الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ (وَمَشَى) أَيْ عَلَى عَادَتِهِ (ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ) أَيْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (فَقَالَ) أَيْ فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَبِفَتْحِهَا (مُصَلًّى) أَيْ مَوْضِعَ صَلَاةِ الطَّوَافِ (وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْمَعْنَى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ (ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لِلطَّاعَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الْحَجِّ عِنْدَهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا
١ - (بَاب مَا جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر)
أَيْ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
[٨٥٧] قَوْلُهُ (رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا) فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الرَّمَلَ يُشْرَعُ فِي جَمِيعِ الْمَطَافِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ قَدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ
الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلَاءِ أجلد من كذا وكذا
قال بن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ فَمَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جابر هذا
لأن حديث بن عَبَّاسٍ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا الْمُتَأَخِّرِ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
وَقِيلَ فِي وَجْهِ اسْتِمْرَارِ شَرْعِيَّةِ الرَّمَلِ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ تَذَكَّرَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَذَكَّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى إِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ
قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عمر) أخرجه مسلم
قوله (حديث جابر حسن صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا تَرَكَ الرَّمَلَ عَمْدًا فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عليه) قال النووي مذهب بن عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّمَلَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَخَالَفَهُ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَقَالُوا هُوَ سُنَّةٌ فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ مِنَ السَّبْعِ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً وَفَاتَهُ فَضِيلَةٌ وَيَصِحُّ طَوَافُهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ (وَإِذَا لَمْ يَرْمُلْ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَرْمُلْ فِيمَا بَقِيَ) قَالَ الْحَافِظُ لَا يُشْرَعُ تَدَارُكُ الرَّمَلِ فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعِ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا السَّكِينَةُ فَلَا تُغَيَّرُ وَيَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فَلَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ وَيَخْتَصُّ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ وَلَا دَمَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاخْتَلَفَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ رَمَلَ وَلَا مُشْرِكَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا أَنَّ تَارِكَهُ لَيْسَ تَارِكًا لِعَمَلٍ بَلْ لِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَكَانَ كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فَمَنْ لَبَّى خَافِضًا صَوْتَهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلتَّلْبِيَةِ بَلْ لِصِفَتِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى
٣٢ - (باب ما جاء في استلام الحجر والركن الْيَمَانِي)
دُونَ مَا سِوَاهُمَا يَعْنِي دُونَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الْأَوَّلُ لَهُ فَضِيلَتَانِ كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَلِلثَّانِي الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْآخَرَيْنِ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ يُقَبِّلُ الْأَوَّلَ وَيَسْتَلِمُ الثَّانِي فَقَطْ وَلَا يُقَبَّلُ الْآخَرَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَقْبِيلَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي أَيْضًا انْتَهَى [٨٥٨] قَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْأَلِفَ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النَّسَبِ فَلَوْ شُدِّدَتْ لَكَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ وَجَوَّزَ سِيبَوَيْهِ التَّشْدِيدَ وَقَالَ إِنَّ الْأَلِفَ زَائِدَةٌ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا) زَادَ أَحْمَدُ من طريق مجاهد فقال بن عَبَّاسٍ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسوة حسنة) فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ روى بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ اسْتِلَامَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ مِنَ التَّابِعِينَ وَقَدْ يُشْعِرُ مَا فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ مِنْ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا فَذَكَرَ مِنْهَا وَرَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ فِي الِاسْتِلَامِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِصَاصُ الرُّكْنَيْنِ مُبَيَّنٌ بِالسُّنَّةِ وَمُسْتَنَدُ التَّعْمِيمِ الْقِيَاسُ
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا بِأَنَّا لَمْ نَدَعِ اسْتِلَامَهُمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ
وَكَيْفَ يَهْجُرُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِهِ وَلَكِنَّا نَتَّبِعُ السُّنَّةَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرًا لهما لكان ترك استلام مابين الْأَرْكَانِ هَجْرًا لَهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ انْتَهَى
قوله (وفي الباب عن عمر) لم أقف عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَرَوَى الشيخان
عن بن عُمَرَ قَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانيين
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ فَقَطْ مِنْ وَجْهٍ آخر عن بن عَبَّاسٍ
٣ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ)
مُضْطَبِعًا [٨٥٩] قَوْلُهُ (طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا) قَالَ الطِّيبِيُّ الضَّبْعُ وَسَطُ الْعَضُدِ ويطلق على الابط الاضطباع أن يجعل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ الْإِبْطِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِي طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ جِهَتَيْ صَدْرِهِ وَظَهْرِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإِبْدَاءِ الضَّبْعَيْنِ قِيلَ إِنَّمَا فَعَلَهُ إظهارا للتشجيع كالرمل انتهى
قال القارىء الِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ سُنَّتَانِ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ وَالِاضْطِبَاعُ سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ بِخِلَافِ الرَّمَلِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي غَيْرِ الطَّوَافِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الِاضْطِبَاعِ مِنَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ يُكْرَهُ حَالَ الصَّلَاةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِبُرْدٍ أَخْضَرَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَهُوَ مُضْطَبِعٌ بِبُرْدٍ لَهُ حَضْرَمِيٍّ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سِوَى مَالِكٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن ماجه والدارمي أيضا
قوله (وعن بن يعلى) هو صفوان كذا سماه بن عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ