قَوْلُهُ (لَا يَلِجُ النَّارَ) أَيْ لَا يَدْخُلُهَا (رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْخَشْيَةِ امْتِثَالُ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَعْصِيَةِ (حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ) هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ في سم الخياط (وَلَا يَجْتَمِعُ) أَيْ عَلَى عَبْدٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ (غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ) فَكَأَنَّهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ كَمَا أَنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ نَقِيضَانِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
(بَاب مَا جَاءَ في مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
[١٦٣٤] قَوْلُهُ (وَاحْذَرْ) أَيْ عَنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ فِيهِ (مَنْ شَابَ شَيْبَةً) أَيْ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ (فِي الْإِسْلَامِ) يَعْنِي أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ (كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ ضِيَاءً وَمُخَلِّصًا عَنْ ظُلُمَاتِ الْمَوْقِفِ وَشَدَائِدِهِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ يَصِيرُ الشَّعْرُ نَفْسُهُ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ صَاحِبُهُ وَالشَّيْبُ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ لَكِنَّهُ إِذَا كَانَ بِسَبَبٍ مِنْ نَحْوِ جِهَادٍ أَوْ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَعْيِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَمَّا حَدِيثُ فَضَالَةَ فَأَخْرَجَهُ
الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ بن لَهِيعَةَ وَبَقِيَّةُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وَلَفْظُهُ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (هَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) أَيْ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ إِلَخْ (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَأَدْخَلَ) أَيْ مَنْصُورٌ بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ (وَيُقَالُ كَعْبَ بْنَ مُرَّةَ وَيُقَالُ مُرَّةَ بْنَ كَعْبٍ الْبَهْزِيَّ إِلَخْ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ وَقِيلَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ الْبَهْزِيُّ السُّلَمِيُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ الْأُرْدُنَّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ وَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ وَقَالَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ وغيرهم قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ لَهُ أَحَادِيثُ مُخَرِّجُهَا عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَرْوُونَهَا عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْهُ وَأَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ بِأَعْيَانِهَا عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عبسة فالله أَعْلَمُ انْتَهَى
[١٦٣٥] قَوْلُهُ (عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ) الْحِمْصِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَوَهِمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنْ عمرو بن عبسة) بعين موحدة مَفْتُوحَتَيْنِ وَإِهْمَالِ سِينٍ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ بَعْدَ أُحُدٍ ثُمَّ نَزَلَ الشَّامَ
قَوْلُهُ (مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ الطِّيبِيُّ مَعْنَاهُ مَنْ مَارَسَ الْمُجَاهَدَةَ حَتَّى يَشِيبَ طَاقَةٌ من شعره فله مالا يُوصَفُ مِنَ الثَّوَابِ دَلَّ عَلَيْهِ تَخْصِيصُ ذِكْرِ النُّورِ وَالتَّنْكِيرِ فِيهِ قَالَ وَمَنْ رَوَى فِي الْإِسْلَامِ بَدَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَرَادَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ أَوْ سُمِّيَ
الْجِهَادُ إِسْلَامًا لِأَنَّهُ عَمُودُهُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَعَمُّ مِنَ الْجِهَادِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَوْلُهُ
(هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُنْذِرِيُّ لَفْظَ غَرِيبٍ
٠ - (باب ما جاء مَنْ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
أَيِ احْتَبَسَهَا وَأَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ
[١٦٣٦] قَوْلُهُ (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) سَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا فِي بَابِ فَضْلِ الْخَيْلِ (الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) قَالَ الْحَافِظُ وَجْهُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ أَنَّ الَّذِي يَقْتَنِي الْخَيْلَ إِمَّا أَنْ يَقْتَنِيَهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلُ طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ أَوْ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ الْأَخِيرُ أَوْ يَتَجَرَّدُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الثَّانِي (هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ) أَيْ ثَوَابٌ (وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ) أَيْ سَاتِرٌ لِفَقْرِهِ وَلِحَالِهِ (وَهِيَ عَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ) أَيْ إِثْمٌ وَثِقَلٌ (لَا يُغَيِّبُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَشِدَّةِ الثَّانِيَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ لَا يُدْخَلُ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا تُغَيِّبُ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْخَيْلِ
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْخَيْلَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ إِذَا كَانَ اتِّخَاذُهَا فِي الطَّاعَةِ أَوْ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ وَإِلَّا فَهِيَ مَذْمُومَةٌ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَفِيهِ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَعُدُّهَا لَهُ فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهَرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ
وَأَمَّا
الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وتجملا وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا وَأَمَّا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَاَلَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشيخان والنسائي وبن مَاجَهْ