تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج3 ص102الكتب المعتمدة على ما لا يخفي مَنْ نَظَرَ فِيهَا فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَحْصُلِ التَّمَيُّزُ لَهُمْ فَظَنُّوا قُرْبَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَهَذَا أَمْرٌ بَعِيدٌ عَنِ الصَّحَابَةِ النَّاهِينَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنِ اخْتِيرَ تَرْكُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ بِإِبْدَاءِ الْخَلَلِ فِي الْإِسْنَادِ فَهُوَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ مَعَ إِخْرَاجِ الْأَئِمَّةِ لَهَا وَشَهَادَتِهِمْ بِتَصْحِيحِهَا وَإِنْ عُورِضَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَرَّحَتْ بِأَنَّ الْجَمْعَ كَانَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَالتَّقْدِيمِ فِي أول الوقت فهو أعجب فإن الجمع بينهما يحملها عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مُمْكِنٌ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثَبَتَ فِي الْجَمْعِ أَحَادِيثُ نُصُوصٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَأْوِيلٌ وَدَلِيلُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الِاسْتِنْبَاطُ مِنَ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَإِنَّ سَبَبَهُ احْتِيَاجُ الْحَاجِّ إِلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَنَاسِكِهِمْ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ وَلَمْ تَتَقَيَّدِ الرُّخَصُ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ بِالنُّسُكِ إِلَى أَنْ قَالَ وَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ أَنَّ الْجَمْعَ أَرْفَقُ مِنَ الْقَصْرِ فَإِنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ يَضُمُّهُمَا إِلَى رَكْعَتَيْهِ وَرِفْقُ الْجَمْعِ وَاضِحٌ لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ عَلَى الْمُسَافِرِ انْتَهَى كَذَا نَقَلَ كَلَامَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وتعقب الخطابي وغيره على مِنْ حَمْلِ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ بِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَعْظَمَ ضِيقًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ وَأَوَاخِرَهَا مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ أَكْثَرُ الْخَاصَّةِ فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ قول بن عباس أن لا يحرج أمته
أخرج مُسْلِمٌ
[٥٥٥] قَوْلُهُ (أَنَّهُ اسْتُغِيثَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ) أَيْ طُلِبَ مِنْهُ الْإِغَاثَةُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ زَوْجَةَ بن عُمَرَ كَانَتْ لَهَا حَالَةُ الِاحْتِضَارِ
فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ وَهُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ فَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَعَجَّلَ فِي الْوُصُولِ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي
قُلْتُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثلاثا في السفر قال سالم وأخر بن عُمَرَ الْمَغْرِبَ وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ إلخ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ اسْتُصْرِخَ بِالضَّمِّ أَيِ اسْتُغِيثَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ وَهُوَ مِنَ الصُّرَاخِ وَالْمُصْرِخُ الْمُغِيثُ انْتَهَى
(فَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أَيِ اهْتَمَّ بِهِ وَأَسْرَعَ فِيهِ يُقَالُ جَدَّ يَجُدُّ وَيَجِدُّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَجَدَّ بِهِ الْأَمْرُ وَأَجَدَّ وَجَدَّ فِيهِ وَأَجَدَّ إِذَا اجْتَهَدَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
(وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ السُّرْعَةِ فِي السَّيْرِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةَ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى المغرب
وَالْعَتَمَةَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِاخْتِصَاصِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بِمَنْ كَانَ سَائِرًا لَا نَازِلًا
وَأُجِيبَ بِمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الصَّلَاةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَوْلُهُ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ نَازِلٌ فَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ نازلا ومسافرا
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَجْمَعُ إِلَّا من جدبه السَّيْرُ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلِالْتِبَاسِ انْتَهَى
وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوَّلَ قَوْلَهُ ثُمَّ دَخَلَ أَيْ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ خَرَجَ عَنِ الطَّرِيقِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ وَلَا شَكَّ فِي بُعْدِهِ وَكَأَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَكَانَ أَكْثَرُ عَادَتِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ تَرْكُ الْجَمْعِ أَفْضَلُ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَخْصِيصٌ لِأَحَادِيثِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي بَيَّنَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِهَا الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ مُسْلِمٌ
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ)
الِاسْتِسْقَاءُ لُغَةً طَلَبُ سَقْيِ الْمَاءِ مِنَ الْغَيْرِ لِلنَّفْسِ أَوْ لِلْغَيْرِ وَشَرْعًا طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حُصُولِ الْجَدْبِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ قَالَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ طَلَبِ السُّقْيَا أَيْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ
يُقَالُ سَقَى اللَّهُ عِبَادَهُ الْغَيْثَ وَأَسْقَاهُمْ وَالِاسْمُ السُّقْيَا بِالضَّمِّ وَاسْتَسْقَيْتُ فُلَانًا إِذَا طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ انْتَهَى
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هُوَ أَنْوَاعٌ أَدْنَاهَا الدُّعَاءُ الْمُجَرَّدُ وَأَوْسَطُهَا الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَأَفْضَلُهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِرَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ
وَالْأَخْبَارُ وردت بجميع ذلك انتهى