قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وقد روى عن بن عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ) بِضَمِّ اللَّامِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَانٍّ الْحَيَّةُ الدَّقِيقَةُ
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ أَيْ صَوَاحِبِهَا لِمُلَازَمَتِهَا (وَهِيَ) أَيْ جِنَّانُ الْبُيُوتِ (الْعَوَامِرُ) أَيْ لِلْبُيُوتِ حَيْثُ تَسْكُنُهَا وَلَا تُفَارِقُهَا وَاحِدَتُهَا عَامِرَةٌ وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهَا لِطُولِ عُمُرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ عُمَّارُ الْبُيُوتِ وَعَوَامِرُهَا سُكَّانُهَا مِنَ الْجِنِّ
وَأَخْرَجَ هذه الرواية الشيخان في حديث بن عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً أَقْتُلُهَا نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ لَا تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فَقَالَ إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وهن العوامر
قوله (ويروى عن بن عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا) زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذَا هُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَكَانَ زَيْدُ أَسَنَّ مِنْ عُمَرَ وَأَسْلَمَ قَبْلَهُ وَكَانَ طَوِيلًا بَائِنَ الطُّولِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ لَهُ فِي الْكُتُبِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
قُلْتُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ
[١٤٨٤] قَوْلُهُ (إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا) أَيْ سِوَاكِنَ (فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلَاثًا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ ضَيِّقُوا أَيْ قُولُوا لَهَا أَنْتِ فِي حَرَجٍ أَيْ ضِيقٍ إِنْ عُدْتِ إِلَيْنَا فَلَا تَلُومِينَا أَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْكِ بِالتَّتَبُّعِ وَالطَّرْدِ وَالْقَتْلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ
قَالَ القاضي عياض روى بن الْحَبِيبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ أَنْشَدْتُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ أَنْ لَا تُؤْذُونَا وَلَا تَظْهَرُوا لَنَا وَنَحْوِهِ عَنْ مَالِكٍ (فَإِنْ بَدَا) أَيْ ظَهَرَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بعد التحريج (فاقتلوه)
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ
قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ فَلَيْسَ بِجِنِّيٍّ مُسْلِمٍ
بَلْ هُوَ إِمَّا جِنِّيٌّ كَافِرٌ وَإِمَّا حَيَّةٌ وَإِمَّا وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِ إِبْلِيسَ أَوْ سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِتَمَرُّدِهِ وَعَدَمِ ذَهَابِهِ بِالْإِيذَانِ وَكُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّابَّةِ يُسَمَّى شَيْطَانًا
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْإِنْذَارِ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ وَلَا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْجِنِّ بَلْ هُوَ شَيْطَانٌ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إِلَى الْإِضْرَارِ بِكُمْ
قَوْلُهُ (وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ) رَوَاهُ فِي آخِرِ الْمُوَطَّأِ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِقِصَّتِهِ
[١٤٨٥] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) أَنْصَارِيٌّ وُلِدَ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَقُتِلَ بِدُجَيْلٍ وَقِيلَ غَرِقَ بِنَهْرِ الْبَصْرَةِ وَقِيلَ فُقِدَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثمانين في وقعة بن الْأَشْعَثِ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ سَمِعَ أَبَاهُ وَخَلْقًا كثيرا من الصحابة ومنه الشعبي ومجاهد وبن سِيرِينَ وَخَلْقٌ وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي الْكُوفِيِّينَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي حَرْفِ العين
وقال في حرف اللام بن أَبِي لَيْلَى اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى يَسَارٌ الْأَنْصَارِيُّ وُلِدَ إِلَخْ ثُمَّ قَالَ وقد يقال بن أَبِي لَيْلَى أَيْضًا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ إِمَامٌ مَشْهُورٌ فِي الْفِقْهِ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وقول وإذا أطلق المحدثون بن أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ أَبَاهُ وَإِذَا أَطْلَقَ الفقهاء بن أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَوُلِدَ مُحَمَّدٌ هَذَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ (قَالَ قَالَ أَبُو لَيْلَى) الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ
قَوْلُهُ (إِنَّا نَسْأَلُكَ بِعَهْدِ نُوحٍ) وَلَعَلَّ الْعَهْدَ كَانَ حِينَ إِدْخَالِهَا فِي السَّفِينَةِ (أَنْ لَا تُؤْذِيَنَا) هَذِهِ الْيَاءُ يَاءُ الضَّمِيرِ لَا يَاءُ الْكَلِمَةِ فَإِنَّهَا سَقَطَتْ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ فَتَكُونُ سَاكِنَةً سَوَاءٌ قُلْنَا إن أن
مَصْدَرِيَّةٌ وَلَا نَافِيَةٌ وَالتَّقْدِيرُ نَطْلُبُ مِنْك عَدَمَ الْإِيذَاءِ أَوْ مُفَسِّرَةٌ وَلَا نَاهِيَةٌ لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ لَا تُؤْذِينَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى قَتْلِ الْحَيَّاتِ أَجْمَعَ فِي الصَّحَارِيِ وَالْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا نَوْعًا وَجِنْسًا وَلَا مَوْضِعًا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ جَاءَتْ عَامَّةً وَقَالَتْ تُقْتَلُ الْحَيَّاتُ أَجْمَعُ إِلَّا سَوَاكِنَ الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُنَّ لَا يُقْتَلْنَ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ وَزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِنَّ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ جَمِيعِ الْحَيَّاتِ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ تُنْذَرُ سَوَاكِنُ الْبُيُوتِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ بَدَيْنَ بَعْدَ الْإِنْذَارِ قُتِلْنَ
وَمَا وُجِدَ مِنْهُنَّ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ
وَقَالَ مَالِكٌ يُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تُنْذَرُ إِلَّا حَيَّاتُ الْمَدِينَةِ فَقَطْ وَأَمَّا حَيَّاتُ غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ وَالْبُيُوتِ فَتُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُقْتَلُ الْأَبْتَرُ وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارِ سَوَاكِنَ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا
وَلِكُلِّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَجْهٌ قَوِيٌّ وَدَلِيلٌ ظَاهِرٌ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ