تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج6 ص496وإن من شيء إلا يسبح بحمده (عَلَى الْفُرُشِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ فِرَاشٍ (لَخَرَجْتُمْ) أَيْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ (إِلَى الصُّعُدَاتِ) بِضَمَّتَيْنِ أَيِ الطُّرُقِ وَهِيَ جَمْعُ صُعُدٍ وَصُعُدٌ جَمْعُ صَعِيدٍ كَطَرِيقٍ وَطُرُقٍ وَطُرُقَاتٍ وَقِيلَ هِيَ جَمْعُ صُعْدَةٍ كَظُلْمَةٍ وَهِيَ فِنَاءُ بَابِ الدَّارِ وَمَمَرُّ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالصُّعُدَاتِ هُنَا الْبَرَارِيُّ وَالصَّحَارِي (تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ) أَيْ تَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِيَدْفَعَ عَنْكُمُ الْبَلَاءَ (لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُقْطَعُ وَتُسْتَأْصَلُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ كَمَا سَتَعْرِفُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وبن عباس وأنس) أما حديث عائشة وحديث بن عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَفِي الرِّقَاقِ وَفِي الِاعْتِصَامِ وَمُسْلِمٌ فِي فَضَائِلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتِّرْمِذِيُّ في التفسير والنسائي في الرقائق وبن مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لَوَدِدْتُ إِلَخْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَفِيهِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ قَالَ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ
[٢٣١٣] قَوْلُهُ (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أَيْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ لِلْعُصَاةِ وَشِدَّةِ الْمُنَاقَشَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ لَضَحِكْتُمْ جَوَابُ لَوْ (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) أَيْ بُكَاءً كَثِيرًا أَوْ زَمَانًا كَثِيرًا أَيْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَرْجِيحًا لِلْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ يَعْصِيهِ وَالْأَهْوَالُ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ النِّزَاعِ وَالْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمُنَاسَبَةُ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ وَقِلَّةِ الضَّحِكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاضِحَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّخْوِيفُ وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا الْحَدِيثِ سبب أَخْرَجَهُ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ وَاهٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عن بن عُمَرَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَعَنْ حَسَنٍ الْبَصْرِيِّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ مَوْرِدُهُ وَالْقِيَامَةَ مَوْعِدُهُ وَالْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَشْهَدُهُ فَحَقُّهُ أَنْ يَطُولَ فِي الدُّنْيَا حُزْنُهُ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بِهَا النَّاسَ) [٢٣١٤] قَوْلُهُ (إِنَّ الرَّجُلَ) يَعْنِي الْإِنْسَانَ (بِالْكَلِمَةِ) أَيِ الْوَاحِدَةِ (لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا) أَيْ سُوءًا يَعْنِي لَا يَظُنُّ أَنَّهَا ذَنْبٌ يُؤَاخَذُ بِهِ (يَهْوِي بِهَا) أَيْ يَسْقُطُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ يُقَالُ هَوَى يَهْوِي كَرَمَى يَرْمِي هَوِيًّا بِالْفَتْحِ سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ كَذَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ (سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ) لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَوْزَارِ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَكُونُ دَائِمًا فِي صُعُودٍ وَهَوِيٍّ فَالسَّبْعِينَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ [٢٣١٥] قَوْلُهُ (وَيْلٌ) أَيْ هَلَاكٌ عَظِيمٌ أَوْ وَادٍ عَمِيقٌ (لِيُضْحِكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْإِضْحَاكِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ تَحْدِيثِهِ أَوِ الْكَذِبِ (الْقَوْمَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَرَفْعُ الْقَوْمِ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ صِدْقٍ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا صَدَرَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مِزَاحِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُؤْذِي قلبا وَلَا يُفْرِطُ فِيهِ فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا وَعَلَى النُّدُورِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ وَلَكِنْ مِنَ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ الْمِزَاحَ حِرْفَةً وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ وَيُفْرِطَ فِيهِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَدًا لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ وَيَتَمَسَّكُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ) كَرَّرَهُ إِيذَانًا بِشِدَّةِ هَلَكَتِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَحْدَهُ رَأْسُ كُلِّ مَذْمُومٍ وَجِمَاعُ كُلِّ شَرٍّ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ النَّجَّارُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والحاكم والدارمي