وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ عَدَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَمَنْ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ حَذَفَهُمَا وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَدَّ أَحَدَهُمَا وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها بن إِسْحَاقَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ وَإِذَا أُثْبِتَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ فَحَذَفَ مِنْهَا يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَمْسَ عَشْرَةَ وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ أرجح الروايات
وبهذا أخذ إسحاق بن رَاهَوَيْهِ
وَيُرَجِّحُهَا أَيْضًا أَنَّهَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَرِوَايَةُ عبد بن حميد عن بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا افْتَتَحَ مَكَّةَ أَقَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَا لَفْظُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَجَمَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا لَمْ يَعُدَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَهِيَ رِوَايَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَعَدَّهَا فِي بَعْضِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَعَدَّ يَوْمَ الدُّخُولِ وَلَمْ يَعُدَّ الْخُرُوجَ وَهِيَ رِوَايَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ جَمْعٌ مَتِينٌ وَتَبْقَى رِوَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَاذَّةً لِمُخَالَفَتِهَا وَرِوَايَةُ عِشْرِينَ وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ إِلَّا أَنَّهَا شَاذَّةٌ أَيْضًا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ وَرِوَايَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وبن مَاجَهْ وَأَحْمَدُ
(بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ)
[٥٥٠] قَوْلُهُ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرًا ثِقَةٌ (عَنْ أَبِي بُسْرَةَ) بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْغِفَارِيِّ
مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ
وثقه بن حِبَّانَ
وَقَالَ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَابِعِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ عند المصنف وبن مَاجَهْ وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى مَنْ يَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ صَحَابِيٌّ اسْمُهُ حُمَيْلٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَدَلَهُ شَهْرًا وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ هُمَا سُنَّةُ الظُّهْرِ فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْإِتْيَان بِالرَّوَاتِبِ فِي السَّفَرِ قَالَ صَاحِبُ الْهُدَى لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى سُنَّةَ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِي السَّفَرِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ وَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ
لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ اسْتَغْرَبَهُ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ حَسَنًا
وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سُنَّةِ الزَّوَالِ لَا عَلَى الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عُمَرَ) قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَتَانِ وَسَيَجِيءُ تَخْرِيجُهُمَا
قَوْلُهُ (حَدِيثُ الْبَرَاءِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ)
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ
قَوْلُهُ (وروي عن بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا)
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حفص بن عاصم قال صحبت بن عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ
قُلْتُ يُسَبِّحُونَ
قَالَ لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي صَحِبْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يُزَادُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
(وَرُوِيَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّذَكُّرِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ مَحْمُولٌ عَلَى النِّسْيَان
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَاغًا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَتَنَقَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ (فَرَأَى بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ)
الْمُرَادُ مِنَ التَّطَوُّعِ النَّوَافِلُ الرَّاتِبَةُ وَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا (وَمَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ قَبُولُ الرُّخْصَةِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ مُرَادُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ فَقَبِلَ الرُّخْصَةَ وَلَمْ يَتَطَوَّعْ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي السَّفَرِ مَمْنُوعٌ (وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ التَّطَوُّعَ فِي السَّفَرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ فِي السَّفَرِ وَاخْتَلَفُوا في استحباب النوافل الراتبة فتركها بن عُمَرَ وَآخَرُونَ وَاسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي نَدْبِ الرَّوَاتِبِ وَحَدِيثُ صَلَاتِهِ ﷺ الضُّحَى يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ وَرَكْعَتَيِ الصُّبْحِ حِينَ نَامُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَحَادِيثُ أُخْرَى صَحِيحَةٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْقِيَاسُ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ فِي رحله ولا يراه بن عُمَرَ فَإِنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ وَلَعَلَّهُ تَرَكَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَنَّهَا لَوْ شُرِعَتْ لَكَانَ إِتْمَامُ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى فَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَرِيضَةَ مُتَحَتِّمَةٌ
فَلَوْ شُرِعَتْ تَامَّةً لَتَحَتَّمَ إِتْمَامُهَا وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَهِيَ إِلَى خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ فَالرِّفْقُ بِهِ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً وَيَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَحَصَّلَ ثَوَابَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى