لَمَّا عَادَ مِنْ حُنَيْنٍ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ قَالُوا وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَرَّ بِلَالًا على الأذان عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
وَهَذَا أَنْهَضُ مَا أَجَابُوا بِهِ وَلَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَفْرَدَ الْإِقَامَةَ وَمُجَرَّدُ قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَا يَكْفِي فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ دَلِيلًا لِمَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْكُلِّ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَقِبَ الْآخَرِ مُشْعِرٌ بِجَوَازِ الْجَمِيعِ لَا بِالنَّسْخِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
قُلْتُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ بِلَالًا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ أَذَّنَ حَيَاتَهُ ﷺ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَادَ مِنْ حُنَيْنٍ أَمَرَ بِلَالًا بِتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ وَمَنَعَهُ مِنْ إِفْرَادِهَا فَالظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّرَسُّلِ فِي الْأَذَانِ)
أَيْ بِقَطْعِ الْكَلِمَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بعض والتأني في التلفظ بها قال بن قُدَامَةَ التَّرَسُّلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّأَنِّي مِنْ قَوْلِهِمْ جَاءَ فلان على رسله والحذر ضِدُّ ذَلِكَ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ وَقَطْعُ التَّطْوِيلِ وَهَذَا مِنْ آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ قَالَ الْأَذَانُ إِعْلَامُ الْغَائِبِينَ وَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَالْإِقَامَةُ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّثَبُّتِ فِيهَا
[١٩٥] قَوْلُهُ (نَا الْمُعَلَّى) بِفَتْحِ ثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ (بْنُ أَسَدٍ) الْعَمِّيُّ الْبَصْرِيُّ أَخُو بَهْزِ ثقة ثبت لم يخطىء إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (نا عبد المنعم) بن نُعَيْمٍ الْأَسْوَارِيُّ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ (هُوَ صَاحِبُ السِّقَاءِ) هُوَ لَقَبُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَسْقِي النَّاسَ الْمَاءَ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ مَتْرُوكٌ (نَا يَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ) الْبَصْرِيُّ قَالَ الْحَافِظُ مَجْهُولٌ (عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ) الْحَسَنُ هُوَ الحسن بن يسار البصري وعطاء وهو عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ الْمَكِّيُّ
قَوْلُهُ (إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ) أَيْ تَأَنَّ وَلَا تَعْجَلْ وَالرِّسْلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ التُّؤَدَةُ
وَالتَّرَسُّلُ طَلَبُهُ (وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ) أَيْ أَسْرِعْ وَعَجِّلْ فِي التَّلَفُّظِ بِكَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ الْحَدْرُ بِالْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْإِسْرَاعُ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ فَاحْدُرْ ضم الدال وكسرها قال بن قُدَامَةَ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَصْلُ الْحَذْمِ فِي الْمَشْيِ إِنَّمَا هُوَ الْإِسْرَاعُ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ هَذَا كَأَنَّهُ يُهَوِّي بِيَدَيْهِ إِلَى خَلْفِهِ انْتَهَى (وَالْمُعْتَصِرُ) هُوَ مَنْ يُؤْذِيهِ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَيْ يَفْرُغُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْغَائِطِ وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَالْمِرْقَاةِ (وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) أَيْ خَرَجْتُ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُ هَذَا فِي بَابِ الْإِمَامُ أَحَقُّ بِالْإِقَامَةِ
[١٩٦] قَوْلُهُ (وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ) فَإِنَّ فِيهِ يَحْيَى بْنَ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيَّ وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَذِكْرِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ وَعَبْدُ الْمُنْعِمِ هَذَا ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ فَائِدٍ الْأَسْوَارِيِّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ بِهِ سَوَاءً ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَطْعُونٌ فيه غير عمر وبن فَائِدٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ انْتَهَى قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَعَمْرُو بْنُ فَائِدٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُرَتِّلَ الْأَذَانَ وَنَحْدُرَ الْإِقَامَةَ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ سَاقَهُ وَقَالَ الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ يَعْنِي طَرِيقَ جَابِرٍ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَبُو الزُّبَيْرِ مُؤَذِّنُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَدِيمٌ مَشْهُورٌ انْتَهَى وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وبن عَدِيٍّ وَضَعَّفُوهُ إِلَّا الْحَاكِمَ فَقَالَ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَطْعُونٌ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ فَائِدٍ قَالَ الْحَافِظُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي رِوَايَتِهِ هُوَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ لَكِنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ صَاحِبُ السِّقَاءِ وَهُوَ كَافٍ فِي تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
فَائِدَةٌ حَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ بأربعة أنفس ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِنَفَسٍ آخَرَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِنَفَسٍ آخَرَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِنَفَسٍ آخَرَ وَعَلَى هَذَا يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُولَ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِنَفَسٍ آخَرَ انْتَهَى
وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً مِنْهَا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صُورَةَ تَثْنِيَةٍ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَانِ إِفْرَادٌ
وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ لَا فِي التَّكْبِيرِ الَّذِي فِي آخِرِهِ وَعَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيُّ يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مِنَ اللَّتَيْنِ فِي آخِرِهِ بِنَفَسٍ انْتَهَى
قُلْتُ مَا قَالَ الْحَافِظُ حَسَنٌ مُوَجَّهٌ لَكِنْ يُسْتَأْنَسُ لِمَا قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ وَفِي آخِرِهِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ انْتَهَى
فَقَوْلُهُ ﷺ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ وَكَذَا فِي آخِرِهِ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ