الْمَمْلُوكُ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي) لِأَنَّ لَفْظَةَ السَّيِّدِ غَيْرُ مُخْتَصَّةِ بِاللَّهِ تَعَالَى اخْتِصَاصَ الرَّبِّ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ كَاسْتِعْمَالِهَا حَتَّى كَرِهَ مَالِكٌ الدُّعَاءَ بِسَيِّدِي وَلَمْ يَأْتِ تَسْمِيَتُهُ تَعَالَى بِالسَّيِّدِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَالرَّبُّ اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٩٧٦] (أَنَّ أَبَا يُونُسَ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ (فِي هَذَا الْخَبَرِ) أَيِ السَّابِقِ وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ أَيْ لَمْ يُرْفَعِ الْحَدِيثُ (وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ) أَيْ مَكَانَ قَوْلِهِ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي وَقَدْ عَقَدَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَظَالِمِ فَقَالَ بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلُهُ عَبْدِي وَأَمَتِي إِلَى آخِرِهِ وَأَوْرَدَ فِيهِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ
وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ الْعَبْدِ عَلَى مَالِكِهِ سَيِّدِي
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا
وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّدِ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَلَا الْتِبَاسَ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ فَلَيْسَ فِي الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَلَفْظِ الرَّبِّ فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بِذَلِكَ أَيْضًا
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ السَّيِّدُ اللَّهُ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّ مَرْجِعَ السِّيَادَةِ إِلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ وَالسِّيَاسَةُ لَهُ وَحُسْنُ التَّدْبِيرِ لِأَمْرِهِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الزَّوْجُ سَيِّدًا
قَالَ وَأَمَّا الْمَوْلَى فَكَثِيرُ التَّصَرُّفِ فِي الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ وَلِيٍّ وَنَاصِرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يُقَالُ السَّيِّدُ وَلَا الْمَوْلَى عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَّا فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ مَوْلَايَ أَيْضًا
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ وَزَادَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي فَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَشِ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا وَقَالَ عِيَاضٌ حَذْفُهَا أَصَحُّ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمَشْهُورُ حَذْفُهَا
قَالَ وَإِنَّمَا صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ لِلتَّعَارُضِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّارِيخِ انْتَهَى
وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّيِّدِ أَسْهَلُ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا الْأَسْهَلُ وَالْأَعْلَى وَالسَّيِّدُ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَعْلَى فَكَانَ إِطْلَاقُ الْمَوْلَى أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَّفْظِ الْمَوْلَى إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي والمصنف في الأدب المفرد بلفظ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي وَلَا يَقُلِ الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَرَبَّتِي وَلَكِنْ لِيَقُلِ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَالْمَمْلُوكُ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي فَإِنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبُّ اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْإِطْلَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الخطابي ويؤكد كلامه حديث بن الشِّخِّيرِ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَعَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالنِّدَاءِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ يَا سَيِّدِي وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ قَالَ أَبِي انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا أَنْتَ سَيِّدُنَا قَالَ السَّيِّدُ اللَّهُ قَالُوا وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طُولًا قَالَ فَقَالَ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ (أَيْ لَا يَتَّخِذُكُمْ وُكَلَاءَ الشَّيْطَانُ) انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ
وَقَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى إِطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ وَالْإِذْنُ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَالِكِ
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ يَأْخُذُ بِهَذَا وَيُكْرَهُ أَنْ يُخَاطِبَ أَحَدًا بِلَفْظِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ بِالسَّيِّدِ وَيَتَأَكَّدُ هَذَا إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ تَقِيٍّ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدًا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ هَذَا الْجَمْعُ وَالتَّوْفِيقُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ فَيُطْلَبُ مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ
[٤٩٧٧] (لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَيِّدًا بِالنَّصْبِ (فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا) أَيْ سَيِّدَ قَوْمٍ أَوْ صَاحِبَ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ (فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿) أَيْ أَغْضَبْتُمُوهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ فَكَيْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا بِأَحَدٍ مِنَ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَكُونُ مع ذلك كذبا وَنِفَاقًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا لَكُمْ فَتَجِبَ عَلَيْكُمْ طَاعَتُهُ فَإِذَا أَطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ أَوْ لَا تَقُولُوا لِمُنَافِقٍ سَيِّدٌ فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ فَوَضَعَ الْكَوْنَ مَوْضِعَ الْقَوْلِ تَحْقِيقًا لَهُ كَذَا فِي المرقاة ملخصا وقال بن الْأَثِيرِ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ سَيِّدَكُمْ وَهُوَ مُنَافِقٌ فَحَالُكُمْ دُونَ حَالِهِ وَاللَّهُ لَا يَرْضَى لَكُمْ ذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ