الرِّقَابَ وَقَالَ الْمُسَيِّبُ لَأَنْ أُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالْحَرَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّخَطِّي وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْهُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنَ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّخَطِّي
وَهَكَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ بِالرَّوْضَةِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ إِذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إِلَى الْمِنْبَرِ أَوِ الْمِحْرَابِ إِلَّا بِالتَّخَطِّي لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّخَطِّي لِلْحَاجَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَمَنْ خَصَّصَ الْكَرَاهَةَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ عِنْدَهُ وَمَنْ عَمَّمَ الْكَرَاهَةَ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُ وَقَدْ خَصَّ الْكَرَاهَةَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ مَنْ يَتَبَرَّكُ النَّاسُ بِمُرُورِهِ وَيَسُرُّهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَتَأَذَّوْنَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ التَّأَذِّي كَذَا فِي النَّيْلِ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الِاحْتِبَاءِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ)
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ وَيَشُدَّهُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ الِاحْتِبَاءُ بِالْيَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ يُقَالُ احْتَبَى يَحْتَبِي احْتِبَاءً وَالِاسْمُ الْحُبْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْجَمْعُ حِبًا وَحُبًا
[٥١٤] قَوْلُهُ (وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ) الْخُوَارَزْمِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرحمن المقرئ وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرِهِمَا وَرَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ السنن الأربعة ولزم بن مَعِينٍ وَأَخَذَ عَنْهُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مَاتَ سَنَةَ ١٧٢ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ (قَالَا أخبرنا أبو عبد الرحمن الْمُقْرِئُ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَكِّيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ ثِقَةٌ فَاضِلٌ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ سَنَةً مِنَ التَّاسِعَةِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ) الْخُزَاعِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمِصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَاسْمُ أَبِي أَيُّوبَ مِقْلَاصٌ (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ قَالَ الْحَافِظُ صَدُوقٌ زَاهِدٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ) بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ
قَوْلُهُ (نَهَى عَنِ الْحَبْوَةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ احْتَبَى بِالثَّوْبِ اشْتَمَلَ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ ظَهْرِهِ وساقيه بعمامة ونحوها والاسم الحبوة وبضم انْتَهَى (يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا نَهَى عَنْ الِاحْتِبَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ النَّوْمَ وَيُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلِانْتِقَاضِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الِاحْتِبَاءِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالِ الْخُطْبَةِ وَلَا بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِانْكِشَافِ عَوْرَةِ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فِي سَنَدِهِ سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَفِي سَنَدِهِ أيضا أبو مرحوم ضعفه بن مَعِينٍ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عند بن مَاجَهْ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَعْنِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَعَلَّهُ من شيوخه المجهولين عن جابر عند بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ
قَوْلُهُ (وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْحَبْوَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ)
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهَا إِلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ انْتَهَى
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَوَرَدَ عَنْ مَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَحْتَبُوا وَالْإِمَامُ يخطب يوم الجمعة
رواه بن أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ قَالَ وَلَكِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَنِ الثَّلَاثَةِ فَنُقِلَ عَنْهُمُ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ وَنُقِلَ عَنْهُمْ عَدَمُهَا وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهِيَ تُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا
(وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إلخ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سننه وكان بن عُمَرَ يَحْتَبِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَشُرَيْحٌ وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ وَنُعَيْمُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ لَا بَأْسَ بِهَا انْتَهَى
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ
يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَمَعَ بِنَا فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ وَفِيهِ لِينٌ وقد وثقه بن حِبَّانَ وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَدْ حَسَّنَ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ
قُلْت أَحَادِيثُ الْبَابِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لَكِنْ يقوي بعضها بعضا ولا شك فِي أَنَّ الْحَبْوَةَ جَالِبَةٌ لِلنَّوْمِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ رَفْعِ الْأَيْدِي عَلَى المنبر)
[٥١٥] قوله (أخبرنا هشيم)
بالتصغير بن بَشِيرٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ الْوَاسِطِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ كَثِيرُ التدليس والإرسال (أخبرنا حصين) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُ أَبُو الْهُذَيْلِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ فِي الْآخِرِ (قَالَ سَمِعْتُ عُمَارَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (بْنَ رُوَيْبَةَ) بِرَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا الثَّقَفِيَّ يُكْنَى بِأَبِي زُهَيْرٍ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ (وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَخْطُبُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ (فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَفْظُ فِي الدُّعَاءِ (فَقَالَ عُمَارَةُ قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيُدَيَّتَيْنِ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ تَصْغِيرُ الْيَدَيْنِ (الْقُصَيِّرَتَيْنِ) تَصْغِيرُ الْقَصِيرَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ إِخْبَارٌ عَنْ قُبْحِ صُنْعِهِ (وَمَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ) أَيْ يُشِيرَ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الْأَيْدِي عَلَى الْمِنْبَرِ حَالَ الدُّعَاءِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٢٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ)
[٥١٦] قَوْلُهُ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) بْنِ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ الْكِنْدِيِّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُخْتِ النَّمِرِ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ لَهُ أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ وَحُجَّ بِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ بن سَبْعِ سِنِينَ وَوَلَّاهُ عُمَرُ سُوقَ الْمَدِينَةِ مَاتَ سَنَةَ ١٩ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَوْلُهُ (كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ)
أَيْ لِلْخُطْبَةِ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فِي الْهِنْدِ
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رواية أبي عامر عن بن أبي ذئب عند بن خُزَيْمَةَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وكذا للبيهقي من طريق بن أبي فديك عن بن أَبِي ذِئْبٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْمَعْنَى كَانَ الْأَذَانُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانَيْنِ أَحَدُهُمَا حِينَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالثَّانِي حِينَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ
فَكَانَ فِي عَهْدِهِمُ الْأَذَانَانِ فَقَطْ وَلَمْ يَكُنِ الْأَذَانُ الثَّالِثُ وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانَيْنِ الْأَذَانُ الْحَقِيقِيُّ وَالْإِقَامَةُ وَفِي رواية وكيع عن بن أبي ذئب عند بن خُزَيْمَةَ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أذانين يوم الجمعة قال بن خُزَيْمَةَ قَوْلُهُ أَذَانَيْنِ يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ يَعْنِي تَغْلِيبًا أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِعْلَامِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
(فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أَيْ خِلَافَتُهُ أَوْ كَانَ خَلِيفَةً (زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ) قَالَ الحافظ في رواية وكيع عن بن أَبِي ذِئْبٍ فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَنَحْوُهُ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَزِيدًا يُسَمَّى ثَالِثًا وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُعِلَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ يُسَمَّى أَوَّلًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّأْذِينَ بِالثَّانِي أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ وَتَسْمِيَتُهُ ثَانِيًا أَيْضًا مُتَوَجِّهٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَذَانِ الْحَقِيقِيِّ لَا الْإِقَامَةِ (عَلَى الزوراء) بفتح الزاء وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ مَمْدُودَةٌ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ الزَّوْرَاءُ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ قَالَ الْحَافِظُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هُوَ المعتمد وجزم بن بَطَّالٍ بِأَنَّهُ حَجَرٌ كَبِيرٌ
عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رواية بن إسحاق عن الزهري عند بن خزيمة وبن مَاجَهْ بِلَفْظِ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى دَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ فَكَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأُذِّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ أيضا زاد أبو عامر يعني بن خزيمة عن بن أَبِي ذِئْبٍ فَثَبَتَ ذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةِ
وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ يَعْنِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ فَثَبَتَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِفِعْلِ عُثْمَانَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِذْ ذَاكَ لِكَوْنِهِ خَلِيفَةً مُطَاعَ الْأَمْرِ لَكِنْ ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ بِمَكَّةَ الْحَجَّاجُ وَبِالْبَصْرَةِ زِيَادٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ الْأَدْنَى الْآنَ لَا تَأْذِينَ عِنْدَهُمْ سِوَى مَرَّةٍ وروى بن أبي شيبة من طريق بن عُمَرَ قَالَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ يُسَمَّى بِدْعَةً لَكِنْ مِنْهَا مَا يَكُونُ حَسَنًا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ انْتَهَى
تَنْبِيهٌ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَذَانُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ وُجُودًا إِذَا كَانَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِاجْتِهَادِ عُثْمَانَ وَمُوَافَقَةِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ لَهُ بِالسُّكُوتِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ صَارَ أَمْرًا مَسْنُونًا نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ انْتَهَى
قُلْتُ لَيْسَ المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي أَيْ بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا انتهى كلام القارىء
وَقَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ أَمَّا حَدِيثُ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وأخرجه أحمد وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَلَهُ طَرِيقٌ فِيهَا مَقَالٌ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِسُنَّةِ الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ
مِنْ جِهَادِ الْأَعْدَاءِ وَتَقْوِيَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ لِكُلِّ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ لَا يَخُصُّ الشَّيْخَيْنِ
وَمَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِخَلِيفَةٍ رَاشِدٍ أَنْ يُشَرِّعَ طَرِيقَةً غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ
ثُمَّ هَذَا عُمَرُ ﵁ نَفْسُهُ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ سَمَّى مَا رَآهُ مِنْ تَجْمِيعِ صَلَاتِهِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بِدْعَةً وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا سُنَّةٌ فَتَأَمَّلْ
عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ خَالَفُوا الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ وَمَسَائِلَ فَدَلَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَا قَالُوهُ وَفَعَلُوهُ حُجَّةٌ
وَقَدْ حَقَّقَ الْبِرْمَاوِيُّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى قَوْلٍ كَانَ حُجَّةً لَا إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَيْسَ هُوَ التَّقْلِيدُ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي شَرْحِ نَظْمِ الْكَافِلِ فِي بَحْثِ الْإِجْمَاعِ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ لَيْسَ المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لِطَرِيقَتِهِ ﷺ لَاحَ لَكَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى كَوْنِ الْأَذَانِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُجْتَهَدَاتِ عُثْمَانَ ﵁ أمرا مسنونا ليس بتام ألا ترى أن بن عُمَرَ ﵁ قَالَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ فَلَوْ كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ تَامًّا وَكَانَ الْأَذَانُ الثَّالِثُ أَمْرًا مَسْنُونًا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْبِدْعَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ غَيْرِ الْإِنْكَارِ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْمَسْنُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبِدْعَةِ بِأَيِّ مَعْنًى كَانَ فَتَفَكَّرْ