وَمُتَعَدٍّ
فَالْمَعْنَى يُوجِبُنَا وَيُلْزِمُنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ يَحِقُّ لَنَا ويليق بنا (أن تنقلب بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا) أَيْ مِنَ الِانْقِلَابِ بِمَعْنَى الِانْصِرَافِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
قَالَ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هُوَ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبَقِيَّةُ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ ثِقَاتٌ وَقَدْ رواه بن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ هِقْلِ بْنِ زِيَادٍ كَاتِبِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ نُبِّئْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ انْتَهَى
[٢٥٥٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) أَبُو شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ روى عن علي وغيره وعنه بن أُخْتِهِ أَبُو شَيْبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا) أَيْ مُجْتَمَعًا (مَا فِيهَا) أَيْ لَيْسَ فِي تِلْكَ السُّوقِ (شِرًى) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيِ اشْتِرَاءٌ (وَلَا بَيْعٌ) وَالْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا تِجَارَةٌ (إِلَّا الصُّوَرَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيِ التَّمَاثِيلَ الْمُخْتَلِفَةَ (فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا) أَيْ تشكل بها
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِأَنْ يُجْعَلَ تَبْدِيلُ الْهَيْئَاتِ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أتى الله بقلب سليم يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ قِيلَ يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَرْضَ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا اشْتَهَى وَتَمَنَّى تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ صَوَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِشَكْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ بِقُدْرَتِهِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصُّورَةِ الزِّينَةُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ الشَّخْصُ بِهَا فِي تِلْكَ السُّوقِ وَيَتَلَبَّسُ بِهَا وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالتَّاجِ يُقَالُ لِفُلَانٍ صُورَةٌ حَسَنَةٌ أَيْ هَيْئَةٌ
مَلِيحَةٌ يَعْنِي فَإِذَا رَغِبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أُعْطِيَهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا التَّزَيُّنَ بِهَا وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ التَّغَيُّرُ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الذَّاتِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو شَيْبَةَ وهو ضعيف
والحديث أخرجه أيضا بن أَبِي الدُّنْيَا
٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الرَّبِّ ﵎)
مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلى مفعوله
قال بن بَطَّالٍ ذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ إِلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَمَنَعَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الْمَرْئِيِّ مُحْدَثًا وَحَالًّا فِي مَكَانٍ وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ (نَاظِرَةٌ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وُجُوهٌ يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة بِمُنْتَظِرَةٍ وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى
ثُمَّ قَالَ وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ فَاسِدٌ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَالرُّؤْيَةَ فِي تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْئِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومِ فَإِذَا كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ لَا يُوجِبُ حُدُوثَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْئِيُّ قَالَ وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تعالى لا تدركه الأبصار وبقوله تعالى لموسى لن تراني وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْنَ دَلِيلَيِ الْآيَتَيْنِ وَبِأَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ لِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِحَقِيقَتِهِ وَعَنِ الثَّانِي الْمُرَادُ لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا جَمْعًا أَيْضًا وَلِأَنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إِحَالَتَهُ مَعَ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَلَى وَفْقِ الْآيَةِ وَقَدْ تَلَقَّاهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَتَّى حَدَثَ مَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَخَالَفَ السَّلَفَ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اشْتَرَطَ النُّفَاةُ في الرؤية شروطا عقلية تخبط بهم الْمَخْصُوصَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَاتِّصَالِ الْأَشِعَّةِ وَزَوَالِ الْمَوَانِعِ كَالْبُعْدِ والحجب في تخيط بهم وَتَحَكُّمٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سِوَى وُجُودِ الْمَرْئِيِّ وَأَنَّ الرُّؤْيَةَ إِدْرَاكٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلرَّائِي فَيَرَى الْمَرْئِيَّ وَتَقْتَرِنُ بِهَا أَحْوَالٌ يَجُوزُ تَبَدُّلُهَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تعالى
قَوْلُهُ (كُنَّا جُلُوسًا) أَيْ جَالِسِينَ (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) أَيِ الْمَحْسُوسَ الْمُشَاهَدَ الْمَرْئِيَّ (لَا تُضَامُونَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الضَّيْمِ وَهُوَ الظُّلْمُ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَيْ لَا يَنَالُكُمْ ضَيْمٌ وَظُلْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ فَيَرَاهُ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ وَرُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّضَامِّ بِمَعْنَى التَّزَاحُمِ وَبِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الْمُضَامَّةِ وَهِيَ الْمُزَاحَمَةُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْكُلِّ لَا تَشُكُّونَ (فِي رُؤْيَتِهِ) أَيْ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ قَدْ يُخَيَّلُ إِلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ أَنَّ الْكَافَ فِي قوله كما ترون كما في التَّشْبِيهِ لِلْمَرْئِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ كَافُ التَّشْبِيهِ لِلرُّؤْيَةِ وَهُوَ فِعْلُ الرَّائِي
وَمَعْنَاهُ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ رُؤْيَةً يَنْزَاحُ مَعَهَا الشَّكُّ كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَرْتَابُونَ وَلَا تَمْتَرُونَ (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ (فَافْعَلُوا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ أَوْ عَدَمِ الْمَغْلُوبِيَّةِ
قَالَ الْقَاضِي تَرْتِيبُ قَوْلِهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى قَوْلِهِ سَتَرَوْنَ بِالْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوَاظِبَ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا خَلِيقٌ بِأَنْ يَرَى رَبَّهُ وَقَوْلُهُ لَا تُغْلَبُوا مَعْنَاهُ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ بِالِاشْتِغَالِ عَنْ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالْحَثِّ لِمَا فِي الصُّبْحِ مِنْ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ وَالنَّوْمِ وَفِي الْعَصْرِ مِنْ قِيَامِ الْأَسْوَاقِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمُعَامَلَاتِ فَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ فَتْرَةٌ فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعَ مَا لَهُمَا مِنْ قُوَّةِ الْمَانِعِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا تَلْحَقَهُ فِي غَيْرِهِمَا (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ جَرِيرٌ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَخْ) أَيْ وَصَلِّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَعَبَّرَ عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ وَهُوَ التَّسْبِيحُ الْمُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ فِي الِافْتِتَاحِ الْمَقْرُونِ بِحَمْدِ الرَّبِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنِ الشَّرِيكِ وَنَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِ النقصان والزوال
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجة