وَقَالَ الْمُظْهِرُ أَرَادَ بَعْضَ مَالِهِ وَهُوَ مَمَالِيكُهُ
وقال الطيبي أتباع الأهل الْحَقِيقَةِ وَاتِّبَاعُ الْمَالِ عَلَى الِاتِّسَاعِ فَإِنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِالْمَيِّتِ مِنَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَمُؤْنَةِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ فَإِذَا دُفِنَ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَعَمَلُهُ) أَيْ مِنَ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ (وَيَبْقَى عَمَلُهُ)
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مَعْنَى بَقَاءِ عَمَلِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرَ
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ وَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرُّكَ
فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ
وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ بِاَلَّذِي يَسُوءُكَ وَفِيهِ عَمَلُكَ الْخَبِيثُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الْأَكْلِ)
[٢٣٨٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ) اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيُّ الشامي القاضي بحمص ثقة عابد من السابعة (وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ) الطَّائِيُّ أَبُو مُوسَى الْحِمْصِيُّ وَيُقَالُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي مُوسَى ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ) أَبِي عَمْرٍو الْحِمْصِيِّ الْقَاضِي ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ وَأَرْسَلَ كَثِيرًا (عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ) بْنِ عَمْرٍو الْكِنْدِيِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ نَزَلَ الشَّامَ
قَوْلُهُ (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً) أَيْ ظَرْفًا (شَرًّا مِنْ بَطْنٍ) صِفَةُ وِعَاءٍ جَعَلَ الْبَطْنَ أَوَّلًا وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا لِحَوَائِجِ الْبَيْتِ تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهَا
اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا هِيَ لَهُ وَالْبَطْنُ خُلِقَ لِأَنْ يَتَقَوَّمَ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ شَرًّا مِنْهَا (بحسب بن آدَمَ) مُبْتَدَأٌ أَوِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ وَقَوْلُهُ (أُكُلَاتٌ) بِضَمَّتَيْنِ خَبَرُهُ نَحْوُ قَوْلِهِ بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ أَيْ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَإِمْسَاكِ الْقُوَّةِ (يُقِمْنَ) مِنَ الْإِقَامَةِ (صُلْبَهُ) أَيْ ظَهْرَهُ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ كِنَايَةً عَنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ السُّقُوطِ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ (فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ أَيْ إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّجَاوُزِ عَمَّا ذَكَرَ فَلْتَكُنْ أَثْلَاثًا (فَثُلُثٌ) أَيْ فَثُلُثٌ يَجْعَلُهُ (لِطَعَامِهِ) أَيْ مَأْكُولِهِ (وَثُلُثٌ) يَجْعَلُهُ (لِشَرَابِهِ) أَيْ مَشْرُوبِهِ (وَثُلُثٌ) يَدَعُهُ (لِنَفَسِهِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ يُبْقِي مِنْ مِلْئِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّنَفُّسِ وَيَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ وَهَذَا غَايَةُ مَا اخْتِيرَ لِلْأَكْلِ وَيَحْرُمُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ عَمَّا يُقَامُ بِهِ صُلْبُهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ الْبَتَّةَ التَّجَاوُزَ فَلَا يَتَجَاوَزُ عَنِ الْقَسْمِ الْمَذْكُورِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ)
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الرِّيَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا وَالسُّمْعَةُ بضم المهملة وسكون الميم مشقة مِنْ سَمِعَ وَالْمُرَادُ بِهَا نَحْوُ مَا فِي الرِّيَاءِ لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ
وَالرِّيَاءُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ انْتَهَى
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ الرِّيَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالسُّمْعَةُ مِنَ السَّمَاعِ وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ أَصْلُهُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بإرائهم الخصال المحمودة
فحد الرياء هو إراؤة الْعِبَادَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُرَائِي هُوَ الْعَابِدُ وَالْمُرَاءَى لَهُ هُوَ النَّاسُ وَالْمُرَاءَى بِهِ هُوَ الخصال الحميدة
والرياء هوقصد إِظْهَارِ ذَلِكَ
(مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ) [٢٣٨١] بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَالْمَعْنَى مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لِيَرَاهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنْ يُظْهِرَ رِيَاءَهُ عَلَى الْخَلْقِ (وَمَنْ يُسَمِّعْ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِلسُّمْعَةِ بِأَنْ نَوَّهَ بِعَمَلِهِ وَشَهَرَهُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ وَيَمْتَدِحُوهُ (يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْضًا أَيْ شَهَرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ وَفَضَحَهُ على رؤوس الْأَشْهَادِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصٍ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشْهِرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ
وَقِيلَ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ النَّاسِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يجعله حديثا عند الناس الذين أراد ونيل الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ
وَمَعْنَى يُرَائِي بِهِ يُطْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها) إِلَى قَوْلِهِ (مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ) وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُو مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ
وَقِيلَ الْمَعْنَى مَنْ سَمِعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ العمل الصالح لكن قد يستحب إظهار مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ رَحْمَةِ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جُنْدُبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ
بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ مَسَامِعَ خَلْقِهِ وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحٌ وَالْبَيْهَقِيُّ انْتَهَى