وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٥٢٠١] (وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ غُرْفَةٍ (لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ
قلت ولا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَوْجِيهِهِ بِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ أَرَادَ بِهَذَا التَّبْوِيبِ بَيَانَ أَرْبَعِ صُوَرٍ لِلتَّسْلِيمِ الْأَوَّلُ تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ثُمَّ مُفَارَقَتُهُ إِيَّاهُ ثُمَّ لِقَاؤُهُ فَمَاذَا يَفْعَلُ فَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أبي هريرة ﵁ وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّجُلِ كُلَّمَا لَقِيَهُ فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ
وَالثَّانِي تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ثُمَّ مُفَارَقَتُهُ إِيَّاهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ للقاءه فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ
وَالثَّالِثُ تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَهُ ثَانِيًا يَسْتَأْذِنُهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ
وَالرَّابِعُ تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَهُ ثَانِيًا يَسْتَأْذِنُهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ فَعَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ مَا لَفْظُهُ قَالَ عُمَرُ فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ كَلَّمْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ قد
أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ
فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ لِكُلٍّ مِنْ ثَلَاثِ الصُّوَرِ الْبَاقِيَةِ
أما الثانية فلأن عمر ﵁ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلا يظن بعمر ﵁ أَنَّهُ تَرَكَ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لقوله ﷺ إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ ثم فارقه عمر ﵁ إِلَى أَنْ جَاءَ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ وَالِاسْتِئْذَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ التَّسْلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّةِ الِاعْتِزَالِ أَيْضًا مُصَرَّحٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ثُمَّ قَالَ أَيَدْخُلُ عُمَرُ فَهَذَا التَّسْلِيمُ تَسْلِيمُ الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ تَسْلِيمِ اللِّقَاءِ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَ وَاسْتَأْذَنَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ عُمَرُ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ثَانِيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ
وَأَمَّا الرابعة فلأن عمر سلم عليه ﷺ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ أَوَّلًا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَ ثَانِيًا وَاسْتَأْذَنَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ عُمَرُ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ وَأَحْسَنُ منه أن يقال إن عمر ﵁ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَاسْتَأْذَنَ بِوَاسِطَةِ غُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ فَقَالَ فِي اسْتِئْذَانِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ثَلَاثَ مِرَارٍ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ اخْتَصَرَ مِنْهُ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ
وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَرِيقِ اسْتِئْذَانِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ كَيْفَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الطَّرِيقُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ بن كثير في تفسير قوله تعالى يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الْآيَةَ بَلْ قَدْ جَاءَ الِاكْتِفَاءُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مُجَرَّدِ السَّلَامِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ثَالِثِ أَبْوَابِ الِاسْتِئْذَانِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ ترجمة الباب وبين حديث عمر ﵁ إِذْ قَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّسْلِيمِ أَوْ هُوَ التَّسْلِيمُ وَأَيُّمَا كَانَ فَقَدْ سَلَّمَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ لِقَاءٍ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ وَقَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا فَارَقَ الرَّجُلَ ثُمَّ لَقِيَهُ سَلَّمَ وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أعلم