الْكَثِيرِينَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْلِيدُ الْغَنَمِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ خَصَّا التَّقْلِيدَ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي دَلَالَتِهِ عليهما انتهى
وقال بن الْمُنْذِرِ أَنْكَرَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ تَقْلِيدَ الْغَنَمِ وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إِلَّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ إِنَّهَا تَضْعُفُ عَنِ التَّقْلِيدِ وَهُوَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّقْلِيدِ الْعَلَامَةُ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْعَرُ لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْهُ فَتُقَلَّدُ بِمَا لَا يُضْعِفُهَا وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَصْلَ يَقُولُونَ لَيْسَتِ الْغَنَمُ مِنَ الْهَدْيِ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى انْتَهَى
٨ - (بَاب مَا جَاءَ إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ مَا يُصْنَعُ بِهِ)
عَطِبَ كَفَرِحَ هَلَكَ وَالْمُرَادُ قَرُبَ هَلَاكُهَا حَتَّى خِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ
[٩١٠] قَوْلُهُ (عَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ) هو بن جندب بن كعب وقيل بن كَعْبِ بْنِ جُنْدُبٍ صَحَابِيٌّ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ لَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَكَانَ اسْمُهُ ذَكْوَانَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ نَاجِيَةَ حِينَ نَجَا مِنْ قُرَيْشٍ وَاسْمُ أَبِيهِ جُنْدُبٌ وَقِيلَ كَعْبٌ انْتَهَى
قَوْلُهُ (كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ عَطَبُ الْهَدْيِ هَلَاكُهُ وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْ آفَةٍ تَعْتَرِيهِ وَتَمْنَعُهُ عَنِ السَّيْرِ فَيُنْحَرُ انْتَهَى
(ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا) إِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَهُ (ثُمَّ خَلِّ بين الناس وبينها فيأكلوها) وفي حديث ذويب أَبِي قَبِيصَةَ وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْمُرَادِ بِالرُّفْقَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا الَّذِينَ يُخَالِطُونَ الْمُهْدِي فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ دُونَ بَاقِي الْقَافِلَةِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّفْقَةِ جَمِيعُ الْقَافِلَةِ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مُنِعَتْ بِهِ الرُّفْقَةُ هُوَ خَوْفُ تَعْطِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْقَافِلَةِ فَإِنْ قِيلَ إِذَا لَمْ تُجَوِّزُوا لِأَهْلِ الرُّفْقَةِ أَكْلَهُ وَقُلْتُمْ بِتَرْكِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ كَانَ طُعْمَةً لِلسِّبَاعِ وَهَذَا إِضَاعَةُ مَالٍ قُلْنَا لَيْسَ فِيهِ إِضَاعَةٌ بَلِ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَنَّ سُكَّانَ الْبَوَادِي يَتَتَبَّعُونَ مَنَازِلَ الْحَجِيجِ لِالْتِقَاطِ سَاقِطَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ تَأْتِي قَافِلَةٌ إِثْرَ قَافِلَةٍ وَالرُّفْقَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ انْتَهَى
قوله (وفي الباب عن ذويب أبي قبيصة الخزاعي) أخرجه أحمد ومسلم وبن مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهَا مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ قَوْلُهُ (حَدِيثُ نَاجِيَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ
قَوْلُهُ (وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ) أَيْ يَتْرُكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ (يَأْكُلُونَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْهَدْيَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَجُوزُ لغيرهم انتهى
وقال القارىء فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِمُحَمَّدٍ اعْلَمْ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ الْحَرَمَ يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَرَمِ وَفِي غَيْرِهِ التَّصَدُّقُ انْتَهَى (وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ لَا بَدَلَ عَلَيْهِ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالُوا إِنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا غَرِمَ مِقْدَارَ مَا أَكَلَ مِنْهُ) أَيْ تَصَدَّقَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْهُ مِنَ الْغُرْمِ وَهُوَ أَدَاءُ شَيْءٍ لَازِمٍ
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ سَاقَ بُدْنَهُ تَطَوُّعًا ثُمَّ عَطِبَتْ فَنَحَرَهَا فَلْيَجْعَلْ قِلَادَتَهَا وَنَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ يَتْرُكْهَا لِلنَّاسِ يَأْكُلُونَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنْ هُوَ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَمَرَ بِأَكْلِهَا فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ
رَوَاهُ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيِ الْغَرَامَةُ وَهِيَ قِيمَةُ مَا أَكَلَ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَكَلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ شَيْئًا فَقَدْ ضَمِنَ) أَيْ عَلَيْهِ الْبَدَلُ وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ
قَالَ عِيَاضٌ فَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَلَا سَائِقُهُ وَلَا رُفْقَتُهُ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَقَالُوا لَا بَدَلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ بَيَانٍ
وَلَمْ يُبَيِّنْ ﷺ بِخِلَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَالْأَغْنِيَاءُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضْمَنُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ قَالَهُ الزرقاني
٦٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رُكُوبِ الْبَدَنَةِ)
[٩١١] قَوْلُهُ (رَأَى رَجُلًا) قَالَ الْحَافِظُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ (يَسُوقُ بَدَنَةً) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ وَالنُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مُقَلَّدَةً وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أَرَادَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ مُهْدَاةٌ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ عَنْ كَوْنِهَا بَدَنَةً لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ مُفِيدًا لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَوْنُهَا هَدْيًا فَقَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً وَلِهَذَا قَالَ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ وَيْلَكَ (وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَك) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ وَيْحٌ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَقَدْ يُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَقَدْ ترتفع وتضاف ولا تضاف يقال ويح زيد وويحاله وَوَيْحٌ لَهُ انْتَهَى
وَقَالَ الْوَيْلُ الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ دَعَا بِالْوَيْلِ وَمَعْنَى النِّدَاءِ فِيهِ يَا حُزْنِي وَيَا هَلَاكِي وَيَا عَذَابِي احْضُرْ فَهَذَا وَقْتُكَ وَأَوَانُكَ فَكَأَنَّهُ نَادَى الْوَيْلَ أَنْ يَحْضُرَهُ لِمَا عَرَضَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ قَالَ وَقَدْ يَرِدُ الْوَيْلُ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ أَيَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ بِرُكُوبِ هَدْيِهِ
قَالَ لَا تَتْبَعُونَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيّكُمْ ﷺ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ) وَحَكَى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ كَرَاهَةَ رُكُوبِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ
وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ الرُّكُوبِ مَعَ الْحَاجَةِ وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا بِالرُّكُوبِ وَالطَّحَاوِيُّ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ وَقَدْ وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ الشَّافِعِيُّ عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ
كَذَا فِي النَّيْلِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَرْكَبُ مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ
قَالَ فِي النَّيْلِ وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازَ بِالِاضْطِرَارِ وَنَقَلَهُ بن أبي شيبة عن الشعبي وحكى بن الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْكَبُ إِذَا اضْطُرَّ ركوبا غير قادح وحكى بن الْعَرَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَرْكَبَ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا استراح نزل يعني إذا انتهب ضَرُورَتُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ مَا فِي حديث جابر المذكورة مِنْ قَوْلِهِ ﷺ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا
٠ - (بَاب مَا جَاءَ بِأَيِّ جَانِبِ الرَّأْسِ يَبْدَأُ فِي الْحَلْقِ)
[٩١٢] قَوْلُهُ (نَحَرَ نُسُكَهُ) جَمْعُ نَسِيكَةٍ بِمَعْنَى ذَبِيحَةٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ نَسَكَ يَنْسُكُ نُسْكًا إِذَا ذَبَحَ وَالنَّسِيكَةُ الذَّبِيحَةُ (ثُمَّ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ لِأَنَّهُ عَلَى يَمِينِ الْحَالِقِ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَأْتِي فِي قَصِّ الشَّارِبِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (فَأَعْطَاهُ) أَيِ الشَّعْرَ الْمَحْلُوقَ (فَقَالَ اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّبَرُّكِ بِشَعْرِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
تنبيه ذكر صاحب العرف الشذي ها هنا قِصَّةَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَجَّامِ الْمَشْهُورَةَ فَقَالَ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا ذَهَبَ حَاجًّا فَفَرَغَ عَنْ حَجَّتِهِ وَأَرَادَ الْحَلْقَ فَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ قَالَ الْحَالِقُ اسْتَقْبِلْهَا ثُمَّ بَدَأَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْيَسَارِ قَالَ الْحَالِقُ ابْدَأْ بِالْيَمِينِ ثُمَّ بَعْدَ الْحَلْقِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَقُومَ وَمَا دَفَنَ الْأَشْعَارَ قَالَ الْحَالِقُ ادْفِنْهَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ مَسَائِلَ مِنَ الْحَالِقِ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ الْحِكَايَةُ ثُبُوتُهَا لَا يُعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ بلفظه
قلت قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ أَخْرَجَهَا بن الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَكِيعٍ عَنْهُ انْتَهَى
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَإِذَا حَلَقَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ انْتَهَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ أَمَّا الْبُدَاءَةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ فَحَلَقَ الْأَيْسَرَ الْحَدِيثَ
وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَمْ أَرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ صَرِيحًا وَقَدِ اسْتَأْنَسَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِعُمُومِ حديث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلْتَ بِهِ الْقِبْلَةَ
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَمْ أَرَهُ أَيْضًا
وَأَمَّا دَفْنُ الشَّعْرِ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْجَنَائِزِ وَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ أَخَذَهُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنِ الْحَجَّامِ فَفِيهَا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفِنَ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلْنَا آنِفًا