تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج6 ص7التَّنَفُّسِ أَوِ التَّثْلِيثِ أَمْرَأُ مِنْ مَرَأَ الطَّعَامُ إِذَا وَافَقَ الْمَعِدَةَ أَيْ أَكْثَرُ انْصِيَاغًا وَأَقْوَى هَضْمًا وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كواراتر (وَأَرْوَى) مِنَ الرِّيِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْ أَكْثَرُ رِيًّا وَأَدْفَعُ لِلْعَطَشِ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ سيراب كننده تر
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ بِزِيَادَةِ أَبْرَأُ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى أَبْرَأُ أَيْ أَبْرَأُ مِنْ أَلَمِ الْعَطَشِ وَقِيلَ أَبْرَأُ أَيْ أَسْلَمَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى يَحْصُلُ بِسَبَبِ الشُّرْبِ فِي نَفْسٍ وَاحِدٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَبْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْبَرَاءَةِ أو من البرء أي يبرىء مِنَ الْأَذَى وَالْعَطَشِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَهْنَأُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَرْوَى مِنَ الْهَنَأِ
قال والمعنى أنه يصير هنيا مريا بريا أَيْ سَالِمًا أَوْ مَبْرِيًّا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَطَشٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ وَأَقْوَى عَلَى الْهَضْمِ وَأَقَلُّ أَثَرًا فِي ضَعْفِ الْأَعْضَاءِ وَبَرْدِ الْمَعِدَةِ وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ مدخلا في العضل الْمَذْكُورِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِلتَّنْزِيهِ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ قَالَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (وَرَوَاهُ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَرَوَى عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ إِلَخْ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
[١٨٨٤] قَوْلُهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ أَيْ فِي أَثْنَاءِ شُرْبِهِ مِنَ الْإِنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ انفا
قَوْلُهُ [١٨٨٥] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الْجَزَرِيِّ) بِفَتْحِ جِيمٍ وَزَايٍ وَبِرَاءٍ مَنْسُوبٌ إِلَى جَزِيرَةٍ وَهِيَ بِلَادٌ بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ كَذَا فِي الْمُغْنِي ضعيف من كبار السابعة (عن بن لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسمه
قَوْلُهُ (لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا) أَيْ شُرْبًا وَاحِدًا (كَشُرْبِ الْبَعِيرِ) أَيْ كَمَا يَشْرَبُ الْبَعِيرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ (وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ) أَيْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً (وَسَمُّوا) أَيْ قُولُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ) أَيْ أَرَدْتُمُ الشُّرْبَ (وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ) أَيِ الْإِنَاءَ عَنِ الْفَمِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَوْ فِي الْآخِرِ قاله القارىء
قلت قاله الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ إِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ
يسمي الله فإذا أخره حمد الله بفعل ذلك ثلاثا
وأصله في بن ماجة وله شاهد من حديث بن مسعودعند البزار والطبراني
وأخرج الترمذي من حديث بن عَبَّاسٍ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَقَطْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ انتهى
٤ - (باب ما ذكر في الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ)
قَوْلُهُ [١٨٨٦] (عَنْ رِشْدِينَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (بْنِ كُرَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ
قَوْلُهُ (كَانَ إِذَا شَرِبَ يَتَنَفَّسُ مَرَّتَيْنِ) فِيهِ ثُبُوتُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الشُّرْبِ فَيَكُونُ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَكَتَ عَنِ التَّنَفُّسِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي
الفتح سنده ضعيف والحديث أخرجه أيضا بن مَاجَهْ (قَالَ) أَيْ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ (وَسَأَلْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ (مَا أَقْرَبَهُمَا) بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ (ورشدين بن كريب أرجحهماعندي) إعلم أن رشدينا وَمُحَمَّدًا هُمَا أَخَوَانِ ابْنَانِ لِكُرَيْبٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الضَّعْفِ فَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ رِشْدِينُ أَرْجَحُ مِنْ مُحَمَّدٍ
وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ وَوَافَقَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَخِيهِ رِشْدِينَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ربما قَالَ الدَّارِمِيُّ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ)
قَوْلُهُ [١٨٨٧] (عَنْ أَيُّوبَ وَهُوَ بن حَبِيبٍ) الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (سَمِعَ أَبَا الْمُثَنَّى الْجُهَنِيَّ) الْمَدَنِيَّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ أَجْلِ مَا يُخَافُ أَنْ يَبْدُرَ مِنْ رِيقِهِ فَيَقَعَ فِيهِ فَرُبَّمَا شَرِبَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ فَيَتَأَذَّى بِهِ (الْقَذَاةَ أَرَاهَا) أَيْ أُبْصِرُهَا وَالْقَذَاةَ مَنْصُوبٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ (فِي الْإِنَاءِ) أَيِ الَّذِي فِيهِ الشراب فلا بدلي أَنْ أَنْفُخَ فِي الشَّرَابِ لِتَذْهَبَ تِلْكَ الْقَذَاةُ (فَقَالَ أَهْرِقْهَا) بِسُكُونِ الْهَاءِ مِنَ الْإِرَاقَةِ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ أَيْ فَأَرِقْ تِلْكَ الْقَذَاةَ عَنِ الشَّرَابِ ولا تنفخ فيه
قال القارىء أَيْ بَعْضَ الْمَاءِ لِتَخْرُجَ تِلْكَ الْقَذَاةُ مِنْهَا وَالْمَاءُ قَدْ يُؤَنَّثُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ فِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بقدرها
وَأَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِقَوْلِهِ مُوَيْهٌ وَمُوَيْهَةٌ (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (فَإِنِّي لَا أَرْوَى) بِفَتْحِ الْوَاوِ (مِنْ نَفَسٍ
وَاحِدٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بِتَنَفُّسٍ وَاحِدٍ أَيْ لَا يَحْصُلُ لِيَ الرِّيُّ مِنَ الْمَاءِ فِي تنفس وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَتَنَفَّسَ فِي الشَّرَابِ (قَالَ فَأَبِنِ الْقَدَحَ) أَيْ أَبْعِدْهُ أَمْرٌ مِنَ الْإِبَانَةِ (عَنْ فِيكَ) أَيْ عَنْ فَمِكَ زَادَ فِي رِوَايَةٍ ثُمَّ تَنَفَّسْ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ بَلْ قَالَ مَا مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتَ لَا تَرْوَى مِنْ وَاحِدٍ فَأَبِنِ الْقَدَحَ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا عَرَفْتَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ
قَوْلُهُ [١٨٨٨] (نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لِخَوْفِ بُرُوزِ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ فَيَقَعُ فِي الْمَاءِ وَقَدْ يَكُونُ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ فَتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِالْمَاءِ لِرِقَّتِهِ وَلَطَافَتِهِ فَيَكُونُ الْأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ أَنْ يَتَنَفَّسَ بَعْدَ إِبَانَةِ الْإِنَاءِ عَنْ فَمِهِ وَأَنْ لَا يَتَنَفَّسَ فِيهِ (أَوْ يُنْفَخَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّفْخَ إِنَّمَا يَكُونُ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ فَإِنْ كَانَ مِنْ حَرَارَةِ الشَّرَابِ فَلْيَصْبِرْ حَتَّى يَبْرُدَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ قَذًى يُبْصِرُهُ فَلْيُمِطْهُ بِأُصْبُعٍ أَوْ بِخِلَالٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى النَّفْخِ فِيهِ بِحَالٍ (فِيهِ) أَيْ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ وَالْإِنَاءُ يَشْمَلُ إِنَاءَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ لِيَذْهَبَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ قَذَاةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو النفخ غالبا من بذاق يُسْتَقْذَرُ مِنْهُ وَكَذَا لَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ لِتَبْرِيدِ الطَّعَامِ الْحَارِّ بَلْ يَصْبِرُ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَمَحِلُّ هَذَا الْحُكْمِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَ غَيْرِهِ وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَنْ يَعْلَمُ أنه لا يتقذر شيئا مما يتناوله فلابأس
قال الحافظ والأولى تعميم المنع لأن لَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ أَوْ يَحْصُلَ التَّقَذُّرُ مِنَ الْإِنَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى
قُلْتُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) وأخرجه أبو داود وبن مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ
(بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ)
قَوْلُهُ [١٨٨٩] إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ هَذَا بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَهُمَا بِاخْتِلَافِ تَقْدِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبِينَهُ عَنْ فِيهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْآخَرُ أَنْ يَشْرَبَ مِنَ الْإِنَاءِ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ يَفْصِلُ فِيهَا فَاهُ عَنِ الْإِنَاءِ يُقَالُ أَكْرَعَ فِي الْإِنَاءِ نَفَسًا أَوْ نَفَسَيْنِ أَيْ جَرْعَةً أَوْ جَرْعَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
٧ - (باب ما جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ)
جَمْعُ السِّقَاءِ وَهُوَ الْقِرْبَةُ
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ خَنَثْتُ السِّقَاءَ إِذَا أَثْنَيْتُ فَمَهُ إِلَى خَارِجٍ وَشَرِبْتُ مِنْهُ
وَقَبَعْتُهُ إِذَا أَثْنَيْتُهُ إِلَى دَاخِلٍ
قَوْلُهُ [١٨٩٠] (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رِوَايَةً) أَيْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ) إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ يُنْتِنُهَا فَإِنَّ إِدَامَةَ الشُّرْبِ هَكَذَا مِمَّا يُغَيِّرُ رِيحَهَا وَقِيلَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا هَامَّةٌ وَقِيلَ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ الْمَاءُ عَلَى الشَّارِبِ لِسَعَةِ فَمِ السِّقَاءِ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِبَاحَتُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا بِالسِّقَاءِ الْكَبِيرِ دُونَ الْإِدَاوَةِ أَوْ ذَا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَالنَّهْيُ عَنِ الِاعْتِيَادِ أَوِ الثَّانِي نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا
قوله (وفي الباب عن جابر وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ)
فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ [١٨٩١] (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ (عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ أَبُو عِيسَى هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ شَبَابٌ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنَّ كَوْنَهُ أَنْصَارِيًّا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ جُهَنِيًّا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ انْتَهَى (فَخَنَثَهَا) أَيْ أَثْنَى فِيهَا إِلَى الْخَارِجِ (ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا) أَيْ مِنْ فَمِهَا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَشَرِبَ مِنْهَا فَقَطَعْتُ فَاهَا فَإِنَّهُ لَعِنْدِي وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الاثار وبن شَاهِينٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ عَنْ [١٨٩٢] (يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الْأَزْدِيِّ الدِّمَشْقِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) الْأَنْصَارِيِّ الْبُخَارِيِّ الْقَاصِّ قَالَ بن سَعْدٍ ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ كَبْشَةُ يُقَالُ كُبَيْشَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةُ أُخْتُ حَسَّانَ يُقَالُ لَهَا الْبَرْصَاءُ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ وَعَنْهَا عبد الرحمن بن أبو عمرة وهي جدة انْتَهَى
قَوْلُهُ (فَشَرِبَ مِنْ قِرْبَةٍ) أَيْ مِنْ فَمِهَا (فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا) أَيْ إِلَى فَمِهَا (فَقَطَعْتُهُ) لَعَلَّهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ لِوُصُولِ فَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فِي الْقِرْبَةِ
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا
قَالَ الْحَافِظُ
قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إلى الشرب إناء متيسر وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُلِ بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ يَعْنِي أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً وَالشُّرْبُ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْقِرْبَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِي أَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا بَلْ على تلك الصورة وجدها وَحَمْلُهَا عَلَى الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ
وَقَدْ سَبَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ ﷺ فِي حَالِ ضَرُورَةٍ إِمَّا عِنْدَ الْحَرْبِ وَإِمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنَاءِ
أَوْ مَعَ وُجُودِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِشُغْلِهِ مِنَ التَّفْرِيغِ مِنَ السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قُلْتُ قَدْ رَدَّ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ عَلَى مَا جَمَعَ بِهِ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا فِيهِ كَلَامٌ ثُمَّ قَالَ فَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِحَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَيَكُونُ شُرْبُهُ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد وبن ماجة
١٩ - (باب ما جاء أن الأيمنين أحق بالشرب)
قَوْلُهُ [١٨٩٣] (قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ) أَيْ مُزِجَ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا كَانُوا يَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَكُونُ عِنْدَ حَلْبِهِ حَارًّا وَتِلْكَ الْبِلَادُ فِي الْغَالِبِ حَارَّةٌ فَكَانُوا يَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ لِذَلِكَ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ شِيبَ أَيْ خُلِطَ وَفِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ وإنما ينهي عن شربه إِذَا أَرَادَ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ غِشٌّ
قَالَ الْعُلَمَاءُ والحكمة في شربه أَنْ يَبْرُدَ أَوْ يَكْثُرَ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ انْتَهَى (ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْأَيْمَنُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْأَيْمَنُ مُقَدَّمٌ أَوْ أَحَقُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى تَقْدِيرِ قَدِّمُوا الْأَيْمَنَ أَوْ أَعْطُوا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ ضُبِطَ الْأَيْمَنُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَهُمَا صَحِيحَانِ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ أُعْطِي الْأَيْمَنَ وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْأَيْمَنُونَ وَهُوَ يُرَجِّحُ الرَّفْعَ انْتَهَى
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ مَنْ عَلَى يَمِينِ الشَّارِبِ فِي الشُّرْبِ هَلُمَّ جرا وهو مستحب عند الجمهور
وقال بن حَزْمٍ يَجِبُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَرَابِ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ بَيَانُ اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَنَ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ يُقَدَّمُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَالْغُلَامَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَفَاضِلِ وَالْكِبَارِ فَهُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي بَاقِي الْأَوْصَافِ وَلِهَذَا يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ وَالْأَقْرَأُ عَلَى الْأَسَنِّ الشَّيِّبِ فِي الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ سُنَّةَ الشُّرْبِ الْعَامَّةَ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَإِنَّ تَقْدِيمَ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِيهِ بَلِ الْمَعْنَى فِي جِهَةِ الْيَمِينِ وَهُوَ فَضْلُهَا عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَرْجِيحًا لِمَنْ هُوَ عَلَى الْيَمِينِ بَلْ هُوَ تَرْجِيحٌ لِجِهَتِهِ
وَقَدْ يُعَارَضُ حَدِيثُ أَنَسٍ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ سَهْلٍ يَعْنِي الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ الْآتِي فِي الْقَسَامَةِ كَبِّرْ كَبِّرْ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ حَدِيثُ بن عُمَرَ فِي الْأَمْرِ بِمُنَاوَلَةِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ وَأَخَصُّ من ذلك حديث بن عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سقي قال ابدأوا بالكبير
وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُونَ فِيهَا مُتَسَاوِينَ إِمَّا بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ كُلُّهُمْ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ حَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِمْ فَتُخَصُّ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ عُمُومِ تَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ أَوْ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هذه الْأَمْرِ بِالْبُدَاءَةِ بِالْكَبِيرِ أَمَّا إِذَا جَلَسَ بَعْضٌ عَنْ يَمِينِ الرَّئِيسِ وَبَعْضٌ عَنْ يَسَارِهِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَدَّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَفْضُولُ عَلَى الْفَاضِلِ
وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَيْمَنَ مَا امْتَازَ لِمُجَرَّدِ الْجُلُوسِ فِي الْجِهَةِ الْيُمْنَى بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا يَمِينَ الرَّئِيسِ فَالْفَضْلُ إِنَّمَا فَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْضَلِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ بن عباس وسهل بن سعد وبن عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) أَمَّا حَدِيثُ بن عباس فأخرجه أحمد والترمذي في الدعوات وبن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي منك احدا
قال فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في يده
وأما حديث بن عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وأبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا)
قَوْلُهُ [١٨٩٤] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو خَالِدٍ الْمَدَنِيُّ
قَوْلُهُ (سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِمَنْ تَوَلَّى سِقَايَةَ قَوْمٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الشُّرْبِ حَتَّى يَفْرُغُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ إِصْلَاحِهِمْ عَلَى مَا يَخُصُّ نَفْسَهُ وَأَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ إِصْلَاحَ حَالِهِمْ وَجَرَّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِمْ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ وَالنَّظَرَ لَهُمْ فِي دِقِّ أُمُورِهِمْ وَجُلِّهَا وَتَقْدِيمَ مَصْلَحَتِهِمْ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَكَذَا مَنْ يُفَرِّقُ عَلَى الْقَوْمِ فَاكِهَةً فَيَبْدَأُ بِسَقْيِ كَبِيرِ الْقَوْمِ أَوْ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخِرِهِمْ وَمَا بَقِيَ شُرْبُهُ
وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ لِأَنَّ ذَاكَ عَامٌّ وَهَذَا خَاصٌّ فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى
الخاص
قوله (وفي الباب عن بن أَبِي أَوْفَى) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) وأخرجه بن مَاجَهْ هَكَذَا مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَفِيهِ فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى يَشْرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ
١ - (بَاب مَا جَاءَ أَيُّ الشَّرَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ)
ﷺ قَوْلُهُ [١٨٩٥] (كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ) بِالرَّفْعِ وَنَصْبُهُ أَحَبُّ (الْحُلْوَ الْبَارِدَ) بِالنَّصْبِ وَرَفْعُهُ أَرْفَعُ
قال القارىء وَمَعْنَى أَحَبُّ أَلَذُّ لِأَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ أَفْضَلُ وَكَذَا اللَّبَنُ عِنْدَهُ أَحَبُّ كَمَا سَيَأْتِي اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَعَمِّ فَيَشْمَلَ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَاللَّبَنَ وَالْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْعَسَلِ أَوِ الْمَنْقُوعِ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عن بن عَبَّاسٍ كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ اللَّبَنُ
وَمَا أخرجه بن السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إليه العسل انتهى كلام القارىء
قُلْتُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَحَبُّ الشَّرَابِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَيْ مِنْ أَحَبِّ الشَّرَابِ أَوْ كَوْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَحَبَّ إِلَيْهِ ﷺ كَانَ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ
قَوْلُهُ [١٨٩٦] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ أَبُو العباس السمسار المعروف بمردويه (ويونس) هو بن يَزِيدَ بْنِ أَبِي النِّجَادِ الْأَيْلِيُّ
قَوْلُهُ (الْحُلْوُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ضِدُّ الْمُرِّ (الْبَارِدُ) لِأَنَّهُ أَطْفَأُ لِلْحَرَارَةِ وَأَبْعَثُ عَلَى الشُّكْرِ وأنفع للبدن
٢٥ - كتاب البر والصلة
(بَاب مَا جَاءَ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْبِرُّ بِالْكَسْرِ الْإِحْسَانُ وَهُوَ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَحَقِّ الْأَقْرَبِينَ مِنَ الْأَهْلِ ضِدُّ الْعُقُوقِ وَهُوَ الْإِسَاءَةُ إِلَيْهِمْ وَالتَّضْيِيعُ لِحَقِّهِمْ يُقَالُ بَرَّ يَبَرُّ فَهُوَ بَارٌّ وَجَمْعُهُ بَرَرَةٌ
قَالَ وَالْبِرُّ وَالْبَارُّ بِمَعْنًى وَجَمْعُ الْبَرِّ أَبْرَارٌ وَهُوَ كَثِيرًا مَا يُخَصُّ بِالْأَوْلِيَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبِرُّ ضِدُّ الْعُقُوقِ بَرَرْتُهُ وَأَبَرُّهُ كَعَلِمْتُهُ وَضَرَبْتُهُ
وَصِلَةُ الرَّحِمِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالْأَصْهَارِ وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ وَقَطْعُ الرَّحِمِ ضِدُّ ذَلِكَ يُقَالُ وَصَلَ رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً
قَوْلُهُ [١٨٩٧] (أَخْبَرَنَا بَهْزٌ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فزاي (بن حكيم) أي بن مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ (حَدَّثَنِي أَبِي) أَيْ حَكِيمٌ (عَنْ جَدِّي) أَيْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ وَهُوَ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ بِخُرَاسَانَ (مَنْ أَبَرُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ مَنْ أُحْسِنُ إِلَيْهِ وَمَنْ أَصِلُهُ (قَالَ أُمَّكَ) بِالنَّصْبِ أَيْ بِرَّ أُمَّكَ وَصِلْهَا أَوَّلًا (قُلْتُ ثُمَّ مَنْ) أَيْ ثُمَّ مَنْ أَبَرُّ (ثُمَّ
الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) أَيْ إِلَى آخِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى بِرِّ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَهَا الْأَبُ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ
قَالُوا وَسَبَبُ تَقْدِيمِ الْأُمِّ كَثْرَةُ تَعَبِهَا عَلَيْهِ وَشَفَقَتِهَا وَخِدْمَتِهَا انْتَهَى
وَفِي التَّنْزِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا فَالتَّثْلِيثُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَصَّةٍ بِالْأُمِّ وَهِيَ تَعَبُ الْحَمْلِ وَمَشَقَّةُ الْوَضْعِ وَمِحْنَةُ الرَّضَاعِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مَرْفُوعًا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلَا عَاقٌّ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ
وَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى (وَعَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْفَضْلِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (قَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) قَالَ الذَّهَبِيُّ في الميزان وثقة بن الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ صَالِحٌ وَقَالَ البخاري يختلفون فيه وقال بن عَدِيٍّ لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الثِّقَاتِ يَخْتَلِفُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةٌ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إِسْنَادُ أَعْرَابِيٍّ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَتَيْتُ بَهْزًا فَوَجَدْتُهُ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَقَالَ الْحَاكِمُ ثِقَةٌ إِنَّمَا أُسْقِطَ مِنَ الصَّحِيحِ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ شَاذَّةٌ لَا مُتَابِعَ لَهُ عَلَيْهَا
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ حجة عندي
٢ - بَاب مِنْهُ قَوْلُهُ [١٨٩٨] (عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ) بْنِ حُرَيْثٍ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ) قَالَ الْحَافِظُ مُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ انْتَهَى
(قَالَ الصَّلَاةُ لِمِيقَاتِهَا) وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ لِوَقْتِهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَلَى وَقْتِهَا وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ والدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ انْتَهَى (قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا) قَالَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ لَا لِتَرَاخِي الزَّمَانِ أَيْ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ أَوْ أَحَدِهِمَا
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنِ اشْكُرْ لِي ولوالديك وكأنه أخذه من تفسير بن عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهُمَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا كَذَا فِي الْفَتْحِ (الْجِهَادُ في سبيل الله) قال بن بَزْبَزَةَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَمْرٌ لَازِمٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ (ثُمَّ سَكَتَ عَنِّي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ يَعْنِي لَوْ سَأَلْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا (لَزَادَنِي) فِي الْجَوَابِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَفِي الْمِرْقَاةِ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ والحاكم وبن خزيمة وبن حبان والبيهقي عن بن مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا قَالَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي خِلَافِيَّاتِهِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا
قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْبَانِيُّ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَرْحِهِ فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَضْلِ
(بَاب مَا جَاءَ مِنْ الْفَضْلِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ)
وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا وَسَخَطُ الرَّبِّ بِفَتْحَتَيْنِ ضِدُّ الرِّضَا فِي سَخَطِ الْوَالِدِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يُطَاعَ الْأَبُ وَيُكْرَمَ فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَغْضَبَهُ فَقَدْ أَغْضَبَ اللَّهَ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ قَوْلُهُ وَهَذَا أَصَحُّ أَيِ الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ من المرفوع وأخرجه بن حِبَّانَ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ وَفِي الْبَابِ عَنْ بن مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثٍ عَنْهُ يُطَابِقُ الْبَابَ نَصًّا وَصَرَاحَةً قَوْلُهُ [١٩٠٠] (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) قَالَ الْقَاضِي أَيْ خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ وَيُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا وَأَحْسَنُهَا دُخُولًا أَوْسَطُهَا وَإِنَّ سَبَبَ دُخُولِ ذَلِكَ الْبَابِ الْأَوْسَطِ هُوَ مُحَافَظَةُ حُقُوقِ الْوَالِدِ انْتَهَى
فَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْسُ أَوْ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَالِدِ هَذَا فَحُكْمُ الْوَالِدَةِ أَقْوَى وَبِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى (فَأَضِعْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِضَاعَةِ (ذَلِكَ الْبَابَ) بِتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ (أَوِ احْفَظْهُ) أَيْ دَاوِمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ
قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه بن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ في مستدركه وصححه وأقره الذهبي
قَوْلُهُ [١٨٩٩] (رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ) وَكَذَا حُكْمُ الْوَالِدَةِ بَلْ هُوَ أَوْلَى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا (وَسَخَطُ الرَّبِّ) بِفَتْحَتَيْنِ ضِدُّ الرِّضَا (فِي سَخَطِ الْوَالِدِ) لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يُطَاعَ الْأَبُ وَيُكْرَمَ فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَغْضَبَهُ فَقَدْ أَغْضَبَ اللَّهَ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ) أَيِ الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ مِنِ الْمَرْفُوعِ وأخرجه بن حِبَّانَ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ بن مَسْعُودٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثٍ عَنْهُ يُطَابِقُ الْبَابَ نَصًّا وصراحة
٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ)
يُقَالُ عَقَّ وَالِدَهُ يَعُقُّهُ عُقُوقًا إِذَا آذَاهُ وَعَصَاهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ
قَوْلُهُ [١٩٠١] (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) الْكَبَائِرُ جَمْعُ الْكَبِيرَةِ وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي خَطِيئَتُهَا فِي نَفْسِهَا كَبِيرَةٌ وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهَا عَظِيمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ وَقِيلَ الْكَبِيرَةُ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ وَقِيلَ مَا عُيِّنَ لَهُ حَدٌّ وَقِيلَ النِّسْبَةُ إِضَافِيَّةٌ فَقَدْ يَكُونُ الذَّنْبُ كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا دُونَهُ صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ
وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْكَبَائِرِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ
وَقَوْلُهُ (أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْحَصْرِ بَلْ مَنْ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَشْيَاءَ أُخَرَ أَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قَتْلِ النَّفْسِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والترمذي والنسائي
وحديث بن مسعود أي الذنب أعظم فذكر فيه الزنى بِحَلِيلَةِ الْجَارِ
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَذَكَرَ مِنْهَا الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ أَحْمَدَ
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ المرء في عرض رجل مسلم أخرجه بن أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَذَكَرَ مِنْهَا مَنْعَ فَضْلِ الْمَاءِ وَمَنْعَ الْفَحْلِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
وحديث بن عمررفعه أكبر الكبائر سوء الظن بالله أخرجه بن مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْمُرَادُ بِهِ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إِلَّا فِي شِرْكٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ما لم يتعنت الوالد وضبطه بن عَطِيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحَاتِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَاسْتِحْبَابُهَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَفُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ وَمِنْهُ تَقْدِيمُهُمَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ كَمَنْ دَعَتْهُ أُمُّهُ لِيُمَرِّضَهَا مَثَلًا بِحَيْثُ يَفُوتُ عَلَيْهِ فِعْلُ وَاجِبٍ إِنِ اسْتَمَرَّ عِنْدَهَا وَيَفُوتُ مَا قَصَدَتْهُ مِنْ تَأْنِيسِهِ لَهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنْ لَوْ تركها
وَفَعَلَهُ وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مَعَ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ كَالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي الْجَمَاعَةِ (قَالَ وَجَلَسَ) أَيْ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ يُفِيدُ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ (وَكَانَ مُتَّكِئًا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ أَسْهَلُ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ وَالتَّهَاوُنُ بِهَا أَكْثَرُ فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ
وَالْعُقُوقُ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَأْتِي أَيْضًا بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي الشَّهَادَاتِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ [١٩٠٢] (مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ سَبَّ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ
وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْكَبَائِرَ مُتَفَاوِتَةٌ وَبَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ (وَهَلْ يَشْتِمُ) بِكَسْرِ عَيْنِهِ وَيُضَمُّ أَيْ يَسُبُّ (الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) أَيْ هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ مِنَ السَّائِلِ لِأَنَّ الطَّبْعَ الْمُسْتَقِيمَ يَأْبَى ذَلِكَ فَبَيَّنَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ السَّبَّ بِنَفْسِهِ فِي الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ لَكِنْ قَدْ يَقَعُ التَّسَبُّبُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ كَثِيرًا (قَالَ نَعَمْ) أَيْ يَقَعُ حَقِيقَةً تَارَةً وَهُوَ نَادِرٌ وَمَجَازٌ أُخْرَى وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنْ مَا تَعْرِفُونَهُ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ) أَيِ الرَّجُلَ (أَبَاهُ) أَيْ أَبَا مَنْ سَبَّهُ (وَيَشْتُمُ) أَيْ تَارَةً أُخْرَى وَقَدْ يَجْمَعُ وَيَشْتُمُ أَيْضًا (أُمَّهُ) أَيْ أُمَّ الرَّجُلِ (فَيَشْتُمُ) أَيِ الرَّجُلَ (أُمَّهُ) أَيْ أُمَّ سَابِّهِ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّتْمِ وَالسَّبِّ تَفَنُّنٌ فَفِي الْقَامُوسِ شَتَمَهُ يَشْتُمُهُ وَيَشْتِمُهُ سَبَّهُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ السَّبُّ أَعَمُّ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلَّعْنِ أَيْضًا بخلاف الشتم
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي إِكْرَامِ صَدِيقِ الْوَالِدِ)
قَوْلُهُ [١٩٠٣] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِمَرْدَوَيْهِ (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ عثمان وقيل بن الوليد مولى عثمان أو بن عُمَرَ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُثْمَانَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ) أَيْ أَفْضَلَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَالِدِهِ وَكَذَا الْوَالِدَةُ أَوْ هِيَ بِالْأَوْلَى (أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) بِضَمِّ الْوَاوِ بِمَعْنَى الْمَوَدَّةِ أَيْ أَصْحَابَ مَوَدَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْوُدُّ هُنَا مَضْمُومُ الْوَاوِ وَفِي هَذَا فَضْلُ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الْأَبِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِإِكْرَامِهِمْ وَهُوَ مُتَضَمَّنٌ لِبِرِّ الْأَبِ وَإِكْرَامِهِ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ وَتَلْتَحِقُ بِهِ أَصْدِقَاءُ الْأُمِّ وَالْأَجْدَادِ والمشائخ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي إِكْرَامِهِ ﷺ خَلَائِلَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) أخرجه أبو داود وبن مَاجَهْ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مسلم وأبو داود
٦ - (باب فِي بِرِّ الْخَالَةِ)
قَوْلُهُ [١٩٠٤] (الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ) فِي الْحَضَانَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْأُمِّ وَأُمَّاتِهَا لِأَنَّهَا تَقْرُبُ مِنْهَا فِي الْحُنُوِّ وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى مَا يُصْلِحُ الْوَلَدَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِقِصَّتِهِ الطَّوِيلَةِ وَلَفْظُهُمَا هَكَذَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ خَرَجَ فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ قَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَخَذْتهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زَيْدٌ بِنْتُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَقَالَ لِعَلِيٍّ أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ وَقَالَ لِجَعْفَرٍ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ لِزَيْدٍ أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا) يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدِي لِأَنَّ عِصْيَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ صَغِيرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ كَانَ عَظِيمًا مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْبِرِّ يَكُونُ مُكَفِّرًا لَهُ وَكَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الرَّجُلِ عَلِمَهُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ) أَيْ أَلَكَ أُمٌّ فَمِنْ زَائِدَةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ قَالَ (فَبِرَّهَا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ بَرِرْتُ فُلَانًا بِالْكَسْرِ أَبَرُّهُ بِالْفَتْحِ أَيْ أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنَاتِ التي يذهبن السيئات
وحديث بن عمر هذا
أخرجه أيضا بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا هَلْ لَكَ وَالِدَانِ بِالتَّثْنِيَةِ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ الْخَالَةُ أُمٌّ
قَوْلُهُ (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ هو بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْمَدَنِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ مِنَ الْخَامِسَةِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي دَعْوَةِ الْوَالِدَيْنِ)
قَوْلُهُ [١٩٠٥] (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ) مُبْتَدَأٌ (مُسْتَجَابَاتٌ) خَبَرٌ (لَا شَكَّ فِيهِنَّ) أَيْ فِي اسْتِجَابَتِهِنَّ (وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ) أَيْ لِضَرَرِهِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَوْلُهُ (وَأَبُو جَعْفَرٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ) فِي التَّقْرِيبِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَدْ وَهِمَ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ)
قَوْلُهُ [١٩٠٦] (لا يجزئ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْيَاءِ فِي آخِرِهِ أَيْ لا يكافىء (وَلَدٌ وَالِدًا) أَيْ إِحْسَانَ وَالِدٍ (إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يَجِدَهُ (فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ اسْتِئْنَافَ الْعِتْقِ فِيهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْأَبَ يَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ إِذَا مَلَكَهُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الشِّرَاءُ سَبَبًا لِعِتْقِهِ أُضِيفَ الْعِتْقُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا جَزَاءً لَهُ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مَا يُنْعِمُ بِهِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِذَا خَلَّصَهُ بِذَلِكَ مِنَ الرِّقِّ وَجَبَرَ بِهِ النَّقْصَ الَّذِي فِيهِ وَتَكْمُلُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ انْتَهَى
قُلْتُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْأَبَ يَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ إِذَا مَلَكَهُ فِي الْحَالِ نَظَرٌ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَبَ لَا يَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الْعِتْقِ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبو داود وبن مَاجَهْ
(بَاب مَا جَاءَ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ)
قوله [١٩٠٧] (عن أبي سلمة) هو بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ
قَوْلُهُ (فَقَالَ) أَيْ أَبُو الدَّرْدَاءِ (خَيْرُهُمْ) مُبْتَدَأٌ (وَأَوْصَلُهُمْ) عَطْفٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ (أَبُو مُحَمَّدٍ) خَبَرٌ وَهُوَ كُنْيَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
وَالْمَعْنَى خَيْرُ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ فِي عِلْمِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (أَنَا اللَّهُ) كَانَ هَذَا تَوْطِئَةً لِلْكَلَامِ حَيْثُ ذَكَرَ الْعَلَمَ الْخَاصَّ ثُمَّ ذَكَرَ الْوَصْفَ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَادَّةِ الرَّحِمِ فَقَالَ (وَأَنَا الرَّحْمَنُ) أَيِ الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (خَلَقْتُ الرَّحِمَ) أَيْ قَدَّرْتُهَا أَوْ صَوَّرْتُهَا مُجَسَّدَةً (وَشَقَقْتُ) أَيْ أَخْرَجْتُ وَأَخَذْتُ اسْمًا (لَهَا) أَيْ لِلرَّحِمِ (مِنِ اسْمِي) أَيِ الرَّحْمَنَ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الِاسْمِيَّةَ وَاجِبَةُ الرِّعَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعَلُّقُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلِذَا قَالَ (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ) أَيْ إِلَى رَحْمَتِي أَوْ مَحِلِّ كَرَامَتِي (وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَّتُهُ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَيْ قَطَعْتُهُ مِنْ رَحْمَتِي الْخَاصَّةِ مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي في الأحكام كما في الفتح (وبن أَبِي أَوْفَى) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْجُهَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا
وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مَرْفُوعًا لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ (وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أخرجه (وأبي هريرة) أخرجه الشَّيْخَانِ (وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْآتِي
قَوْلُهُ (حَدِيثُ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ لَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ
وَرَوَاهُ أبو داود وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَدَّادٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ أَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى هَذَا ثُمَّ حَكَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ خَطَأٌ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الأدب المفرد والحاكم (ع ٤ ن رَدَّادٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا
أَلِفٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَبُو الرَّدَّادِ وَهُوَ أَصْوَبُ
حِجَازِيٌّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ (وَمَعْمَرٍ كَذَا يَقُولُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَدَّادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (قَالَ مُحَمَّدٌ) يَعْنِي الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ (وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ خَطَأٌ) وَقَالَ بن حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَمَا أَحْسَبُ مَعْمَرًا حَفِظَهُ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سلمة عن بن عَوْفٍ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ)
بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْأَقَارِبِ وَهُمْ مَنْ بينه وَبَيْنَ الْآخَرِ نَسَبٌ سَوَاءٌ كَانَ يَرِثُهُ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ أَمْ لَا وَقِيلَ هُمُ الْمَحَارِمُ فَقَطْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَجَّحُ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ أَوْلَادِ الْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِ الْأَخْوَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
يُقَالُ وَصَلَ رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً وَالْهَاءُ فِيهَا عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ فَكَأَنَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ قَدْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ مِنْ عَلَاقَةِ الْقَرَابَةِ والصهر قال بن أَبِي جَمْرَةَ تَكُونُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالْمَالِ وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَةِ وَبِدَفْعِ الضَّرَرِ وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبِالدُّعَاءِ
وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ إِيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْخَيْرِ وَدَفْعُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إِذَا كَانَ أَهْلُ الرَّحِمِ أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتُهُمْ فِي اللَّهِ هِيَ صِلَتُهُمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظِهِمْ ثُمَّ إِعْلَامِهِمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يُسْقِطُ مَعَ ذَلِكَ صِلَتَهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظُهْرِ الْغَيْبِ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى
قَوْلُهُ [١٩٠٨] (وَفِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ) الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَّاطُ
صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (ليس الواصل) أي بالرحم (بالمكافىء) بِكَسْرِ فَاءٍ وَهَمْزٍ أَيِ الْمُجَازِي لِأَقَارِبِهِ إِنْ صِلَةً فَصِلَةٌ وَإِنْ قَطْعًا فَقَطْعٌ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ (وَلَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (الْوَاصِلَ) بِالنَّصْبِ أَيِ الْوَاصِلَ الْكَامِلَ (الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ)
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ (وَصَلَهَا
هَذَا مِنْ بَابِ الْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَكَ
الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁
قَالَ الطِّيبِيُّ التَّعْرِيفُ فِي الْوَاصِلِ لِلْجِنْسِ أَيْ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْوَاصِلِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِوَصْلِهِ مَنْ يكافىء صَاحِبَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ
وَنَظِيرُهُ قَوْلُكَ هُوَ لَيْسَ بِالرَّجُلِ بَلِ الرَّجُلُ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْمَكَارِمُ وَالْفَضَائِلُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سليمان) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ (وَعَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ
قَوْلُهُ [١٩٠٩] لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ أَيْ لِلرَّحِمِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَقَالَ فِيهِ قَاطِعُ رَحِمٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ يُحْمَلُ تَارَةً عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ الْقَطِيعَةَ وَأُخْرَى عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَهَا مَعَ السَّابِقِينَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ
١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي حب الوالد ولده)
قوله [١٩١٠] (سمعت بن أَبِي سُوَيْدٍ) اسْمُهُ مُحَمَّدٌ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ الطَّائِفِيُّ مَجْهُولٌ من الرابعة وليس هو بن سويد راوي قصة غيلان انتهى
قلت بن سُوَيْدٍ الَّذِي رَوَى قِصَّةَ غَيْلَانَ اسْمُهُ أَيْضًا مُحَمَّدٌ
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ قِصَّةَ
غَيْلَانَ فِي بَابِ الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ مِنْ
(أَبْوَابِ النِّكَاحِ)
وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْدٍ الَّذِي رَوَى قِصَّتَهُ ثِقَةٌ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ) بَدَلٌ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ وَهِيَ ابْنَةُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ يُقَالُ لَهَا خُوَيْلَةُ أَيْضًا بِالتَّصْغِيرِ صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ يُقَالُ إِنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ قَبْلُ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (وَهُوَ مُحْتَضَنٌ) مِنَ الِاحْتِضَانِ أَيْ جَاعِلٌ فِي حِضْنِهِ وَالْحِضْنُ مَا دُونَ الْإِبْطِ إِلَى الْكَشْحِ أَوِ الصَّدْرِ وَالْعَضُدَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ (أَحَدَ ابْنَيِ ابْنَتِهِ) فَاطِمَةَ ﵂ وَهُوَ إِمَّا الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ ﵄ (إِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ وَتُجَهِّلُونَ) الصِّيَغُ الثَّلَاثُ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ تَحْمِلُونَ عَلَى الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالْجَهْلِ فَإِنَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ جَبُنَ عَنِ الْقِتَالِ لِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَبَخِلَ لَهُ وَجَهِلَ حِفْظًا لِقَلْبِهِ وَالْجُبْنُ وَالْجَبَانُ ضِدُّ الشُّجَاعَةِ وَالشُّجَاعِ (وَإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الرَّيْحَانُ يُطْلَقُ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالرِّزْقِ وَالرَّاحَةِ بِالرِّزْقِ سُمِّيَ الْوَلَدُ رَيْحَانًا انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَيَجُوزُ إِرَادَةُ الرَّيْحَانِ الْمَشْمُومِ لِأَنَّهُمْ يُشَمُّونَ وَيُقَبَّلُونَ وَهُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ ذَمَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدْحِ أَيْ مَعَ كَوْنِهِمْ مَظِنَّةً أَنْ يَحْمِلُوا الْآبَاءَ عَلَى الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ عَنِ الْغَزْوِ مِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ أَيْ رِزْقِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يُشَمُّ وَيُقَبَّلُ فَكَأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الرَّيَاحِينِ
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الرَّيْحَانُ الرِّزْقُ أَوِ الْمَشْمُومُ
قَالَ الْعَيْنِيُّ لَا وَجْهَ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الرِّزْقِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ أَتُحِبُّهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَكَيْفَ لَا وَهُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا أَشُمُّهُمَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص ٢١١ ج ٥
قَوْلُهُ (وَلَا نَعْرِفُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَمَاعًا مِنْ خَوْلَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي
تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ مُرْسَلًا انْتَهَى فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا عَنْ خَوْلَةَ مُنْقَطِعٌ
٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رَحْمَةِ الْوَلَدِ)
قَوْلُهُ [١٩١١] (أَبْصَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) هُوَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَمِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ (وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ رَأَى الْأَقْرَعُ النَّبِيَّ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ فَقَالَ أَيِ الْأَقْرَعَ (مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا) إِمَّا لِلِاسْتِكْبَارِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَارِ (إِنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ) الْأَوَّلُ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ وَالثَّانِي بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَرِ
وَقَالَ عِيَاضٌ هُوَ لِلْأَكْثَرِ
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ مَنْ مَوْصُولَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً فَيُقْرَأَ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ (وَعَائِشَةَ) أخرجه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ
١٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْبَنَاتِ)
قَوْلُهُ [١٩١٦] (عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرِ) بْنِ سَعْدِ بْنِ النُّعْمَانِ كُنْيَتُهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ لَهُ رُؤْيَةٌ وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ (عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْشَى) هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُكْمِلٍ الْأَعْشَى الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَثَّقَهُ بن حِبَّانَ
قَوْلُهُ (مَنْ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ أَوِ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ
قَوْلُهُ (فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ) أَيْ في أداء حقوقهن
قَوْلُهُ [١٩١٢] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ سَعِيدٌ الْأَعْشَى الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ السَّابِقِ
قَوْلُهُ (فَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ) وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ
فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَكَذَا وقع في بن مَاجَهْ زَادَ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ
وَفِي حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ أَدَبَهُنَّ
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ
وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يُؤَدِّبُهُنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ وَيُزَوِّجُهُنَّ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ يَجْمَعُهَا لَفْظُ الْإِحْسَانِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ) لَهَا حَدِيثَانِ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الباب (وعقبة بن عامر) أخرجه بن مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ (وَأَنَسٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا
الباب (وجابر) أخرجه أحمد والبخار في اللأدب المفرد
والبزار والطبراني في الأوسط
(وبن عباس) أخرجه بن ماجه بإسناد صحيح
وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ شُرَحْبِيلَ عَنْهُ
وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ) اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ اسْتُصْغِرَ بِأُحُدٍ ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ (وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ وُهَيْبٍ) هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ بن سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ كُنْتُ ثَالِثَ الْإِسْلَامِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى السَّهْمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ
وإنما ذكر الترمذي ها هنا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لِأَنَّهُ كَانَ مُشَارِكًا فِي اسْمِ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمِ أَبِيهِ فَذَكَرَ تَرْجَمَتَهُ لِيَتَمَيَّزَ عَنْهُ
قَوْلُهُ (وَقَدْ زَادُوا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أَيِ الْإِسْنَادَ الثَّانِي بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رَجُلًا) هُوَ أَيُّوبُ بْنُ بَشِيرٍ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ أخبرنا سهيل يعني بن أَبِي صَالِحٍ عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْشَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ الْحَدِيثُ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَاهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ وَقَدْ زَادُوا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ
وقال بن عُيَيْنَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْشَى وَلَا يَصِحُّ انْتَهَى
قَوْلُهُ [١٩١٣] (حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بْنِ عُثْمَانَ الرَّوَّاسُ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ بَغْدَادِيٌّ يُكَنَّى أَبَا سَالِمٍ مَتْرُوكٌ وَرَمَاهُ بن حِبَّانَ بِالْوَضْعِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بن عبد العزيز) هو بن أبي رداد
قَوْلُهُ (مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ امْتُحِنَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالِابْتِلَاءِ هَلْ هُوَ نَفْسُ وَجُودِهِنَّ أَوِ ابْتُلِيَ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُنَّ وَكَذَلِكَ هَلْ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْبَنَاتِ أَوِ الْمُرَادُ مَنِ اتَّصَفَ مِنْهُنَّ بِالْحَاجَةِ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِهِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ إِنَّمَا سَمَّاهُ ابْتِلَاءً لِأَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَ الْبَنَاتِ فَجَاءَ الشَّرْعُ بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وَرَغَّبَ فِي إِبْقَائِهِنَّ وَتَرْكِ قَتْلِهِنَّ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ بِهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهِنَّ
وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ هُنَا الِاخْتِبَارَ أَيْ مَنِ اخْتُبِرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ لِيُنْظَرَ مَا يَفْعَلُ أَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ أَوْ يُسِيءُ وَلِهَذَا قَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بالتقوى فإن من لم يتق الله لايأمن أَنْ يَتَضَجَّرَ بِمَنْ وَكَّلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أَوْ يقصر عما أمر بفعله أَوْ لَا يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَتَحْصِيلِ ثَوَابِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ) أَيْ يَكُونُ جَزَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ وِقَايَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَارِ جَهَنَّمَ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَفِيهِ تَأْكِيدُ حَقِّ الْبَنَاتِ لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الضَّعْفِ غَالِبًا عَنِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِنَّ بِخِلَافِ الذُّكُورِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَجَزَالَةِ الرَّأْيِ وَإِمْكَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) فِي سَنَدِهِ الْعَلَاءُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَهُوَ متروك فتحسين الترمذي له لشواهده
قَوْلُهُ [١٩١٥] (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فَإِنْ قُلْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَائِشَةَ جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ تَمْرَةً إِلَى فِيهَا لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قُلْتُ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهَا فِي أَوَّلِ الْحَالِ سِوَى تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَتْهَا ثُمَّ وَجَدَتْ ثِنْتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ انْتَهَى
(فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) أَيِ التَّمْرَةَ وَلَمْ تَسْتَحْقِرْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مثقال ذرة خيرا يره
وَلِقَوْلِهِ ﵇ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ
(وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا) أَيْ مَعَ جُوعِهَا إِذْ يُسْتَبْعَدُ أَنْ تَكُونَ شَبْعَانَةً مَعَ جُوعِ ابْنَتَيْهَا (فَأَخْبَرْتُهُ) أَيْ بِمَا جَرَى (مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ (كُنَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُبْتَلَى (سِتْرًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ حِجَابًا دَافِعًا (مِنَ النار) أي دخولها
واختلف في المراد با حسان هَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ أَوْ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي
وَشَرْطُ الْإِحْسَانِ أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ لَا مَا خَالَفَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهِ إِذَا اسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ اسْتِغْنَاؤُهُنَّ بِزَوْجٍ أَوْ غيره
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والشيخان والنسائي
قَوْلُهُ [١٩١٤] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) هُوَ الطَّنَافِسِيُّ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّاسِبِيُّ) أَبُو رَوْحٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ) بْنِ مَالِكٍ مَجْهُولُ الْحَالِ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى تَبْلُغَا
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى عَالَهُمَا قَامَ عَلَيْهِمَا بِالْمُؤْنَةِ وَالتَّرْبِيَةِ وَنَحْوِهِمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَوْلِ وَهُوَ الْقُرْب مِنْهُ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ (دَخَلْتُ أَنَا وَهُوَ) أَيِ الَّذِي عَالَهُمَا (الْجَنَّةَ) بِالنَّصْبِ (كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ) أَيِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى
وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُ قَوْلِهِ كَهَاتَيْنِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (غَيْرَ حَدِيثٍ) أَيْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثِ (وَالصَّحِيحُ هُوَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد العزيز عن
عبيد بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَخْ
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا كُنْيَتُهُ أَبُو مُعَاذٍ قال في التقريب ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رَحْمَةِ الْيَتِيمِ وَكَفَالَتِهِ)
أَيِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ قِيلَ الْيَتِيمُ مِن