الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَبْقَى منها إلا هذا القدر انتهى
٥ - (باب في الجمع بين الصلاتين)
[١٨٧] قَوْلُهُ (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ) الْحَدِيثُ وَرَدَ بِلَفْظِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ وَبِلَفْظِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ
قَالَ الْحَافِظُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَجْمُوعًا بِالثَّلَاثَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بَلِ الْمَشْهُورُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ (أَرَادَ أَنْ لا تحرج) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنَ التَّحَرُّجِ (أُمَّتُهُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ قال بن سَيِّدِ النَّاسِ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْيِيدِهِ فَرُوِيَ بالياء المضمومة آخر الحروف وأمته مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُهُ وَرُوِيَ تَحْرَجَ بِالتَّاءِ ثَالِثَةِ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةً وَضَمِّ أُمَّتِهِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا فَعَلَ تِلْكَ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَيُثْقِلَ فَقَصَدَ إِلَى التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ خَطَبَنَا بن عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبَدَتِ النُّجُومُ وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لَا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال بن عَبَّاسٍ أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ لَا أُمَّ لَكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَسَأَلْتُهُ فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْأَخْذِ بظاهر هذا الحديث فجوز والجمع فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ مُطْلَقًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ بن سيرين وربيعة وأشهب وبن الْمُنْذِرِ وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ انْتَهَى وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ
مِنْهَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ كَانَ لِلْمَرَضِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمْعُهُ ﷺ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعَارِضِ الْمَرَضِ لَمَا صَلَّى مَعَهُ إِلَّا مَنْ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ الْعُذْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ وَقَدْ صرح بذلك بن عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ
وَمِنْهَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ كَانَ لِعُذْرِ الْمَطَرِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ
وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْمٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ وَبَانَ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ دَخَلَ فَصَلَّاهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
وَمِنْهَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ صُورِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْرَ لِآخِرِ وَقْتِهَا وَعَجَّلَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مُخَالَفَةً لَا تُحْتَمَلُ
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ قَدِ اسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَرَجَّحَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَزَمَ به من القدماء بن الماجشون والطحاوي وقواه بن سَيِّدِ النَّاسِ بِأَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَهُوَ رَاوِي الحديث عن بن عَبَّاسٍ قَدْ قَالَ بِهِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُقَوِّي مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ أَنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِوَقْتِ الْجَمْعِ فإما أن يحتمل عَلَى مُطْلَقِهَا فَيَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صِفَةِ مَخْصُوصَةٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِخْرَاجَ وَيُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ مُفْتَرَقِ الْأَحَادِيثِ فَالْجَمْعُ الصُّورِيُّ أَوْلَى انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ حَمْلِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ ما أخرجه النسائي عن بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وعجل العشاء فهذا بن عَبَّاسٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَا رَوَاهُ مِنَ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْجَمْعُ الصُّورِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ مُؤَيِّدَاتٍ أُخْرَى لِلْجَمْعِ الصُّورِيِّ وَدَفَعَ إِيرَادَاتٍ تَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَى النَّيْلِ وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ أَوْلَى الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي وَأَقْوَاهَا وَأَحْسَنُهَا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ مُفْتَرَقِ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ هَذَا) أَيْ مَا يُخَالِفُ هَذَا الحديث