فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ جُرْأَةٌ شَنِيعَةٌ عَلَى إِمَامٍ أَجَلِّ مِنْ ذَلِكَ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو داود عن عبد الله الجربي عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ زَبِيبٌ فَيُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ تَمْرٌ فَيُلْقَى فِيهِ زَبِيبٌ
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ زِيَادٍ الْحَسَّانِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَطِيَّةَ قَالَتْ دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقِيسِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَسَأَلْنَا عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَقَالَتْ كُنْتُ آخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ فَأُلْقِيهِ فِي الْإِنَاءِ فَأَمْرُسُهُ ثُمَّ أَسْقِيهِ النَّبِيَّ ﷺ
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ أبي إسحاق وسليمان الشيباني عن بن زِيَادٍ أَنَّهُ أَفْطَرَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فَسَقَاهُ شَرَابًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الشَّرَابُ مَا كِدْتُ أَهْتَدِي إلى منزلي فقال بن عُمَرَ مَا زِدْنَاكَ عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ
فَإِنْ قلت قال بن حَزْمٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَبِي دَاوُدَ امْرَأَةٌ لا تُسَمَّ وَفِي الثَّانِي أَبُو بَحْرٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ عَنْ عَتَّابٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ صَفِيَّةَ وَلَا يُدْرَى مَنْ هِيَ
قُلْتُ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
قُلْتُ فِي سَنَدِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ امْرَأَةٌ مَجْهُولَةٌ وَفِي سَنَدِ حَدِيثِهَا الثَّانِي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَطِيَّةَ وَهِيَ أَيْضًا مَجْهُولَةٌ وَفِيهِ أَبُو بَحْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ بَعْضَهَا يَشُدُّ بَعْضًا فَغَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ فَهِيَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الأحاديث الصحيحة المرفوعة محمول كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَلِذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا عَلَى الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ بِالْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ فَاعْتِرَاضُ الْعَيْنِيِّ عَلَى النَّوَوِيِّ بِقَوْلِهِ هَذِهِ جُرْأَةٌ شَنِيعَةٌ إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بزيادة
[١٨٧٧] قوله (حدثنا جرير) هو بن عبد الحميد (عن سليمان التيمي) هو بن طرخان (عن أبي نضرة) هو العبدي
قَوْلُهُ (نَهَى عَنِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي فِي الِانْتِبَاذِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا
قَوْلُهُ (وفي الباب عن أنس وجابر وقتادة وبن عَبَّاسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّهِ) أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ بِلَفْظِ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِهِ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ فَإِنَّ لَهُ مِنْهُ فَصْلَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ انْتَهَى
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَتْ سَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله تعالى عنها مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ قَالَتْ كَانَ يَنْهَانَا أَنْ نَعْجُمَ النَّوَى طَبْخًا أَوْ نَخْلِطَ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)
[١٨٧٨] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (سَمِعْتُ بن أَبِي لَيْلَى) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
قَوْلُهُ (أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَسْقَى وَالْمَدَائِنُ
اسْمٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ بَلَدٌ عَظِيمٌ عَلَى دِجْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ سَبْعَةُ فَرَاسِخَ وَكَانَ حُذَيْفَةُ ﵁ عَامِلًا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بعد قتل عثمان (فأتاه إنسان) وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ قَالَ الْحَافِظُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ (فَرَمَاهُ بِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ (وَقَالَ إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُهُ فَأَبَى أَنْ يَنْتَهِيَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) كَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ حُذَيْفَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ بن أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا (وَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الدِّيبَاجُ هُوَ الثِّيَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَقَدْ تُفْتَحُ دَالُهُ وَيُجْمَعُ عَلَى دِيبَاجٍ وَدَبَابِيجَ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ لِأَنَّ أَصْلَهُ دَبَّاجٌ انْتَهَى
قِيلَ الدِّيبَاجُ نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الِاسْمِ فَتَخْصِيصُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ (وَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هِيَ لَهُمْ) أَيْ لِلْكُفَّارِ (فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِبَاحَةُ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهَا وَإِنَّمَا الْمَعْنَى هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا مُخَالَفَةً لِزِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ تَسْتَعْمِلُونَهَا مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُمْنَعُ أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهَا قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْبَرَاءِ وَعَائِشَةَ) أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ
وأما حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ إِلَخْ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ
وَفِي الْبَابِ أيضا عن أبي هريرة وبن عُمَرَ ذَكَرَ حَدِيثَيْهِمَا الْمُنْذِرِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً وَلَا يَلْتَحِقُ ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ
التَّزَيُّنِ الَّذِي أُبِيحَ لَهَا فِي شَيْءٍ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَيَلْحَقُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلُ التَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وجود الِاسْتِعْمَالَاتِ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قُلْتُ وَقَدْ أَجَازَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ وَالْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنَ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَالتَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الْأَمِيرُ فِي السُّبُلِ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِحَافِهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِنَاءُ خَالِصًا ذَهَبًا أَوْ مَخْلُوطًا بِالْفِضَّةِ إِذْ هُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ أَنَّهُ إِنَاءُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَالَ وَهَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيمَا ذُكِرَ لَا خِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَفِيهَا الْخِلَافُ مِنْ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ قِيلَ لَا تَحْرُمُ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقِيلَ تَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتُ إِجْمَاعًا وَنَازَعَ فِي الْأَخِيرِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ النَّصُّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا غَيْرُ وَإِلْحَاقُ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ بِهِمَا قِيَاسًا لَا يَتِمُّ فِيهِ شَرَائِطُ الْقِيَاسِ وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا إِذْ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ مُخْتَصَرًا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَمَّا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَلَا وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَإِنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ هِيَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَذَلِكَ مَنَاطٌ مُعْتَبَرٌ لِلشَّارِعِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ لَمَّا رَأَى رَجُلًا مُتَخَتِّمًا بِخَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ مَالِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّحَلِّي بِالْحُلِيِّ وَالِافْتِرَاشِ لِلْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ وَقَدْ جَوَّزَهُ الْبَعْضُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ وَلَا دَلِيلَ في المقام بهذ الصِّفَةِ فَالْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُعْتَضِدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ وَظِيفَةُ الْمُنْصِفِ الَّذِي لَمْ يُخْبَطْ بِسَوْطِ هَيْبَةِ الْجُمْهُورِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَلَفَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ جَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّه فَخَضْخَضَتِ الْحَدِيثَ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ بِاخْتِصَارٍ
قُلْتُ أَثَرُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي اسْتِعْمَالِهَا الْجُلْجُلَ مِنَ الْفِضَّةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شعر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا بِإِنَاءٍ فَخَضْخَضَتْ لَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ فَاضْطَلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ
مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّهُ فِضَّةً
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا يُنْبِئُ عَلَى أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ لَا تُجِيزُ اسْتِعْمَالَ آنِيَّةِ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قال الشوكاني والحق الجواز فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى غَيْرِهَا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ انْتَهَى
قُلْتُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّوْكَانِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اللِّبَاسِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ