تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج7 ص166[٢٤٩٥] قَوْلُهُ (يَا عِبَادِي) قَالَ الطِّيبِيُّ الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ مُدْرَجًا فِي الْجِنِّ لِشُمُولِ الِاجْتِنَانِ لَهُمْ وَتَوَجُّهُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صُدُورِ الْفُجُورِ وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ) قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الضَّلَالَةِ
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا بِمَا فِي طِبَاعِهِمْ لَضَلُّوا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ
وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﵊ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّوْحِيدُ وَالْمُرَادُ بِالضَّلَالَةِ جَهَالَةُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا (وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ) قِيلَ أَيْ كُلُّكُمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّنْبُ (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ) أَيْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَيْ عَصَمْتُ وَحَفِظْتُ وَإِنَّمَا قَالَ عَافَيْتُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ مَرَضٌ ذَاتِيٌّ وَصِحَّتُهُ عِصْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُهُ مِنْهُ أَوْ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ بِالْفِعْلِ
وَذَنْبُ كُلٍّ بِحَسَبِ مَقَامِهِ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ لَا أَكْتَرِثُ (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ) يُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ وَالشُّمُولُ (وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ) تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِهِ (وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ) أَيْ شَبَابَكُمْ وَشُيُوخَكُمْ أَوْ عَالِمَكُمْ وَجَاهِلَكُمْ أَوْ مُطِيعَكُمْ وَعَاصِيَكُمْ
قَالَ الطِّيبِيُّ هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الِاسْتِيعَابِ التَّامِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا في كتاب مبين وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيعَابُ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلشُّمُولِ بَعْدَ تَأْكِيدِ الِاسْتِيعَابِ وَتَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ انْتَهَى (اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي) وَهُوَ نَبِيُّنَا ﷺ (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيِ الِاجْتِمَاعُ (اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قلب عبد
مِنْ عِبَادِي) وَهُوَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ (اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أَيْ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ (مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ مُشْتَهَاهُ وَجَمْعُهَا الْمُنَى وَالْأَمَانِيُّ يَعْنِي كل حاجة تخطر بباله (مانقص ذَلِكَ) أَيِ الْإِعْطَاءُ أَوْ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (فَغَمَسَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَدْخَلَ (إِبْرَةً) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمِخْيَطُ (ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ نقص ذلك عن مُلْكِي (بِأَنِّي جَوَادٌ) أَيْ كَثِيرُ الْجُودِ (وَاجِدٌ) هُوَ الَّذِي يَجِدُ مَا يَطْلُبُهُ وَيُرِيدُهُ وَهُوَ الْوَاجِدُ الْمُطْلَقُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ (مَاجِدٌ) هُوَ بِمَعْنَى الْمَجِيدِ كَالْعَالِمِ بِمَعْنَى الْعَلِيمِ مِنَ الْمَجْدِ وهو سعة الكرم (إنما أمري الشيء إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ أَمْرِي
وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ
قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ بَلْ يَكْفِي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به وكن مِنْ كَانَ التَّامَّةِ أَيِ احْدُثْ فَيَحْدُثُ
قَوْلُهُ (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ [٢٤٩٦] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الرَّازِيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الْقَاضِي أَصْلُهُ كُوفِيٌّ صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سَعْدٌ أَوْ سَعِيدٌ مَوْلَى طَلْحَةَ وَيُقَالُ طَلْحَةُ مَوْلَى سَعْدٍ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مرتين حتى عد سبع مرات) جزاءه مَحْذُوفٌ أَيْ لَمْ أُحَدِّثْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَحَدًا وَلَمْ أَذْكُرْهُ (كَانَ الْكِفْلُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ اسْمُ رَجُلٍ (لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ) أَيْ لَا يَحْتَرِزُ وَلَا يَمْتَنِعُ (عَمِلَهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْكِفْلِ وَالْمَنْصُوبُ لِذَنْبٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ (أُرْعِدَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرْعَادِ أَيْ زُلْزِلَتْ واضطربت من خشية الله (أكرهتك) بحذف هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ (قَالَتْ لَا) أَيْ لَمْ تُكْرِهْنِي وَلَيْسَ ارْتِعَادِي وَبُكَائِي مِنْ إِكْرَاهِكَ (فَقَالَ أَتَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا) أَيْ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ (وَمَا فَعَلْتِهِ) أَيْ قَبْلَ هَذَا قَطُّ (فَهِيَ) أَيِ الدَّنَانِيرُ (لَكِ) أَيْ مِلْكٌ لَكِ يَعْنِي وَهَبْتُهَا لَكِ (وَقَالَ) أَيِ الْكِفْلُ (فَأَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ الْكِفْلُ في الصبح (مكتوب) كذا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِالرَّفْعِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ
فَإِنَّهُ خَبَرُ أَصْبَحَ أَوْ حَالٌ مِنْ ضميره
قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أكثر مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَغَيْرُهَا
وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَكَانَتْ جَدَّتُهُ سُرِّيَّةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) قَالَ فِي القاموس السرية بالضم