لِيَسْلُبَ وَيَسْتَمِيلَ (بِهِ) أَيْ بِصَرْفِ الْكَلَامِ (قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) فِي النِّهَايَةِ الصَّرْفُ التَّوْبَةُ أَوِ الْمُنَافَلَةُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ أَوِ الْفَرِيضَةُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الضحاك بن شرحبيل هذا مصري ذكره بن يونس في تاريخ المصريين وذكره البخاري وبن أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا رِوَايَتُهُ عَنِ التَّابِعِينَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا وَاللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ
[٥٠٠٧] (مِنَ الْمَشْرِقِ) أَيْ مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ (إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسَحَرًا) يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ كَالسِّحْرِ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ أَوْ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَهَذَا النَّوْعُ مَمْدُوحٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقِّ وَمَذْمُومٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِلِ
وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ جَمْهَرَةُ الْأَمْثَالِ وَالْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْمَيْدَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مَجْمَعُ الْأَمْثَالِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالرَّجُلَانِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَلَهُمَا صُحْبَةٌ وَالْأَهْتَمُ بِفَتْحِ ثَالِثِ الْحُرُوفِ وَكَانَ قُدُومُهُمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ انْتَهَى
قُلْتُ وَكَذَا قُدُومُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَإِسْلَامُهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
قَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ فِي كِتَابِهِ تَحْقِيقُ مُنِيفِ الرُّتْبَةِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ شَرِيفُ الصُّحْبَةِ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَبَعْدَهَا وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ انْتَهَى
[٥٠٠٨] (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةٌ إِلَى بَهْرٍ وَزِيدَتِ النُّونُ (وَحَدَّثَهُ) أَيْ سُلَيْمَانُ (مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل) بن عياش (ابنه) أي بن إِسْمَاعِيلَ هُوَ بَدَلٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
وَالْمَعْنَى أَنَّ سُلَيْمَانَ قَرَأَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ (وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ) أَيْ أَطَالَ الْكَلَامَ
وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقَالَ عَمْرٌو) هُوَ تَكْرَارٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِوَقْعِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِهِ قَالَ عَمْرٌو وَبَيْنَ مَقُولِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ) أَيْ لَوْ أَخَذَ فِي كَلَامِهِ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ وَالْقَصْدُ مَا بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (لَقَدْ رَأَيْتُ) أَيْ عَلِمْتُ (أَوْ أُمِرْتُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَنْ أَتَجَوَّزَ في القول) قال القارىء أَيْ أُسْرِعُ فِيهِ وَأُخَفِّفُ الْمُؤْنَةَ عَنِ السَّامِعِ مِنْ قَوْلِهِمْ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ أَيْ خَفَّفَ (فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو ظَبْيَةَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث كلاغي حِمْصِيٌّ ثِقَةٌ
وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِمَا مَقَالٌ
٦ - (بَاب ما جاء في الشعر [٥٠٠٩])
(لأن يمتلىء جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ صَدِيدًا وَدَمًا وَمَا يُسَمَّى نَجَاسَةٌ (خَيْرٌ لَهُ من أن يمتلىء شِعْرًا) قَالَ الْحَافِظُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شِعْرٍ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَا يَكُونُ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ (قَالَ أَبُو عَلِيٍّ) هُوَ اللُّؤْلُؤِيُّ صَاحِبُ أَبِي دَاوُدَ (وَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ (فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ) بِالرَّفْعِ اسْمُ كَانَ (الْغَالِبَ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَ (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا قَالَ كَأَنَّ الْمَعْنَى إِلَخْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا فَقِيلَ أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ لِتَشْبِيهِهِ بِعَمَلِ السِّحْرِ
لِغَلَبَةِ الْقُلُوبِ وَتَزْيِينِهِ الْقَبِيحَ وَتَقْبِيحِهِ الْحَسَنَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ قِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَكْسِبُ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ مَا يَكْسِبُهُ السَّاحِرُ بِعِلْمِهِ
وَقِيلَ أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ الْمَدْحِ أَيْ أَنَّهُ تُمَالُ بِهِ الْقُلُوبُ وَيَرْضَى بِهِ السَّاخِطُ وَيَذِلُّ بِهِ الصَّعْبُ وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ مَدْحٌ وَكَذَلِكَ مِصْرَاعُهُ الَّذِي بِإِزَائِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الِامْتِلَاءِ مِنَ الشِّعْرِ أَيِ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَإِنَّ شَطْرَ الْبَيْتِ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ كُفْرًا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى الِامْتِلَاءِ مِنْهُ فَقَدْ رُخِّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْمُخْتَارُ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
قَالَ الْمَيْدَانِيُّ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ عَنِ الزِّبْرِقَانِ فَقَالَ عَمْرٌو مُطَاعٌ فِي أُذُنَيْهِ شَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ مِنِّي أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَلَكِنَّهُ حَسَدَنِي فَقَالَ عَمْرٌو أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَزَمِرُ الْمَرْوَةِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ أَحْمَقُ الْوَالِدِ لَئِيمُ الْخَالِ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ فِي الْأُولَى وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُخْرَى وَلَكِنِّي رَجُلٌ رَضِيتُ فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ وَسَخِطْتُ فَقُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ
وَمَعْنَى السِّحْرِ إِظْهَارُ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ
وَالْبَيَانُ اجْتِمَاعُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَذَكَاءُ الْقَلْبِ مَعَ اللَّسِنِ وَإِنَّمَا شُبِّهَ بِالسِّحْرِ لِحِدَّةِ عَمَلِهِ فِي سَامِعِهِ وَسُرْعَةِ قَبُولِ الْقَلْبِ لَهُ يُضْرَبُ فِي اسْتِحْسَانِ الْمَنْطِقِ وَإِيرَادِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَذَمَّ الْبَيَانَ أَمْ مَدَحَهُ فَقَالَ بَعْضٌ ذَمَّهُ لِأَنَّ السِّحْرَ تَمْوِيهٌ فَقَالَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ مَا يُمَوِّهُ الْبَاطِلَ حَتَّى يَتَشَبَّهَ بِالْحَقِّ وَقَالَ بَعْضٌ بَلْ مَدَحَهُ لِأَنَّ الْبَيَانَ مِنَ الْفَهْمِ وَالذَّكَاءِ
قَالَ أَبُو هِلَالٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَدَحَهُ وَتَسْمِيَتُهُ إِيَّاهُ سِحْرًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ مِنْهُ لَمَّا ذَمَّ عَمْرٌو الزِّبْرِقَانَ وَمَدَحَهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَدَقَ فِي مَدْحِهِ وَذَمِّهِ فِيمَا ذُكِرَ عَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا يَعْجَبُ مِنَ السِّحْرِ فَسَمَّاهُ سِحْرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
قَالَ النَّوَوِيُّ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ حِفْظُ الْيَسِيرِ مَعَ هَذَا لِأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا انْتَهَى مُلَخَّصًا
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ الْبَكْرِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْأَمْثَالِ لِلْحَافِظِ أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَ هَذَا