تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج6 ص332الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ سَأَلْتُ رَبِّي أن لا يهلك أمتي بالسنة فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنعنيها
وأما حديث بن عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
[٢١٧٦] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ) الرَّحَبِيِّ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ مَرْثَدٍ الدِّمَشْقِيُّ وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ ثَوْبَانَ) الْهَاشِمِيِّ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ صَحِبَهُ وَلَازَمَهُ وَنَزَلَ بَعْدَهُ الشَّامَ وَمَاتَ بِحِمْصٍ
قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ أَيْ جَمَعَهَا لِأَجْلِي
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ زَوَيْتُ الشَّيْءَ جَمَعْتُهُ وَقَبَضْتُهُ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيبَ الْبَعِيدِ مِنْهَا حَتَّى اطَّلَعَ عَلَيْهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْهَا (فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا) أَيْ جَمِيعَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زَوَى لِي مِنْهَا قال الخطابي توهم بعض الناس أَنَّ مِنْ فِي مِنْهَا لِلتَّبْعِيضِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالتَّفْصِيلُ لَا يُنَاقِضُ الْجُمْلَةَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لِي جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا ومغاربها ثم هي تفتح لأمتي جزأ فجزأ حَتَّى يَصِلَ مُلْكُ أُمَّتِي إِلَى كُلِّ أَجْزَائِهَا قال القارىء وَلَعَلَّ وَجْهَ مَنْ قَالَ بِالتَّبْعِيضِ هُوَ أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَلَغَ جَمِيعَ الْأَرْضِ فَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ ضَمِيرَ مِنْهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ (وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ) بَدَلَانِ مِمَّا قَبْلَهُمَا أَيْ كَنْزَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ يُرِيدُ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ خَزَائِنَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى نقود ممالك كسرى الدنانير والغالب على نقود مَمَالِكِ قَيْصَرَ الدَّرَاهِمُ (بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ بِقَحْطٍ شائع لجميع بلا المسلمين
قال الطيبي السنة القحط والجدب وهي مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا) وَهُمُ الْكُفَّارُ
وَقَوْلُهُ مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ صِفَةٌ عَدُوًّا أَيْ كَائِنًا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحُ أَيِ الْعَدُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ أَيْ يَسْتَأْصِلُ (بَيْضَتَهُمْ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ أَيْ مُجْتَمَعَهُمْ وَمَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ وَبَيْضَةُ الدَّارِ وَسَطُهَا
وَمُعْظَمُهَا أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ قِيلَ أَرَادَ إِذَا أُهْلِكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ كَانَ هَلَاكُ كُلِّ مَا فِيهَا مِنْ طَعْمٍ أَوْ فَرْخٍ
وَإِذَا لَمْ يُهْلِكْ أَصْلَ الْبَيْضَةِ بِمَا سَلِمَ بَعْضُ فِرَاخِهَا
وَقِيلَ أَرَادَ بِالْبَيْضَةِ الْخُوذَةَ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ مَكَانَ اجْتِمَاعِهِمْ وَالْتِآمِهِمْ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ انْتَهَى مَا فِي النِّهَايَةِ
(إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً) أَيْ حَكَمْتُ حُكْمًا مُبْرَمًا (فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ) أَيْ بِشَيْءٍ لِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطِ وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ (وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ) أَيْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي (لِأُمَّتِكَ) أَيْ لِأَجْلِ أُمَّةِ إِجَابَتِكَ (أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ بِحَيْثُ يَعُمُّهُمُ الْقَحْطُ وَيُهْلِكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ اللَّامُ فِي لِأُمَّتِكَ هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ سَابِقًا سَأَلْتُ رَبِّي لأمتي أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمنك وَالْكَافُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ
وَقَوْلُهُ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ الْمَفْعُولُ الثَّانِي كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي (وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ) أَيِ الَّذِينَ هُمْ (بِأَقْطَارِهَا) أَيْ بِأَطْرَافِهَا جَمْعُ قُطْرٍ وَهُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ
وَالْمَعْنَى فَلَا يَسْتَبِيحُ عَدُوٌّ مِنَ الْكُفَّارِ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ مِنْ أَطْرَافِ بَيْضَتِهِمْ
وَجَوَابُ لَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ (أَوْ قَالَ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا) أَوِ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي (وَيَسْبِي) كَيَرْمِي بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يُهْلِكُ أَيْ وَيَأْسِرُ (بَعْضَهُمْ) بِوَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ (بَعْضًا) أَيْ بَعْضًا آخَرَ
قَالَ الطِّيبِيُّ حَتَّى بِمَعْنَى كَيْ أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَّتِكَ يُهْلِكُ بَعْضًا فَقَوْلُهُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ تَوْطِئَةً لِهَذَا الْمَعْنَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ يَعْنِي حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الباب قال المظهر اعلم أن الله تَعَالَى فِي خَلْقِهِ قَضَاءَيْنِ مُبْرَمًا وَمُعَلَّقًا بِفِعْلٍ كَمَا قَالَ إِنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ يمحو الله ما يشاء ويثبت وَأَمَّا الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَدَّرَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِفِعْلٍ فَهُوَ فِي الْوُقُوعِ نَافِذٌ غَايَةَ النَّفَاذِ بحيث لا يتغير بحال وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُقْضَى عَلَيْهِ وَلَا الْمَقْضِيِّ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَخِلَافُ مَعْلُومِهِ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ قال تعالى لا معقب لحكمه وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ
فَقَوْلُهُ ﷺ إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَجَابُو الدَّعْوَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ