الآية قال بن كَثِيرٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ (فَجُعَلَتْ هَذِهِ) أي ترجى من تشاء منهن الْآيَةَ (نَاسِخَةً لِلَّتِي بَعْدَهَا فِي التِّلَاوَةِ) أَيْ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حسنهن إلا ما ملكت يمينك (كآبتي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي الْبَقَرَةِ الْأُولَى نَاسِخَةٌ لِلَّتِي بَعْدَهَا) انْتَهَى
الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْأُولَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعشرا وَبِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصية لأزاوجهم متاعا إلى الحول غير إخراج
قُلْتُ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ فَقِيلَ مَعْنَاهُ تَعْتَزِلُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طلاق وتقسم لغيرها وقال بن عَبَّاسٍ تُطَلِّقُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُمْسِكُ مَنْ تَشَاءُ
وَقَالَ الْحَسَنُ تَتْرُكُ نِكَاحَ مَنْ شِئْتَ وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْتَ مِنَ النِّسَاءِ وَقِيلَ تَقْبَلُ مَنْ تَشَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ فَتُؤْوِيهَا إِلَيْكَ وَتَتْرُكُ مَنْ تَشَاءُ فَلَا تَقْبَلُهَا
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بعد إِلَخْ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والنسائي
[٣٢١٩] قوله (عن بيان) هو بن بشر
قوله (بنى رسول الله بِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ) هِيَ زَيْنَبُ أَيْ دَخَلَ بِهَا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْبِنَاءُ وَالِابْتِنَاءُ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَنَى عَلَيْهَا قُبَّةً لِيَدْخُلَ بِهَا فِيهَا فَيُقَالُ بَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَلَا يُقَالُ بَنَى بِأَهْلِهِ
وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَغَيْرِ الْحَدِيثِ وَعَادَ الْجَوْهَرِيُّ اسْتَعْمَلَهُ فِي كِتَابِهِ انْتَهَى
(إِلَى الطَّعَامِ) أَيْ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ (قام رسول الله مُنْطَلِقًا قِبَلَ بَيْتِ عَائِشَةَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَالِسَيْنِ) فِيهِ اخْتِصَارٌ وَإِجْمَالٌ تُوَضِّحُهُ رِوَايَاتُ الْبُخَارِيِّ وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَةَ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ واستحى النبي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ
فَيَقُومُوا بِقِيَامِهِ فَلَمَّا أَلْهَاهُمُ الْحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ إِلَّا الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْلِ بَالِهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ
وَفِي غُضُونِ ذَلِكَ كان النبي يُرِيدُ أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْرِ مُوَاجَهَتِهِمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ فَيُطِيلُ الْغِيبَةَ عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ وَهُمْ فِي شُغْلِ بَالِهِمْ وَكَانَ أَحَدُهُمْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَةٍ فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ ووصل النبي إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَآهُمَا فَرَجَعَ فَرَأَيَاهُ لَمَّا رَجَعَ فحينئذ فطنا فخرجا فدخل النبي وَأُنْزِلَتِ الْآيَةُ فَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَسٍ خَادِمِهِ أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ بِذَلِكَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إلا أن يؤذن لكم أي في الدخول بالدعاء إلى طعام أي فتدخلوا غير ناظرين أي منتظرين إناه أَيْ نُضْجَهُ مَصْدَرُ أَنَى يَأْنِي وَبَعْدَهُ وَلَكِنْ إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم أي أكلتم الطعام فانتشروا أَيْ فَاخْرُجُوا مِنْ مَنْزِلِهِ وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
أَيْ لَا تُطِيلُوا الْجُلُوسَ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُكُمْ بِحَدِيثِ بعض (إن ذلكم) أَيِ الْمُكْثَ وَإِطَالَةَ الْجُلُوسِ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فيستحي منكم أي من إخراجكم والله لا يستحي من الحق أَيْ لَا يَتْرُكُ بَيَانَهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) أَيْ طُولٌ وَكَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي بَابِ زَوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنُزُولِ الْحِجَابِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ
[٣٢١٧] قَوْلُهُ (حدثنا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ) الْجُمَحِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَمْرٍو وقيل أبو حاتم بصرى صدوق يخطىء من التاسعة (قال بن عَوْنٍ حُدِّثْنَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) الضَّمِيرُ في قال راجع إلى أشهد وبن عون مبتدأ وحدثناه خبره أي قال أشهد بْنُ عَوْنٍ حُدِّثْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بن سعيد وبن عَوْنٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ
قَوْلُهُ (عَرَّسَ بِهَا) مِنَ التَّعْرِيسِ أَيْ بَنَى بِهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَعْرَسَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُعْرِسٌ إِذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ عِنْدَ بِنَائِهَا وَلَا يُقَالُ فِيهِ عَرَّسَ
قُلْتُ قَوْلُهُ وَلَا يُقَالُ فِيهِ عَرَّسَ تَرُدُّهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ قِيلَ هُوَ أَيْ عَرَّسَ لُغَةً فِي أَعْرَسَ (فَاحْتَبَسَ) الْحَبْسُ الْمَنْعُ وَاحْتَبَسَهُ حَبَسَهُ فَاحْتَبَسَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ) وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إِلَخْ
[٣٢١٨] قَوْلُهُ (عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْجَعْدُ بْنُ دِينَارٍ الْيَشْكُرِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْحُلِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ (فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا) هُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ الدَّقِيقُ أَوِ الْفَتِيتُ (فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ) بِفَتْحِ تَاءٍ وَسُكُونِ وَاوٍ هُوَ إِنَاءٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ كَالْإِجَّانَةِ وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ (قَالَ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ) بِضَمِّ الزَّايِ وفتح الهاء وبالمد أي قدر ثلاث مائة مِنْ زَهَوْتُ الْقَوْمَ أَيْ حَزْرَتُهُمْ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ كَانُوا وَقِيلَ بِرَفْعِهِ أَيْ عَدَدْنَا مِقْدَارَ ثَلَاثِمِائَةٍ هَاتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ أَعْطِنِي (حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ) بِضَمِّ صَادٍ وَتَشْدِيدِ فَاءٍ هُوَ مَوْضِعٌ مُظَلَّلٌ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ يَسْكُنُهُ فَكَانُوا يَأْوُونَ إِلَيْهِ (لِيَتَحَلَّقْ) الْحَلْقَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُسْتَدِيرُونَ كَحَلْقَةِ الْبَابِ وَغَيْرِهِ وَالتَّحَلُّقُ تَفَعُّلٌ مِنْهَا وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ ارْفَعْ أَيِ الطَّعَامَ (حِينَ وَضَعْتُ) أَيِ الطَّعَامَ قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ