٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا)
[٢٣٤٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ) الصُّورِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ الْقَلَانِسِيُّ الْقُرَشِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ) الدِّمَشْقِيُّ أَبُو حَفْصٍ مَوْلَى قُرَيْشٍ مَتْرُوكٌ مِنَ السَّادِسَةِ (أَخْبَرَنَا يونس بن حلبس) هو بن مَيْسَرَةَ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَزْنُ جَعْفَرٍ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ ثِقَةٌ عَابِدٌ مُعَمَّرٌ مِنَ الثَّالِثَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ ترك الرغبة فيها (ليست بتحريم الحلال) كما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَمَالِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْحَلْوَاءِ وَالْفَوَاكِهِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَمِنَ التَّزَوُّجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المعتدين وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَلَا أَكْمَلُ مِنْ حَالَةِ الْكَمَالِ (وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ) أَيْ بِتَضْيِيعِهِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِأَنْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ يُعْطِيَهُ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ (وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ) أَيِ الْمُعْتَبَرَةَ الْكَامِلَةَ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ فِي شَأْنِهَا (أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ) مِنَ الْأَمْوَالِ أَوْ مِنَ الصَّنَائِعِ وَالْأَعْمَالِ (أَوْثَقَ) أَيْ أَرْجَى مِنْكَ (مما في يد الله) وفي وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ
وَالْمَعْنَى لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ بِوَعْدِ اللَّهِ لَكَ مِنْ إِيصَالِ الرِّزْقِ إِلَيْكَ وَمِنْ إِنْعَامِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ وَمِنْ وَجْهٍ لَا تَكْتَسِبُ أَقْوَى وَأَشَدَّ مِمَّا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْجَاهِ وَالْكَمَالِ وَالْعَقَارِ وَأَنْوَاعِ الصَّنَائِعِ فَإِنَّ مَا فِي يَدَيْكَ يُمْكِنُ تَلَفُهُ وَفَنَاؤُهُ بِخِلَافِ مَا فِي خَزَائِنِهِ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بَقَاؤُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى مَا عِنْدَكُمْ
ينفد وما عند الله باق (وَأَنْ تَكُونَ) عَطْفٌ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ (إذ أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَرْغَبَ فِيهَا) أَيْ فِي حُصُولِ الْمُصِيبَةِ (لَوْ أَنَّهَا) أَيْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ تِلْكَ الْمُصِيبَةَ (أُبْقِيَتْ لَكَ) أَيْ مُنِعَتْ لِأَجْلِكَ وَأُخِّرَتْ عَنْكَ فَوَضَعَ أُبْقِيَتْ مَوْضِعَ لَمْ تُصِبْ وَجَوَابُ لَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا
وَخُلَاصَتُهُ أَنْ تَكُونَ رَغْبَتُكَ فِي وُجُودِ الْمُصِيبَةِ لِأَجْلِ ثَوَابِهَا أَكْثَرَ مِنْ رَغْبَتِكَ فِي عَدَمِهَا فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَى زُهْدِكَ فِي الدُّنْيَا وَمَيْلِكَ فِي الْعُقْبَى قاله القارىء
وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ حَالٌ من فاعل أرغب وجواب لو محذوف وإذا ظَرْفٌ
وَالْمَعْنَى أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَقْتَ إِصَابَتِهَا أَرْغَبَ مِنْ نَفْسِكَ فِي الْمُصِيبَةِ حَالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُصَابٍ بِهَا لِأَنَّكَ تُثَابُ بها إِلَيْكَ وَيَفُوتُكَ الثَّوَابُ إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ
قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه بن ماجه
[٢٣٤١] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ) التَّمِيمِيُّ وَقِيلَ الهلالي البصري المؤذن صدوق يخطىء مِنَ السَّابِعَةِ (سَمِعْتُ الْحَسَنَ) هُوَ الْبَصْرِيُّ ﵀ (حَدَّثَنِي حُمْرَانُ) بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَبِرَاءٍ مهملة (بن أَبَانَ) مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ اشْتَرَاهُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ
قَوْلُهُ (لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ) أَيْ حَاجَةٌ (فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ مَوْصُوفُ سِوَى مَحْذُوفٌ أَيْ فِي شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ إِلَخْ وَالْمُرَادُ بِهَا ضَرُورِيَّاتُ بَدَنِهِ المعين
عَلَى دِينِهِ (بَيْتٍ) بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخِصَالِ الْمُبَيَّنَةِ (يَسْكُنُهُ) أَيْ مَحَلٍّ يَأْوِي إِلَيْهِ دَفْعًا لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ (وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ) أَيْ يَسْتُرُهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ (وَجِلْفِ الْخُبْزِ) بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَيُفْتَحُ
فَفِي النِّهَايَةِ الْجِلْفُ الْخُبْزُ وَحْدَهُ لَا أُدْمَ مَعَهُ
وَقِيلَ الْخُبْزُ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ وَيُرْوَى بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ جَلْفَةٍ وَهِيَ الْكِسْرَةُ مِنَ الْخُبْزِ وقال الهروي الجلف ها هنا الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ يُرِيدُ مَا يُتْرَكُ فِيهِ الْخُبْزُ انْتَهَى
وَفِي الْغَرِيبَيْنِ قَالَ شِمْرٌ عن بن الْأَعْرَابِيِّ الْجِلْفُ الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ
قَالَ الْقَاضِي ﵀ ذَكَرَ الظَّرْفَ وَأَرَادَ بِهِ الْمَظْرُوفَ أَيْ كِسْرَةُ خُبْزٍ وَشَرْبَةُ مَاءٍ انْتَهَى
وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الْقَنَاعَةِ وَنِهَايَةُ الْكِفَايَةِ وَالْمَاءِ قَالَ القارىء ﵀ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجِلْفِ أَوِ الْخُبْزِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشُّرَّاحِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالرَّفْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِحْدَى الْخِصَالِ قِيلَ أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَسُؤَالٍ عَنْهُ وَإِذَا اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْهَا
وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ الْحُظُوظِ يُسْأَلْ عَنْهُ وَيُطَالَبُ بِشُكْرِهِ
وَقَالَ الْقَاضِي ﵀ أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ وَتَوَقُّفِ تَعَيُّشِهِ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْحَقِيقِيُّ مِنَ الْمَالِ
وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَبِعَةُ حِسَابٍ إِذَا كَانَ مُكْتَسَبًا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ