يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ
أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[٣٣٠٧] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (مَا هَذَا الْمَعْرُوفُ) أَيِ الَّذِي وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا يَعْصِينَكَ في معروف (الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَنَا) أَيْ لَا يَجُوزُ لَنَا (أَنْ نَعْصِيَكَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَعْرُوفِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَنُحْنَ مِنَ النَّوْحِ وَهُوَ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَعْدِيدُ مَحَاسِنِهِ وَقِيلَ النَّوْحُ بُكَاءٌ مَعَ الصَّوْتِ وَمِنْهُ نَاحَ الْحَمَامُ نَوْحًا (قَدْ أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي) مِنَ الْإِسْعَادِ وَهُوَ إسعاد النساء في المناحاة تَقُومُ الْمَرْأَةُ فَتَقُومُ مَعَهَا أُخْرَى مِنْ جَارَاتِهَا فَتُسَاعِدُهَا عَلَى النِّيَاحَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْإِسْعَادُ خَاصٌّ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَأَمَّا الْمُسَاعَدَةُ فَعَامَّةٌ فِي كُلِّ مَعُونَةٍ (وَلَا بُدَّ لِي مِنْ قَضَائِهِمْ) أَيْ مِنْ أَنْ أَجْزِيَهُمْ (فَأَبَى) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لَمْ يَأْذَنْ لِي فِي قَضَائِهِمْ (فَعَاتَبْتُهُ) أَيْ رَاجَعْتُهُ وَعَاوَدْتُهُ (فَأَذِنَ لِي فِي قَضَائِهِنَّ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِأُمِّ سَلِمَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي إِسْعَادِهِنَّ وَكَذَلِكَ رَخَّصَ أَيْضًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ كَمَا فِي حَدِيثِهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يعصينك في معروف قَالَتْ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا آلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا بُدَّ لِي أَنْ أُسْعِدَهُمْ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا آلَ فُلَانٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّرْخِيصِ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَحِلُّ النِّيَاحَةُ لِغَيْرِهَا وَلَا لَهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْحَدِيثِ وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَا شَاءَ فَهَذَا صَوَابُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَةً وَمَقْصُودِي التَّحْذِيرُ من الابترار بِهَا حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ النِّيَاحَةُ ليست بحرام بها الْحَدِيثِ وَقَصْدِ نِسَاءِ جَعْفَرٍ
قَالَ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ كَشَقِّ الْجُيُوبِ وَخَمْشِ الْخُدُودِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَةَ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ لِمَا ذَكَرَهُ انْتَهَى قلت دعوى تحصيص التَّرْخِيصِ بِأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَقَدْ رَخَّصَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلِمَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ كَمَا فِي حديثها هذا وأخرج بن مردويه من حديث بن عَبَّاسٍ
قَالَ لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ فَبَايَعَهُنَّ أَنْ
لا يشركن بالله شيئا الْآيَةَ قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ أَبِي وَأَخِي مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ فُلَانَةَ أَسْعَدَتْنِي وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ نُوحٍ قَالَ أَدْرَكْتُ عَجُوزًا لَنَا كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَلَا تَنُحْنَ فَقَالَتْ عَجُوزٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِبَ أَصَابَتْنَا وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسْعِدَهُمْ
قَالَ فَاذْهَبِي فَكَافِئِيهِمْ
قَالَتْ فَانْطَلَقْتُ فَكَافَأْتُهُمْ ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ أَنَّ النِّيَاحَةَ كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ثُمَّ تَحْرِيمٍ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ وَالْجَوَابُ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ وَأَقْرَبُهَا أَنْ يُقَالَ إِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ أَوَّلًا لِلتَّنْزِيهِ ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَةُ النِّسَاءِ وَقَعَ التَّحْرِيمُ فَيَكُونُ الْإِذْنُ الَّذِي وَقَعَ لِمَنْ ذُكِرَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيمُ وَوَرَدَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) أَخْرَجَ حَدِيثَهَا الشيخان
١ - باب ومن سُورَةُ الصَّفِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وهو قول بن عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورِ وَالثَّانِي أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً [٣٣٠٩] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ) بْنِ أَبِي عَطَاءٍ الثَّقَفِيُّ الصَّنْعَانِيُّ أَبُو يُوسُفَ نَزِيلُ الْمِصِّيصَةِ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ مِنْ صِغَارِ التاسعة (عن أبي سلمة) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ
قَوْلُهُ (قَعَدْنَا نَفَرًا) حَالٌ مِنْ ضمير قعدنا والنفر بفتحتين عدة من رِجَالٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تفعلون هَذَا إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَعِدُ وَعْدًا أَوْ يَقُولُ قَوْلًا لَا يَفِي بِهِ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَزْمُ الْمَوْعُودِ أَمْ لَا وَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَعْدِ عَزْمٌ عَلَى الْمَوْعُودِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا وَحَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ تَمَنَّوْا فَرِيضَةَ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فُرِضَ نَكَلَ عَنْهُ بعضهم
عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْجِهَادُ يَقُولُونَ لَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ ﷿ دَلَّنَا عَلَى أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ فَنَعْمَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِهِ لَا شَكَّ فِيهِ وَجِهَادُ أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يُقِرُّوا بِهِ فَلَمَّا نَزَلَ الْجِهَادُ كَرِهَ ذَلِكَ نَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون وهذا اختيار بن جرير
هذا تلخيص ما ذكره الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقِيلَ أُنْزِلَتْ فِي شَأْنِ الْقِتَالِ يَقُولُ الرَّجُلُ قَاتَلْتُ وَلَمْ يُقَاتِلْ وَطَعَنْتُ وَلَمْ يَطْعَنْ وَضَرَبْتُ وَلَمْ يَضْرِبْ وَصَبَرْتُ وَلَمْ يَصْبِرْ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
قَوْلُهُ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال أبو سلمة فقرأها علينا بن سَلَامٍ إِلَخْ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هَذَا يُسَمَّى بِالْمُسَلْسَلِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الصَّفِّ قَالَ فِي الْمِنَحِ هَذَا صَحِيحٌ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ وَالتَّسَلْسُلِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَهُوَ أَصَحُّ مُسَلْسَلٍ رُوِيَ فِي الدُّنْيَا انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الصَّفِّ وَقَدْ وَقَعَ لَنَا سَمَاعُ هَذِهِ السُّورَةِ مُسَلْسَلًا فِي حَدِيثٍ ذُكِرَ فِي أَوَّلِهِ سَبَبُ نُزُولِهَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَلَّ أَنْ وَقَعَ فِي الْمُسَلْسَلَاتِ مِثْلُهُ مَعَ مَزِيدِ عُلُوِّهِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ خُولِفَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ فِي إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي فروى بن الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الخ) قال الحافظ بن كَثِيرٍ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَعْمَرٍ عن بن الْمُبَارَكِ بِهِ (وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كثير) قال الحافظ بن كَثِيرٍ وَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الأوزاعي كما رواه بن كَثِيرٍ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هَذَا أخرجه أيضا أحمد وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَالسُّنَنِ
٢ - باب وَمِنَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ اية [٣٣١٠] قوله وآخرين منهم
مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الْأُمِّيِّينَ أَيْ بَعَثَهُ فِي الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ عَلَى عَهْدِهِ وَبَعَثَهُ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ أَوْ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُعَلِّمُهُمْ أَيْ وَيُعَلِّمُ آخَرِينَ وَكُلُّ مَنْ يَعْلَمُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَلِّمُهُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّهُ أَصْلُ ذَلِكَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالْفَضْلِ الْجَسِيمِ أَوْ عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ يُزَكِّيهِمْ أَيْ يُزَكِّيهِمْ وَيُزَكِّي آخَرِينَ وَالْمُرَادُ بِالْآخَرِينَ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُمُ التَّابِعُونَ وَقَالَ مجاهد الناس كلهم
وكذا قال بن زيد والسدي لما يلحقوا بها أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَسَيَلْحَقُونَ بِهِمْ مِنْ بَعْدُ وَقِيلَ فِي السَّبْقِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالشَّرَفِ وَالدَّرَجَةِ وَهَذَا النَّفْيُ مُسْتَمِرٌّ دَائِمًا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَا يَلْحَقُهُمْ وَلَا يُسَاوِيهِمْ فِي شَأْنِهِمْ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ
فَالْمَنْفِيُّ هُنَا غَيْرُ مُتَوَقَّعِ الْحُصُولِ وَلِذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ لَمَّا تَنْفِي مَا هُوَ مُتَوَقَّعُ الْحُصُولِ وَالْمَنْفِيُّ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَسَّرَهَا الْمَحَلِّيُّ بِلَمِ الَّتِي مَنْفِيُّهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعَ الْحُصُولِ أَوَّلًا فَلَمَّا هُنَا لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا وَالضَّمِيرُ في بهم ومنهم رَاجِعٌ إِلَى الْأُمِّيِّينَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآخَرِينَ هُمْ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ ﷺ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَى جميع الثقلين فتخصيص العرب هنا القصد الِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي عُمُومَ الرِّسَالَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْآخَرِينَ الْعَجَمُ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْعَرَبِ فَقَدْ صَارُوا بِالْإِسْلَامِ مِثْلَهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ (فَلَمْ يُكَلِّمْهُ) أَيْ سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُجِبْهُ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا (وَسَلْمَانُ فِينَا) أَيْ كَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَوْجُودًا فِينَا لَوْ كَانَ
الْإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشِدَّةِ التَّحْتِيَّةِ مَقْصُورًا كَوْكَبٌ مَعْرُوفٌ لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَيِ الْفُرْسِ بِقَرِينَةِ سَلْمَانَ وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي آخِرِهِ بِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ
وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ وَزَادَ فِيهِ يَتَّبِعُونَ سُنَّتِي وَيُكْثِرُونَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِمْ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ فَارِسَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِالْعِيَانِ فَإِنَّهُمْ ظَهَرَ فِيهِمُ الدِّينُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ وَكَانَ وَجُودُهُمْ كَذَلِكَ دَلِيلًا مِنْ أَدِلَّةِ صِدْقِ ﷺ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ النَّسَبِ فِي أَصْلِ فَارِسَ فَقِيلَ إِنَّهُمْ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى جيومرت وَهُوَ آدَمُ وَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ وَقِيلَ مِنْ ذُرِّيَّةِ لَاوِي بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ وَقِيلَ هُوَ فَارِسُ بْنُ يَاسُورَ بْنِ سَامٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَهُمْ وَالَّذِي يَلِيهَا أَرْجَحُهَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ
وَقَدْ أَطَالَ هُوَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ فَارِسَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ السَّنَدِ الْمَذْكُورِ
قَوْلُهُ (وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ مَدَنِيٌّ وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ شَامِيٌّ) يَعْنِي هُمَا رَجُلَانِ فَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ بِالزَّايِ فِي أَوَّلِهِ مَدَنِيٌّ وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِي أوله شامي [٣٣١١]
قوله (حدثنا هشيم) بالتصغير هو بن بَشِيرِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ دِينَارٍ السُّلَمِيُّ (أَخْبَرَنَا حصين) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) اسْمُهُ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ
قوله (إذا قَدِمَتْ عِيرُ الْمَدِينَةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ التِّجَارَةَ طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ
وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَةَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا (فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ تَسَارَعُوا إِلَيْهَا (حَتَّى لَمْ يَبْقَ) أَيْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ رِوَايَاتٍ مَا مُحَصَّلُهُ وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا إِلَّا مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فَقَالَ إِلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحِفْظِ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُصَيْنٍ كُلُّهُمْ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمْ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرًا قَالَ أَنَا فِيهِمْ
وَفِي تَفْسِيرِ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيِّ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُمْ وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ عَنِ بن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة وبن مَسْعُودٍ وَأُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ مِنْهُمْ أَسَدَ بْنَ عُمَرَ
وَرُوِيَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ هُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ وَبِلَالٌ وبن مسعود قال وفي رواية عمار بدل بن مَسْعُودِ
قَالَ الْحَافِظُ وَرِوَايَةُ الْعُقَيْلِيِّ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ قُدُومِ الْعِيرِ الْمَذْكُورَةِ
وَالْمُرَادُ بِاللَّهْوِ عَلَى هَذَا مَا يَنْشَأُ مِنْ رُؤْيَةِ القدمين وَمَا مَعَهُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَتْ لَهُمْ سُوقٌ كَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالسَّمْنَ
فَقَدِمُوا فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ وَتَرَكُوهُ وَكَانَ لَهُمْ لَهْوٌ يَضْرِبُونَهُ فَنَزَلَتْ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا أَيْ تَفَرَّقُوا وَذَهَبُوا إِلَيْهَا قِيلَ النُّكْتَةُ فِي قوله انفضوا إليها دُونَ قَوْلِهِ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَيْهِ أَنَّ اللَّهْوَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ تَبَعًا لِلتِّجَارَةِ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهِ
فَحَذَفَ الثَّانِيَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
٣ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ مدنية وهي إحدى عشرة اية [٣٣١٢] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ إسرائيل) هو بن يُونُسَ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ
قَوْلُهُ (قَالَ كُنْتُ مَعَ عَمِّي) قَالَ الْحَافِظُ وَقَعَ عند الطبراني وبن مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَمِّهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَلَيْسَ عَمَّهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ سَيِّدُ قَوْمِهِ الْخَزْرَجِ وَعَمُّ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْحَقِيقِيُّ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَعَمُّهُ زَوْجُ أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ خَزْرَجِيٌّ أَيْضًا انْتَهَى فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وفتح الموحدة وتشديد التحتية منونا (بْنُ سَلُولَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ وَهُوَ اسْمُ امْرَأَةٍ وَهِيَ وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ وَهِيَ خُزَاعِيَّةٌ وَأَمَّا هُوَ فَمِنَ الخزرج أحد قبيلتي الأنصار وبن سَلُولَ يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ صِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ لَا صِفَةُ أَبِيهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هَذَا هُوَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ (لَا تُنْفِقُوا عَلَى من عند رسول الله حتى ينفضوا) أَيْ يَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِهِ ﷺ ولئن رجعنا إلى المدينة الخ أي وسمعته يقول لئن رجعنا