قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هريرة وبن عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا
وَأَمَّا حديث أبي سعيد فأخرجه بن مَاجَهْ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ
وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَجْعَلُوهَا عَلَيْكُمْ قُبُورًا
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الله بن سعد فأخرجه بن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَلَفْظُهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِي أَوِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَلَا تَرَى إِلَى بَيْتِي مَا أَقْرَبَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا
قال الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) قال بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ رواه الجماعة إلا بن مَاجَهْ
[٤٥١] قَوْلُهُ (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ) أَيِ النَّوَافِلَ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ
صَلَاتِكُمْ (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَهِيَ الْقُبُورُ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي بَيْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَيِّتِ وَبَيْتَهُ كَالْقَبْرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَدْفِنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَدْ دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الأنبياء يدفنون حيث يموتون
قول (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
٣ - أَبْوَابُ الْوِتْرِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْوِتْرِ [٤٥٢])
قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) الْمُضَرِيِّ أَبِي رَجَاءٍ وَاسْمُ أَبِيهِ سُوَيْدٌ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِفَاءٍ الْحَافِظُ مَسْتُورٌ وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ وَثَّقَهُ بن حِبَّانَ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ عَنْ خَارِجَةَ بِحَدِيثِ الْوِتْرِ رَوَاهُ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ لا يعرف سماعه من بن أَبِي مُرَّةَ
قُلْتُ وَلَا هُوَ بِالْمَعْرُوفِ وَذَكَرَهُ بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ) صَدُوقٌ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ خَارِجَةَ مُنْقَطِعَةٌ قَالَهُ الحافظ
وقال الخزرجي في الخلاصة قال بن حِبَّانَ خَبَرُهُ بَاطِلٌ وَالْإِسْنَادُ مُنْقَطِعٌ انْتَهَى وَالْمُرَادُ بِخَبَرِهِ حَدِيثُ الْوِتْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي التَّهْذِيبِ (عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ) هُوَ صَحَابِيٌّ سَكَنَ مِصْرَ كَانَ أَحَدَ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يُعْدَلُ بِأَلْفِ فَارِسٍ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ مِصْرَ وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَارِجِيُّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْخَارِجِيُّ هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَتَوَجَّهَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَنَفَذَ قَضَاءُ اللَّهِ فِي عَلِيٍّ دُونَهُمَا وَكَانَ قَتْلُ خَارِجَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ
قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ زَادَكُمْ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى
وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ هُوَ مِنْ أَمَدَّ الْجَيْشَ إِذَا أَلْحَقَ بِهِ مَا يُقَوِّيهِ أَيْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ
لِيُؤْجِرَكُمْ بِهَا وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ فَشَرَعَ صَلَاةَ التَّهَجُّدِ وَالْوِتْرِ لِيَزِيدَكُمْ إِحْسَانًا عَلَى إِحْسَانٍ انْتَهَى وقال القارىء وغيره أي جعلها زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنْ مَدَّ الْجَيْشَ وَأَمَدَّهُ أَيْ زَادَ وَالْأَصْلُ فِي الْمَزِيدِ أَنْ يكون من جنس الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ وَاجِبًا انْتَهَى
قُلْتُ (اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ بِهَذَا التَّقْرِيرِ) وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حيث قال فيه به احتج علماء وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالُوا إِنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ وَهَذِهِ دَعْوَى بَلِ الزِّيَادَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَزِيدِ كَمَا لَوِ ابْتَاعَ بِدِرْهَمٍ فَلَمَّا قَضَاهُ زَادَهُ ثَمَنًا أَوْ رُبْعًا إِحْسَانًا كَزِيَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِجَابِرٍ فِي ثَمَنِ الْجَمَلِ فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَتَعَلَّلُونَ بِهِ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كما قال بن الْعَرَبِيِّ لَا شَكَّ فِي أَنَّ قَوْلَهُمْ إِنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ مجرد دعوى لا دليل عليها بل يردها مَا ذَكَرَهُ هُوَ بِقَوْلِهِ كَمَا لَوِ ابْتَاعَ بِدِرْهَمٍ إِلَخْ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ زَادَكُمْ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُزَادُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفْعَهُ إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمْ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ أَلَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنُقِلَ عن بن خزيمة أنه قال لو أمكني لَرَحَّلْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى
وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ الْآتِي (هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعُ أَحْمَرَ وَالنَّعَمُ الْإِبِلُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْعَرَبِ فِيهَا لِأَنَّ حُمْرَ النَّعَمِ أَعَزُّ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ فَكَانَتْ كِنَايَةً عَنْ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا لِأَنَّهَا ذَخِيرَةُ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (الْوِتْرِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ صَلَاةٍ بَدَلُ الْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ الْوِتْرُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبُرَيْدَةَ وَأَبِي بَصْرَةَ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ
وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ أَحْمَدَ وبن أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا وَفِي إِسْنَادِهِ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ فِيهِ أَبُو زُرْعَةَ شَيْخٌ صَالِحٌ وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالْبُخَارِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَحَافِظُوا عَلَيْهَا وَهِيَ الْوِتْرُ
وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ الْوِتْرُ حَقٌّ
فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أبو المنيب العتكي المروزي وقد وثقه بن مَعِينٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ صَالِحُ الْحَدِيثِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا فِي مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا
قَوْلُهُ (حَدِيثُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ لِتَفَرُّدِ التَّابِعِيِّ عن الصحابي ورواه بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ عَنْ بَعْضٍ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
وَقَدْ عَرَفْتَ
أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ عَنْ خَارِجَةَ منقطعة وقال بن حِبَّانَ خَبَرُهُ بَاطِلٌ وَالْإِسْنَادُ مُنْقَطِعٌ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ لَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ الزَّوْفِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ وَلِشَيْخِهِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ وبن مَاجَهْ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ وَلَيْسَ لَهُمْ رِوَايَةٌ فِي بَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ انْتَهَى
٣٣٣٣٣٣٣٣٣
٣٣٣ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ [٤٥٣])
أَيْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ سُنَّةٌ وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ إِنَّهُ وَاجِبٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فرض
قال الحافظ بن حجر
وقد بالغ أبو حامد فَادَّعَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ انْفَرَدَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ ولم يوافقه صاحباه
مع أن بن أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالضَّحَّاكِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَهُ عَنْ مجاهد الوتر واجب ولم يثبت ونقله بن الْعَرَبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَوَافَقَهُ سَحْنُونٌ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ وَكَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحَتْمُ اللَّازِمُ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ انْتَهَى (وَلَكِنْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ جَعَلَهُ مَسْنُونًا غَيْرَ حَتْمٍ (إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْوِتْرُ الْفَرْدُ وَتُكْسَرُ وَاوُهُ وَتُفْتَحُ فَاللَّهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَالتَّجْزِئَةَ وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ فَلَا شِبْهَ لَهُ وَلَا مِثْلَ وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ فَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مُعِينَ (يُحِبُّ الْوِتْرَ) أَيْ يُثِيبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُهُ مِنْ عَامِلِهِ
قَالَ الْقَاضِي كُلُّ مَا يُنَاسِبُ الشَّيْءَ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تِلْكَ الْمُنَاسَبَةُ (فَأَوْتِرُوا) أَمْرٌ بِصَلَاةِ الْوِتْرِ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ مَثْنَى مَثْنَى ثُمَّ يُصَلِّيَ فِي آخِرِهَا رَكْعَةً مُفْرَدَةً أَوْ يُضِيفَهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ الرَّكَعَاتِ كَذَا في النهاية
قال بن الْمَلَكِ الْفَاءُ تُؤْذِنُ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَأَوْتِرُوا انْتَهَى (يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) أَيْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِهِ فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ عَامَّةٌ لِمَنْ آمَنَ به سواء قرأ أم لم يقرأ وإن كَانَ الْأَكْمَلُ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ وَحَفِظَ وَعَلِمَ وَعَمِلَ شَامِلَةٌ مِمَّنْ تَوَلَّى قِيَامَ تِلَاوَتِهِ وَمُرَاعَاةَ حدوده وأحكامه
قوله (وفي الباب عن بن عمر وبن مسعود وبن عباس) أما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَاغًا أَنَّ رجلا سأل بن عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ وَأَمَّا حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ
وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ لست من أهله
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ النَّحْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى
هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا بَيَّنَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ قَالَ الْوِتْرُ حَسَنٌ جَمِيلٌ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
اعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وجوب الوتر بأحاديث الباب وبحديث بن عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْتَرَ عَلَى بَعِيرِهِ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ
وَرَوَى مسلم عن بن عُمَرَ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَبِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ قَالَ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَقَدْ عَقَدَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ قِيَامِ اللَّيْلِ بَابًا بِلَفْظِ بَابُ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَذَكَرَ فِيهَا أَحَادِيثَ وَآثَارًا كَثِيرَةً مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
وَاسْتَدَلَّ من قال بوجوب الوتر بحديث بن عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَكَذَا آخِرُهُ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قُلْتُ هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ جَعْلِ آخِرِ صَلَاةٍ بِاللَّيْلِ وِتْرًا لَا عَلَى وُجُوبِ نَفْسِ الْوِتْرِ وَالْمَطْلُوبُ هذا لاذا فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِيتَارِ قَبْلَ الْإِصْبَاحِ لَا عَلَى وُجُوبِ نَفْسِ الْإِيتَارِ
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي سَنَدِهِ أَبُو الْمُنِيبِ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ حَقٌّ بِمَعْنَى وَاجِبٌ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٌ بِمَعْنًى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ انْتَهَى
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ الْوِتْرُ
الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ الْوِتْرِ وَقَدْ عَرَفْتَ هُنَاكَ الْجَوَابَ عَنْهُ
قَالَ بن قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ مَا لَفْظُهُ وَأَحَادِيثُهُمْ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهَا ثُمَّ إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَأْكِيدُهُ وَفَضِيلَتُهُ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَذَلِكَ حَقٌّ وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً وَالتَّوَعُّدُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ مَنْ أَكَلَ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنْ مَسْجِدَنَا انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَالْأَحَادِيثِ
الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ مَا لَفْظُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا وَقَوْلُهُ الْوِتْرُ حَقٌّ وَقَوْلُهُ أَوْتِرُوا وَحَافِظُوا وَقَوْلُهُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ بَقِيَّةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَتَكُونُ صَارِفَةً لِمَا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْوِتْرِ وَاجِبٌ فَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مُشْكِلًا لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْوُجُوبِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مَصْرُوفٌ إِلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْعِرَةِ بِالْوُجُوبِ انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عن بن مَسْعُودٍ وَفِي إِسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ فَهُوَ ضَعِيفٌ
ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مَصْرُوفٌ إِلَى غَيْرِهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ
ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تطوع وروى الشيخان أيضا من حديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِأَنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِيَسِيرٍ انتهى
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وصححه الحاكم كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي كراهية النوم قبل الْوِتْرِ [٤٥٥])
أَيْ لِمَنْ يَخْشَى أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
قَوْلُهُ (عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَاسْمُهُ مساك الكوفي مولى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الشَّعْبِيِّ رَوَى عَنِ بن عُمَرَ مَوْلَاهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَعَنْهُ إِسْرَائِيلُ وَغَيْرُهُ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالتَّقْرِيبِ (عَنْ أَبِي ثَوْرٍ الْأَزْدِيِّ) الْحُدَّانِيِّ الْكُوفِيِّ قِيلَ هُوَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ
قَوْلُهُ (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقَدُّمِ الْوِتْرِ عَلَى النَّوْمِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ
وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ مِثْلُهَا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَبِي ذَرٍّ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَبَدًا أَوْصَانِي بِصَلَاةِ الضُّحَى وَبِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ وَبِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ من وجه اخر عنه باللفظ الَّذِي ذَكَرْنَا (وَأَبُو ثَوْرٍ الْأَزْدِيُّ اسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) كَذَا جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّهُمَا وَاحِدٌ وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ النَّهْدِيِّ إِنَّهُ أَبُو ثَوْرٍ الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقِيلَ إِنَّهُ أَبُو ثَوْرٍ الْأَزْدِيُّ وَلَا يَصِحُّ انْتَهَى (وَقَدِ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ومن بعدهم أَنْ لَا يَنَامَ الرَّجُلُ حَتَّى يُوتِرَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمُ اخْتَارُوهُ لِمَنْ يَخْشَى أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جابر
﵁ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا (وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ خَشِيَ مِنْكُمْ
إِلَخْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ أَيْ تَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ (وَهِيَ) أَيْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ وَصِيَّةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ وَبَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِإِرَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْآخَرَ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَحْتَ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْوِتْرِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِمَنْ وَثِقَ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَنَّ مَنْ لَا يَثِقُ بِذَلِكَ فَالتَّقْدِيمُ لَهُ أَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ يُحْمَلُ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى هَذَا التفصيل الصحيح الصريح انتهى
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ [٤٥٦])
(أَخْبَرَنَا أَبُو حَصِينٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ) بتشديد المثلثة الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ) أَيْ قَدْ أَوْتَرَ مِنْ كُلِّ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ (أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (فَانْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ فِي وَجْهِ السَّحَرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ كَانَ آخِرُ أمر الإيثار فِي السَّحَرِ وَالْمُرَادُ بِهِ آخِرُ اللَّيْلِ كَمَا قَالَتْ فِي الرِّوَايَاتِ
الْأُخْرَى فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِيتَارِ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَيْهِ قَالَ وَفِيهِ جَوَازُ الْإِيتَارِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِ الْوِتْرِ مَغِيبُ الشَّفَقِ بَعْدَ صَلَاةِ العشاء كذا نقله بن الْمُنْذِرِ لَكِنْ أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ قَالُوا وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَبَانَ أَنَّهُ كَانَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ثُمَّ صَلَّى الْوِتْرَ مُتَطَهِّرًا أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ فَصَلَّى الْوِتْرَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ دُونَ الْأَوَّلِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وأبي قتادة) أما حديث علي فأخرجه بن مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي النَّيْلِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِسَبْعٍ [٤٥٧])
قَوْلُهُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ) الْعُرَنِيِّ الْكُوفِيِّ قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ زَبَّانٌ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْغُلُوِّ بِالتَّشَيُّعِ
قَوْلُهُ (يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ) أَيْ مَعَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ أَوْ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَفْتَتِحُ بِهِمَا صَلَاةَ اللَّيْلِ كَمَا سَتَعْرِفُ (فَلَمَّا كَبِرَ) مِنْ بَابِ عَلِمَ يُسْتَعْمَلُ فِي كِبَرِ السِّنِّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَتْ صَلَاتُهُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَظَاهِرُ رِوَايَةِ عَائِشَةَ الْأُولَى يُخَالِفُ رِوَايَتَهَا الثَّانِيَةَ قَالَ الْحَافِظُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَضَافَتْ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ لِكَوْنِهِ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ مَا كَانَ يَفْتَتِحُ بِهِ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُهَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِي لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ الْحَدِيثَ
دَلَّتْ عَلَى الْحَصْرِ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ جَاءَ فِي صِفَتِهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ وَغَيْرِهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ وَتَعَرَّضَتْ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوِتْرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَتِسْعٍ وَسَبْعٍ وَخَمْسٍ وَثَلَاثٍ وَوَاحِدَةٍ) وَرَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَمَا سَتَعْرِفُ (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ (قَالَ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يصلي من الليل ثلاث عشرة مَعَ الْوِتْرِ فَنُسِبَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ إِلَى الْوِتْرِ) وَأَطْلَقَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ مَعَ الْوِتْرِ لَفْظَ الْوِتْرِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ أَيْ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ مَعَ الْوِتْرِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (وَروَى فِي ذَلِكَ
حَدِيثًا عَنْ عَائِشَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ وَعَشْرَةٍ وَثَلَاثٍ وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَلَا أَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِخَمْسٍ [٤٥٩])
قَوْلُهُ (لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ) أَيْ لَا يَجْلِسُ فِي رَكْعَةٍ مِنَ الرَّكَعَاتِ الْخَمْسِ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِيتَارِ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ بِقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِتَعْيِينِ الثَّلَاثِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ اللَّيْلِ سِتٌّ مِنْهُنَّ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِخَمْسٍ لَا يَقْعُدُ فِيهِنَّ
وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُعُودِ فِي السَّادِسَةِ فِي الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ وَالرِّوَايَتَانِ الْأُولَيَانِ تَدُلَّانِ عَلَى نَفْيِهِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّفْيِ لِلْقُعُودِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْقُعُودِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ التَّسْلِيمُ انْتَهَى
قُلْتُ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ يَقْعُدُ فِي السَّادِسَةِ فِي الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ وَقَدْ لَا يَقْعُدُ فِيهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ شَاءَ بِسَبْعٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَقَدْ روى في الإيتار بسبع وبخمس أحاديث كثير فَمِنْهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَخَمْسٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ أخرجه أحمد والنسائي وبن ماجه وعن بن عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ ثُمَّ صَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا لَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهُمُ الْوِتْرَ بِخَمْسٍ وَقَالُوا لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ) رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ لَا يَنْصَرِفُ فِيهَا أَيْ لَا يُسَلِّمُ
وَقَالَ الشَّيْخُ سِرَاجٌ أَحْمَدُ السَّرْهَنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ
وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بثلاث [٤٦٠])
قوله (عن الحارث) هو بن عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ صَاحِبُ عَلِيٍّ أَحَدُ كِبَارِ الشيعة قال الشعبي وبن الْمَدِينِيِّ كَذَّابٌ
قَوْلُهُ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) زَادَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ قَالَ أَسْوَدُ بْنُ عامر شيخ أَحْمَدَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ وإنا أنزلناه في ليلة القدر وإذا
زلزلت الأرض) وفي الركعة الثانية (والعصر وإذا جاء نصر الله والفتح وإنا أعطيناك الكوثر) وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون وتبت يدا أبي لهب وقل هو الله أحد)
كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وعائشة وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِيهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا الْحَدِيثَ
وَلِعَائِشَةَ ﵂ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ وَلِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الاتي
وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ أَيْضًا
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ الأربعة إلا الترمذي وصححه بن حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَقْفَهُ
وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ
قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوتر بسبح اسم ربك الأعلى أو قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وفي رواية النسائي يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد (وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (هَكَذَا رَوَى بَعْضُهُمْ إِلَخْ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي صُحْبَتِهِ وَقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ وَكَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ رَجُلًا وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ لِعَلِيٍّ انْتَهَى وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَاسِطَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَيْضًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَكِلَاهُمَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
انْتَهَى
قَوْلُهُ (قَالَ سُفْيَانُ إِنْ شِئْتَ أَوْتَرْتَ بِخَمْسٍ وَإِنْ شِئْتَ أَوْتَرْتَ بِثَلَاثٍ وَإِنْ شِئْتَ أَوْتَرْتَ بركعة) روى أبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَآخَرُونَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْوِتْرُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَالذُّهْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَفَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى
وَقَالَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إِذْ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ انْتَهَى
فَهَذَا الْحَدِيثُ وَالْأَحَادِيثُ الْأُخْرَى تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ سُفْيَانُ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ وَبِثَلَاثٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعٍ وَتِسْعٍ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَسَنٌ عَلَى مَا رُوِّينَا مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَهُوَ الْحَقُّ (قَالَ وَالَّذِي اسْتُحِبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ كما ستقف عليه (وهو قول بن الْمُبَارَكِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَقَلُّ
وَقَوْلُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْإِيتَارُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَبِأَقَلَّ مِنْهَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْآثَارِ الْقَوِيَّةِ كَمَا عَرَفْتَ وَكَمَا سَتَعْرِفُ
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ) أَبُو بَكْرٍ ثقة صاحب حديث قال بن حبان ربما أخطأ (عن هشام هو بن حَسَانَ الْأَزْدِيُّ الْقَرْدُوسِيُّ) بِالْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ الْبَصْرِيِّ ثقة من أثبت الناس في بن سِيرِينَ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ مَقَالٌ لِأَنَّهُ قِيلَ كَانَ يُرْسِلُ عَنْهُمَا (قَالَ كَانُوا يُوتِرُونَ) أَيِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ (بِخَمْسٍ وَبِثَلَاثٍ وَبِرَكْعَةٍ وَيَرَوْنَ كُلَّ ذَلِكَ حَسَنًا) وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ
مِنْهُمْ مَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِيتَارُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَلَا بِأَقَلَّ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَزَعَمَ النُّعْمَانُ أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْهُ فَمَنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ فَوِتْرُهُ فَاسِدٌ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوِتْرَ فَيُوتِرَ بِثَلَاثٍ إِلَى أَنْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَقَوْلُهُ هَذَا خِلَافٌ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَخِلَافٌ لِمَا جمع عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ انْتَهَى
تَنْبِيهٌ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ فَأَخَذْنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا عَدَاهُ وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَا بِأَكْثَرَ
قُلْتُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ ثَبَتَ الْإِيتَارُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَبِأَكْثَرَ مِنْهَا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ فَلَا تُتْرَكُ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَلْبَتَّةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ قَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لِلنُّعْمَانِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْوِتْرَ لَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَا بِأَكْثَرَ بِأَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ جَائِزٌ حَسَنٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِتْرِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ فَأَخَذَ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَةِ الْمُحْتَجِّ بِهَذَا بِالْأَخْبَارِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ
وَقَدْ رُوِيَ فِي كَرَاهَةِ الْوِتْرِ بِثَلَاثِ أَخْبَارٍ بَعْضُهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُهَا عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشَبِّهُوا بِالْمَغْرِبِ وَلَكِنْ أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ أَوْ بِتِسْعٍ أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ وَفِي الباب عن عائشة وميمونة وعن بن عَبَّاسٍ الْوِتْرُ سَبْعٌ أَوْ خَمْسٌ وَلَا نُحِبُّ ثلاثا بترا وفي رواية إن لَأَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا بَتْرًا لَكِنْ بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ الْوِتْرُ سَبْعٌ أَوْ خَمْسٌ وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا بَتْرًا وَفِي لَفْظٍ أَوْلَى لِلْوِتْرِ خَمْسٌ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ فَكَرِهَ الثَّلَاثَ وَقَالَ لَا تُشَبِّهِ التَّطَوُّعَ بِالْفَرِيضَةِ أَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ أَوْ بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ إِلَخْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مَا لَفْظُهُ وَقَدْ صَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وقد صححه بن حبان والحاكم ومن طريق مقسم عن بن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهَةُ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَرِهَ الثَّلَاثَ فِي الْوِتْرِ فَهَذِهِ الْآثَارُ تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ وَالتَّشْبِيهِ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ
قُلْتُ قَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الثَّلَاثِ إِذَا كَانَ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا فِي آخِرِهَا فَلَا يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ
قَالَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَجْهُ الْجَمْعِ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَنْ صَلَاةِ الثَّلَاثِ بِتَشَهُّدَيْنِ وَقَدْ فَعَلَهُ السَّلَفُ يَعْنِي الْإِيتَارَ بِثَلَاثٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَضُ فِي الثَّالِثَةِ مِنَ الْوِتْرِ بِالتَّكْبِيرِ وَمِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ ومن طريق بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ بَيْنَهُنَّ وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ مِثْلَهُ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ بن مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ كَالْمَغْرِبِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ الْمَذْكُورُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قُلْتُ يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَهَذَا وِتْرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَنْهُ أَخَذَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا
فَإِنْ قُلْتَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي قَتَادَةَ وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ لَكِنَّهُ دُونَ سَعِيدٍ فَيَكُونُ مَا رواه سعيد عن قتادة أرجح مما رواه أَبَانٌ عَنْهُ
قُلْتُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ قَوْلِهِ لَا يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ وَقَوْلُهُ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ فَتَفَكَّرْ
عَلَى أَنَّ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ أَحْمَدُ ثبت في كل المشايخ
وقال بن مَعِينٍ ثِقَةٌ انْتَهَى وَكَانَ صَاحِبَ كِتَابٍ
قَالَ بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ
وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ مُتَمَاسِكٌ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ انْتَهَى
وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الِاخْتِلَاطِ قَطُّ
وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ كِتَابٍ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ كِتَابٌ إِنَّمَا يَحْفَظُ ذَلِكَ كُلَّهُ انْتَهَى وَمَعَ هَذَا كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ
قال الأزدي اختلط اختلاطا قبيحا
قال بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ بَقِيَ فِي اخْتِلَاطِهِ خَمْسَ سِنِينَ وَقَالَ الذُّهْلِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخَفَّافِ خولط سعيد سنة وعاش بعد ما خولط تسع
سِنِينَ انْتَهَى
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ هَذَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَرْجَحَ مِمَّا رَوَاهُ أَبَانٌ عَنْ قَتَادَةَ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ رَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ وَمَعْمَرٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ سَعِيدٍ
قُلْتُ لَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ فَمَنْ يَدَّعِي صِحَّةَ مُتَابَعَةِ هَؤُلَاءِ لِسَعِيدٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ رِوَايَاتِهِمْ سَنَدًا وَمَتْنًا لِيَنْظُرَ هَلْ هِيَ صَالِحَةٌ لِلْمُتَابَعَةِ أَمْ لَا
هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
تَنْبِيهٌ قَالَ صَاحِبُ آثَارِ السُّنَنِ مُتَعَقِّبًا عَلَى هَذَا الْجَمْعِ مَا لَفْظُهُ هَذَا الْجَمْعُ سَخِيفٌ جِدًّا بَعِيدٌ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ ذِهْنُ الذَّاهِنِ بَلْ هُوَ غَلَطٌ صَرِيحٌ
ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى حَدِيثِ لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبِ
فَقَالَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ
قُلْتُ كَلَامُ صَاحِبِ آثَارِ السُّنَنِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَرْطِ التَّعَصُّبِ فَإِنَّ حُسْنَ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِنْصَافِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي بَيَانِ مَعْنَى حَدِيثِ لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ إِلَخْ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْإِيتَارِ
بِثَلَاثٍ فَكَفَى لِبُطْلَانِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ وَاجِبًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ فَتَفَكَّرْ وَلِبُطْلَانِهِ وُجُوهٌ أُخْرَى لَا تَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ [٤٦١])
قَوْلُهُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ثِقَةٌ
قَوْلُهُ (أُطِيلُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُرَادُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ سُنَّةُ الْفَجْرِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) بِلَا تَنْوِينٍ لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ أَيْ ثِنْتَيْنِ ثنتين
قال بن الْمَلَكِ اسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) فِيهِ المشروعية الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْحَقُّ (وَكَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ) أَيْ سُنَّةَ الْفَجْرِ (وَالْأَذَانُ فِي أُذُنِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَكَأَنَّ الْأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ قَالَ حَمَّادٌ أَيْ بِسُرْعَةٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ بِأُذُنَيْهِ أَيْ لقرب صلاته من الأذان والمراد به ها هنا الْإِقَامَةُ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُسْرِعُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِسْرَاعَ مَنْ يَسْمَعُ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ خَشْيَةَ فَوَاتِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا قَالَ وَقَوْلُهُ بِسُرْعَةٍ هُوَ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِقَوْلِهِ كَأَنَّ الْأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِالْأَذَانِ هُنَا الْإِقَامَةُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ تَخْفِيفِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي صَلَاتِهِ ﷺ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وبن عَبَّاسٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ الْحَدِيثَ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى وَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَفِيهِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى سَجْدَةً فَأَوْتَرَ بِهَا وَنَادَى الْمُنَادِي عِنْدَ ذَلِكَ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فَجَعَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّاسُ إِنَّمَا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا انْتَهَى
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي وبن مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أن وقفه هو صواب
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أبي مجلز سألت بن عَبَّاسٍ عَنِ الْوِتْرِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ اخر الليل
قوله (حديث بن عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ رَأَوْا أَنْ يَفْصِلَ الرَّجُلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالثَّالِثَةِ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْوِتْرِ وَالشَّفْعِ بِتَسْلِيمَةٍ وَيُسْمِعُنَاهَا
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذكره رواه أحمد وبن حبان وبن السَّكَنِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ الصائغ عن نافع عن بن عُمَرَ بِهِ وَقَوَّاهُ أَحْمَدُ انْتَهَى
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ بن عُمَرَ ﵁ بِلَفْظِ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى مَا لَفْظُهُ فالذي تختاره لِمَنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ أَنْ يُسَلِّمَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وَيَتَشَهَّدُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فيصلي ركعة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَجَابَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَاخْتَرْنَا مَا هُوَ اخْتِيَارٌ لِأُمَّتِهِ وَأَجَزْنَا فِعْلَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ فَفَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ إِذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِثَلَاثٍ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ هِيَ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ وَأَكْثَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَوْتِرُوا بِرَكْعَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْأَخْبَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنِ السَّلَفِ فِي الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ فَنَحْنُ نذكر ها هنا بَعْضًا مِنْهَا مِنْ كِتَابِهِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَغَيْرِهِ
روى البخاري في صحيحه عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى بن عَبَّاسٍ فَقَالَ دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ قَالَ قُلْتُ لَا يَغْلِبُنِي اللَّيْلَةَ عَلَى الْمَقَامِ أحد فقمت أصلي فوجدت حسن رَجُلٍ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَتَنَحَّيْتُ لَهُ فَتَقَدَّمَ فَاسْتَفْتَحَ الْقُرْآنَ حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ فَقُلْتُ أَوَهِمَ الشَّيْخُ فَلَمَّا صَلَّى قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَةً وَاحِدَةً فَقَالَ أَجَلْ هِيَ وِتْرِي
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ أَمَّنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ تَنَحَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رَكْعَةً فَأَتْبَعْتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ
يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا هَذِهِ الرَّكْعَةُ فَقَالَ وِتْرٌ أَنَامُ عَلَيْهِ
وَفِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ أُوتِرُ قَالَ أَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ قَالَ إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّهَا الْبُتَيْرَاءُ قَالَ أَسُنَّةَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ تُرِيدُ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ
وَعَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حِينَ أَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَقُومَ بِالنَّاسِ يُسَلِّمُ فِي اثْنَتَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ لَهُ بن عُمَرَ لِمَ سَلَّمْتَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْصَرِفَ النَّاسُ فَلَا يُوتِرُونَ
وعن نافع سمعت معاذ القارىء يُسَلِّمُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
وَعَنْهُ كُنَّا نَقُومُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ يَؤُمُّنَا مُعَاذٌ فَكَانَ يُسَلِّمُ رَافِعًا صَوْتَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَكَانَ يُصَلِّي مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ أَرَ أَحَدًا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ أَوْتَرَ بِهَا
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ
وَعَنْ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ رَأَى سَعْدًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً أَوْتَرَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُوتِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَكْعَةٍ
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي هَذَا الْبَابِ آثَارًا أُخْرَى مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
(بَاب مَا جَاءَ ما يقرأ في الوتر [٤٦٢])
قوله (عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ إِلَخْ) الْحَدِيثَ رواه أبو داود وبن ماجه أيضا
(فِي رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ انْفَرَدَ الْمُصَنِّفُ يعني الترمذي بهذه الزيادة عن النسائي وبن مَاجَهْ وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ يَقْرَأُ بِكُلِّ سُورَةٍ مِنَ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي رَكْعَةِ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ (وَعَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد
قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْوِتْرِ فِي الركعة الثالثة بالمعوذتين وقل هو الله أحد) رواه أحمد وأبو داود وبن مَاجَهْ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثالثة قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس
قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ومن بعدهم أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ ذَلِكَ بِسُورَةٍ) وبه قال الحنفية قال بن الْهُمَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى سَبِّحِ اسم ربك الأعلى وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثالثة قل هو الله أحد انتهى
قُلْتُ وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّ حديث بن عَبَّاسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِإِسْقَاطِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَصَحُّ