٦ - (باب ما جاء فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْكُسُوفَ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفَ لِلْقَمَرِ وَاخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ عَكْسَهُ وَغَلَّطَهُ لِثُبُوتِهِ بِالْخَاءِ فِي الْقُرْآنِ
وَقِيلَ يُقَالُ بِهِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَبِهِ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَدْلُولَ الْكُسُوفِ لُغَةً غَيْرُ مَدْلُولِ الْخُسُوفِ لِأَنَّ الْكُسُوفَ التَّغَيُّرُ إِلَى سَوَادٍ وَالْخُسُوفَ النُّقْصَانُ أَيِ الذُّلُّ فَإِذَا قِيلَ فِي الشَّمْسِ كَسَفَتْ أَوْ خَسَفَتْ لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ وَلَحِقَهَا النَّقْصُ سَاغَ وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ مُتَرَادِفَانِ وَقِيلَ بِالْكَافِ فِي الِابْتِدَاءِ وَبِالْخَاءِ فِي الِانْتِهَاءِ وَقِيلَ بِالْكَافِ لِذَهَابِ جَمِيعِ الضَّوْءِ وَبِالْخَاءِ لِبَعْضِهِ وَقِيلَ بِالْخَاءِ لِذَهَابِ كُلِّ اللَّوْنِ وَبِالْكَافِ لِتَغَيُّرِهِ انْتَهَى
[٥٦٠] قَوْلُهُ (أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ إلخ) أَيْ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ وَفِي لَفْظٍ لَهُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَلَفْظُهُمَا فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انصرف
وحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَصَحُّ وَأَقْوَى
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُهُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بن أبي ثابت عن طاؤس عن بن عباس قال الحافظ في التلخيص قال بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ هَذَا
الْحَدِيثُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بن أبي ثابت عن طاؤس ولم يسمعه حبيب من طاؤس
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ حَبِيبٌ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَمَاعَهُ فِيهِ مِنْ طاؤس وقَدْ خَالَفَهُ سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ فَوَقَفَهُ انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ رُكُوعَيْنِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاشْتَهَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رُكُوعَيْنِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ كَذَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو بن العاص وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي بكرة وسمرة وبن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وبن عُمَرَ وَقَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأبي موسى وعبد الرحم ن بْنِ سَمُرَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ قَالَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى عَلَى النَّاسِ فَقَرَأَ يس وَنَحْوَهَا ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِنْ قَدْرِ سُورَةِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ حَتَّى صَلَّى أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ فَفَعَلَ كَفِعْلِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو وَيُرَغِّبُ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ فَعَلَ انْتَهَى
وَقَالَ مُسْلِمٌ في صحيحه بعد رواية حديث بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ
وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِي آخِرِهِ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَلَفْظُهُ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ
وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ رَكْعَتَيْنِ
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ
وصححه بن عبد البر وأعله بن أَبِي حَاتِمٍ بِالِانْقِطَاعِ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِيهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوَا حَتَّى يَنْكَشِفَ ما بكم ورواه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُمَا فَإِذَا انْكَسَفَ أَحَدُهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلَاتِكُمْ
وَلِلنَّسَائِيِّ مِثْلَ مَا تُصَلُّونَ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْآتِي وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا
وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ
قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ فِيهِ حَبِيبُ بْنُ حَسَّانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ بَلْ أَحَالَ عَلَى حَدِيثِ أَوَّلِ الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ تِلْكَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَالَ ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ فَدَخَلَ دَارَهُ وَجَلَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ قَدْ أَصَابَهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَزَّارُ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَخْرَجَهُ الشيخان
وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا
وَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوهَا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ كَذَا فِي النَّيْلِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حديث عبد الرحم ن بْنِ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهُنَّ وَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي انكساف الشمس اليوم فانتهيت إليه وهو يَدَيْهِ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وفيه فقرأ بسورة من الطول وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ الثانية فقرأ سورة من الطول وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ الرَّازِيُّ
وفيه مقال واختلف فيه قول بن معين وبن المديني انتهى
قوله (حديث بن عباس حديث حسن صحيح) وقد ضعفه بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُمَا (وَقَدْ رُوِيَ عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ (وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ وأما السجود فسجدتان كغيرهما
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ وَحَمَلُوا حديث بن سَمُرَةَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ به انتهى
وقال الحافظ بن تَيْمِيَةَ فِي كِتَابِ التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ فِي بَيَانِ أَنَّ تَصْحِيحَ مُسْلِمٍ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا لَفْظُهُ كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ وَبِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ كَمَا رَوِيَ أَنَّهُ صَلَّى بِرُكُوعَيْنِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا بِرُكُوعَيْنِ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الثَّلَاثُ وَالْأَرْبَعُ فِيهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فِي يَوْمَيْ كُسُوفٍ وَلَا كَانَ إِبْرَاهِيمَانِ وَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُ مَاتَ عَاشِرَ الشَّهْرِ فَقَدْ كَذَبَ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَوْلُهُ (فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يُسِرَّ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا كَنَحْوِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ) وَيَجِيءُ دَلَائِلُ الْفَرِيقَيْنِ (وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَرَوْنَ
الْجَهْرَ فِيهَا) وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي (صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ إلخ) هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالرَّكَعَاتِ الرُّكُوعَاتُ (وَيَرَى أَصْحَابُنَا) أَيْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ (أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فِي جَمَاعَةٍ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيَؤُمَّ لَهُمْ بَعْضُهُمْ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَعَنِ الثَّوْرِيِّ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْإِمَامُ صَلَّوْا فُرَادَى كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قُلْتُ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ صَلَّوْا فُرَادَى وَقَالُوا لَا جَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ فَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ عِنْدَ الْكُسُوفِ يُصَلِّي إِمَامُ الْجُمُعَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَيْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ صَلَّوْا فُرَادَى كَالْخُسُوفِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا
وَفِي لَفْظٍ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ
وكذلك روياه من حديث بن عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَلَاتَهُ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ كَانَتْ بِالْجَمَاعَةِ فَالظَّاهِرُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ أَيْضًا بِالْجَمَاعَةِ
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْضُرِ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيَؤُمَّ لَهُمْ بَعْضُهُمْ
وَأَمَّا تَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّ فِي الْجَمْعِ بِدُونِ حُضُورِ الْإِمَامِ الْمَأْذُونِ لَهُ احْتِمَالُ الْفِتْنَةِ فَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَحَدٍ يَؤُمُّهُمْ وَتَرَاضَوْا بِهِ لَا يَكُونُ احْتِمَالُ الْفِتْنَةِ