قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو داود والنسائي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ) وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ
وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أكثر الصحابة ولم يروه كذلك
إلا بن عَبَّاسٍ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَثَانِيًا بأن حديث بن عَبَّاسٍ فِعْلٌ وَحَدِيثَ عُثْمَانَ ﵁ قَوْلٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَثَالِثًا بِالْمُعَارَضَةِ بِرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ وَكَذَلِكَ بِرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ السَّفِيرُ وَهُمَا أَخْبَرُ وَأَعْرَفُ بِهَا
أَمَّا رِوَايَةُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ كَمَا عَرَفْتُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ
قُلْتُ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طَوِيلٌ وَالرَّاجِحُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَإِنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ ﵁ فِيهِ بيان قانون كلي للأمة
وأما حديث بن عَبَّاسٍ ﵄ فَفِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ مُتَطَرِّفَةٌ هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[٨٤٤] قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَاخْتَلَفُوا فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ ميمونة الخ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ الِاخْتِلَافَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ وَهُوَ حَلَالٌ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَاعْتَمَدُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ يَصِحُّ نِكَاحُهُ لِحَدِيثِ قِصَّةِ مَيْمُونَةَ
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِأَجْوِبَةٍ أَصَحُّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا حَلَالًا هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ولم يروا أنه تزوجها محرما إلا بن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ وَأَبُو رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْقَضِيَّةِ لِتَعَلُّقِهِمْ به بخلاف بن عباس ولأنهم أضبط من بن عباس وأكثر الجواب الثاني تأويل حديث بن عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي الْحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ وَيُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي الْحَرَمِ مُحْرِمٌ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا وَهِيَ لُغَةٌ شَائِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ومنه البيت المشهور قتلوا بن عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا أَيْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ وَالصَّحِيحُ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ
وَالرَّابِعُ جَوَابُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مِمَّا خُصَّ بِهِ دُونَ الْأُمَّةِ وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَرَامٌ فِي حَقِّهِ كَغَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنَ الْخَصَائِصِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
قَوْلُهُ (ثُمَّ بَنَى بِهَا) أَيْ دَخَلَ بِهَا
قَالَ في النهاية الابتناء والبناء الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَنَى عَلَيْهَا قُبَّةً لِيَدْخُلَ بِهَا فِيهَا فَيُقَالُ بَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ (بِسَرِفَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ مَكَّةَ بِعَشْرِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ أَقَلَّ وَقِيلَ أَكْثَرَ (وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ) سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ الْحَافِظُ
[٨٤٥] قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ) كُوفِيٌّ نزل الرقة وهو بن أُخْتِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
(وَدَفَنَّاهَا فِي الظُّلَّةِ) بِضَمِّ الظَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ كُلُّ مَا أَظَلَّ مِنَ الشَّمْسِ (الَّتِي بَنَى بِهَا) أَيْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَيْمُونَةَ (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الظلة
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ