تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج5 ص151الْمُجَاهِدِينَ نَصِيبَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مَجْهُولٌ وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالْأَعْرَاضِ وَالْمِلْكُ الْمُسْتَقِرُّ لَا يَسْقُطُ بِالْأَعْرَاضِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لينظر من أخرجه
قوله (وهذا حديث غريب) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدَ بن إبراهيم الباهلي البصري قال أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ وَأَيْضًا فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ لَعَلَّهُ بن أَبِي الْقُمُوسِ وَإِلَّا فَمَجْهُولٌ
٥ - (باب مَا جَاءَ في كراهية وطىء الحبالى من السبايا)
الْحَبَالَى بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ الْحُبْلَى وَالسَّبَايَا جَمْعُ سَبِيَّةٍ
[١٥٦٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (نَهَى أَنْ تُوطَأَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ الْأَمَةَ الْمَسْبِيَّةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ الْأَمَةَ الْمَسْبِيَّةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا حتى تستبرىء بِحَيْضَةٍ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ لِلْبِكْرِ وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ على العدة فإنها تجب مع العلم براءة الرَّحِمِ
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَعْلَمْ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا وَأَمَّا مَنْ عَلِمَتْ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِي حَقِّهَا
وَقَدْ روى عبد الرزاق عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ عَذْرَاءَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إِنْ شَاءَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ مُؤَيِّدَاتٍ لِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَحَيْثُ تُعْلَمُ الْبَرَاءَةُ لَا يَجِبُ وَحَيْثُ لَا يُعْلَمُ وَلَا يظن يجب أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تيمية وبن الْقَيِّمِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمُ الْجَلَالُ وَالْمُقْبِلِيُّ وَالْمَغْرِبِيُّ وَالْأَمِيرُ وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَعْقُولَةٌ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ مَئِنَّةٌ كَالْحَمْلِ وَلَا مَظِنَّةٌ كَالْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ تَعَبُّدِيٌّ وَأَنَّهُ يَجِبُ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ وَكَذَا فِي حَقِّ الْبِكْرِ وَالْآيِسَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ رُوَيْفِعٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا وَفِي لَفْظٍ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحْنَ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ رَوَاهُ أَحْمَدُ قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ عِرْبَاضٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وأخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تستبرىء بِحَيْضَةٍ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ قَوْلُهُ (قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْكُوفِيُّ سَكَنَ الشَّامَ رَوَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ وَخَلْقٌ قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلِيُّ بْنُ يُونُسَ قُلْتُ هَذَا غَلَطٌ وَالصَّوَابُ عِيسَى بن يونس ٦ - (باب ما جاء في فِي طَعَامِ الْمُشْرِكِينَ) [١٥٦٥] قَوْلُهُ (سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ (قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ طَعَامِ النَّصَارَى) وَفِي رِوَايَةٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أَتَحَرَّجُ مِنْهُ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ (لَا يَتَخَلَّجْنَ فِي صَدْرِك طَعَامٌ) وَفِي رِوَايَةٍ شَيْءٌ مَكَانَ طَعَامٍ وَيَتَخَلَّجْنَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ يُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ لَا يَدْخُلَنَّ قَلْبَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ نَظِيفٌ وَبِالْمُعْجَمَةِ لَا يَتَحَرَّكَنَّ الشَّكُّ فِي قَلْبِكَ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَصْلُ الِاخْتِلَاجِ الْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ (ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ) أَيْ شَابَهْتَ لِأَجْلِهِ أَهْلَ الْمِلَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْثُ امْتِنَاعُهُمْ إِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى تَعْلِيلُ النَّهْيِ وَالْمَعْنَى لَا تَتَحَرَّجْ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَإِنَّهُ مِنْ دَأْبِ النَّصَارَى وَتَرْهِيبِهِمْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ الْمُوجِبِ أَيْ لَا يَدْخُلَنَّ فِي قَلْبِكَ ضِيقٌ وَحَرَجٌ لِأَنَّكَ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ فَإِنَّكَ إِذَا شَدَّدْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمِثْلِ هَذَا شَابَهْتَ فِيهِ الرَّهْبَانِيَّةَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ وَعَادَتُهُمْ قَالَ تَعَالَى (وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الْآيَةَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (قال محمود) هو بن غَيْلَانَ (عَنْ مُرِّيٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ المكسورة (قَطَرِيٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مري بلفظ النسب بن قَطَرِيٍّ بِفَتْحَتَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُخَفَّفًا الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ من الثالثة انتهى قلت ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ لَا يُعْرَفُ تَفَرَّدَ عَنْهُ سِمَاكٌ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) قَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ لَفْظَ طَعَامِ الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمُشْرِكِينَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَمَلَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ١٧ - (باب فِي كَرَاهِيَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ السَّبْيِ) [١٥٦٦] قَوْلُهُ (أخبرني حيي) بضم أوله ويائين من تحت الأولى مفتوحة بن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ الْمَعَافِرِيُّ الْمِصْرِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا) أَيْ بِمَا يُزِيلُ الْمِلْكَ (فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَمَةٍ وَوَلَدِهَا بِنَحْوِ بَيْعٍ حَرَامٌ قَبْلَ التَّمْيِيزِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ وَتُعُقِّبَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ ٨ - (باب مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْأُسَارَى وَالْفِدَاءِ) [١٥٦٧] قَوْلُهُ (هَبَطَ عَلَيْهِ) أَيْ نَزَلَ عَلَيْهِ (فَقَالَ) أَيْ جِبْرِيلُ (لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (خيرهم) بصيغة الْأَمْرِ مِنَ التَّخْيِيرِ (يَعْنِي أَصْحَابَكَ) أَيْ يُرِيدُ بِالضَّمِيرِ أَصْحَابَكَ وَهَذَا التَّفْسِيرُ إِمَّا مِنْ عَلِيٍّ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّوَاةِ وَالْمَعْنَى قُلْ لَهُمْ أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ (الْقَتْلَ أو الفداء) بالنصب فِيهِمَا أَيْ فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ أَوِ الْفِدَاءَ وَالْمَعْنَى أنكم مخيرون بين أن تقتلوا أسارى وَلَا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ مِنَ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُمُ الْفِدَاءَ (عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ (قَابِلٌ) كَذَا وَقَعَ فِي بعض النسخ وفي بعضها قابل بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (مِثْلَهُمْ) يَعْنِي بِعَدَدِ مَنْ يُطْلَقُونَ مِنْهُمْ يَكُونُ الظَّفْرُ لِلْكُفَّارِ فِيهَا وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (الْفِدَاءَ) أَيِ اخْتَرْنَا الْفِدَاءَ (وَيُقْتَلَ مِنَّا) بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ عَلَى الْفِدَاءِ أَيْ وَأَنْ يُقْتَلَ مِنَّا في العام المقبل مثلهم قال القارىء وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا أي اختيارنا فداءهم وقتل بعضنا بقتل مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ مَا افْتَدَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ قَالَ تَعَالَى (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أنفسكم) وَإِنَّمَا اخْتَارُوا ذَلِكَ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي إِسْلَامِ أُسَارَى بَدْرٍ وَفِي نَيْلِهِمْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَشَفَقَةً مِنْهُمْ عَلَى الْأُسَارَى بِمَكَانِ قَرَابَتِهِمْ مِنْهُمْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ جِدًّا لِمُخَالَفَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلِمَا صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي أَمْرِ أُسَارَى بَدْرٍ أَنَّ أَخْذَ الْفِدَاءِ كَانَ رَأْيًا رَأَوْهُ فَعُوتِبُوا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ تَخْيِيرٌ بِوَحْيٍ سَمَاوِيٍّ لَمْ تَتَوَجَّهِ الْمُعَاتَبَةُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ الله تعالى (ما كان لنبي أن تكون له أسرى) إِلَى قَوْلِهِ (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وَأَظْهَرَ لَهُمْ شَأْنَ الْعَاقِبَةِ بِقَتْلِ سَبْعِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَعَلَّ عَلِيًّا ذَكَرَ هُبُوطَ جِبْرِيلَ فِي شَأْنِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيَانِهَا فَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ وَمِمَّا جَرَّأَنَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سُفْيَانَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ والسمع قد يخطيء وَالنِّسْيَانُ كَثِيرًا يَطْرَأُ عَلَى الْإِنْسَانِ ثُمَّ إِنَّ الحديث يروى عَنْهُ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ مُرْسَلًا فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْقَوْلَ لِظَاهِرِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْحَدِيثِ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالِامْتِحَانِ وَلِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن) الْآيَتَيْنِ وَامْتَحَنَ النَّاسَ بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنما نحن فتنة) وَامْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ وَجَعَلَ الْمِحْنَةَ فِي الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ بِأَنْ يَقْبَلَ الْعَامِلُ تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَيَكْفُرَ وَيُؤْمِنَ بِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ وَأَنْزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ هَلْ هُمْ يَخْتَارُونَ مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ أَعْدَائِهِ أَمْ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ مِنْ قَبُولِ الْفِدَاءِ فَلَمَّا اخْتَارُوا الثَّانِيَ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) قال القارىء بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ مَا لَفْظُهُ قُلْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْجَوَابَ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ وَمَدْخُولٌ فَإِنَّهُ إِذَا صَحَّ التَّخْيِيرُ لم يجز العتاب والتعبير فَضْلًا عَنِ التَّعْذِيبِ وَالتَّعْزِيرِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ من تَخْيِيرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ الدُّنْيَا لَعُذِّبْنَ فِي الْعُقْبَى وَلَا فِي الْأُولَى وَغَايَتُهُ أَنَّهُنَّ يُحْرَمْنَ مِنْ مُصَاحَبَةِ الْمُصْطَفَى لِفَسَادِ اخْتِيَارِهِنَّ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى وَأَمَّا قَضِيَّةُ الْمَلَكَيْنِ وَقَضِيَّةُ تَعْلِيمِ السِّحْرِ فَنَعَمِ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ وَابْتِلَاءٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَخْيِيرٌ لِأَحَدٍ وَلِهَذَا قال المفسرون في قوله تعالى (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) إِنَّهُ أَمْرُ تَهْدِيدٍ لَا تَخْيِيرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَمْ يُؤْثِرُونَ الْأَعْرَاضَ الْعَاجِلَةَ مِنْ قَبُولِ الْفِدْيَةِ فَلَمَّا اخْتَارُوهُ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) الْآيَةَ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ الْجَسِيمَةِ فَإِنَّهُمْ مَا اخْتَارُوا الْفِدْيَةَ لَا لِلتَّقْوِيَةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَلِلشَّفَقَةِ عَلَى الرَّحِمِ وَلِرَجَاءِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَوْ فِي أَصْلَابِهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنْهُمِ اجْتِهَادًا وَافَقَ رَأْيَهُ ﷺ غَايَتُهُ أَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ وَقَعَ أَصْوَبَ عِنْدَهُ تَعَالَى فَيَكُونُ مِنْ مُوَافَقَاتِ عُمَرَ ﵁ وَيُسَاعِدُنَا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُعَضِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ بن عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمْ لَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ ﷺ مَا تَرَى يَا بن الْخَطَّابِ قُلْتُ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهُ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَانِ يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ يَا رسول الله