HadithLab
RU
جامع الترمذي · باب: ومن سورة المنافقين

رقم الحديث 3316

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَابٍ الكَلْبِيُّ، عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، يَسْأَلِ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الكُفَّارُ؟ فَقَالَ: سَأَتْلُو عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] قَالَ: «فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ؟» قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ فَصَاعِدًا. قَالَ: «فَمَا يُوجِبُ الحَجَّ؟» قَالَ: الزَّادُ وَالبَعِيرُ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. هَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، " وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو جَنَابٍ الْقَصَّابُ، اسْمُهُ: يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ وَلَيْسَ هُوَ بِالقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ "
  • أحمد محمد شاكر:Daif Isnaad
  • الألباني:ضعيف الإسنادضعيف سنن الترمذي ج1 ص357
  • زبير علي زئي:Daif
т. 5 с. 418

سلسلة الرواة

تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج9 ص155
عَظِيمُ النِّفَاقِ وَمَا مِثْلُنَا وَمِثْلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ لَا يَتَحَدَّثُ بِرَفْعِ يَتَحَدَّثُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ قَوْلِهِ دَعْهُ (أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) أَيْ أَتْبَاعَهُ (وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو) أَيْ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (لَا تَنْقَلِبُ) أَيْ لَا تَرْجِعُ (حَتَّى تُقِرَّ) مِنَ الْإِقْرَارِ أَيْ حَتَّى تَعْتَرِفَ (فَفَعَلَ) أَيْ فَأَقَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِأَنَّهُ الذَّلِيلُ وَرَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَزِيزُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ [٣٣١٦] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَخِفَّةِ النُّونِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ قَوْلُهُ (مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) كَلِمَةُ مَنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ قَوْلُهُ يَسْأَلِ الرَّجْعَةَ (يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ) صِفَةُ مَالٍ (أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ) ضَمِيرُ عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى مَنْ وَضَمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَالٌ (فَلَمْ يَفْعَلْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَانَ لَهُ مَالٌ أَيْ فَلَمْ يَحُجَّ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ (يَسْأَلْ) بِالْجَزْمِ (الرَّجْعَةَ) أَيْ يَسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُرْجِعَهُ إِلَى الدُّنْيَا لِيَحُجَّ أَوْ لِيُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ (اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ فِيمَا تَقُولُ (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ) أَيْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ الآية (فقال) أي بن عَبَّاسٍ (سَأَتْلُو) أَيْ سَأَقْرَأُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا قُلْتُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَيْ لَا تَشْغَلْكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكر الله أَيْ عَنِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْمَعْنَى لَا تَشْغَلْكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ كَمَا شَغَلَتِ الْمُنَافِقِينَ عَنْ ذكر الله ومن يفعل ذلك أَيْ وَمَنْ شَغَلَهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ عَنْ ذِكْرِ الله فأولئك هم الخاسرون أَيْ فِي تِجَارَتِهِمْ حَيْثُ آثَرُوا الْفَانِيَ عَلَى الباقي وأنفقوا مما رزقناكم قال بن عَبَّاسٍ يُرِيدُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يأتي أحدكم الموت أَيْ دَلَائِلُ الْمَوْتِ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَعَلَامَاتُهُ فَيَسْأَلَ الرَّجْعَةَ فيقول رب لولا أخرتني أَيْ هَلَّا أَخَّرْتَنِي وَقِيلَ لَوْ أَخَّرْتَ أَجَلِي إلى أجل قريب فأصدق أَيْ فَأُزَكِّيَ مَالِي وَأَصْلُ أَصَّدَّقُ أَتَصَدَّقُ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ بِالصَّادِ وَأُدْغِمَتِ الصَّادُ فِي الضَّادِ وَتَمَامُ الْآيَةِ وَأَكُنْ بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ فَأَصَّدَّقَ كَأَنَّهُ قِيلَ إِنْ أَخَّرْتَنِي أَصَّدَّقْ وَأَكُنْ وَقُرِئَ وَأَكُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اللَّفْظِ مِنَ الصَّالِحِينَ ولن يؤخر الله نفسا عن الموت إذ جاء أجلها الْمَكْتُوبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تعملون يعني أنه لورد إِلَى الدُّنْيَا وَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ مَا حَجَّ وَمَا زَكَّى (قَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ) أَيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوعِ (وَلَيْسَ هو بالقوى) وقال الحافظ بن كثير رواية الضحاك عن بن عَبَّاسٍ فِيهَا انْقِطَاعٌ ٤ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ التَّغَابُنِ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ هِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ إِلَى آخِرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً [٣٣١٧] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْإِمَامُ الذُّهْلِيُّ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الضبي مولاهم الفريابي (أخبرنا إسرائيل) هو بن يُونُسَ قَوْلُهُ (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ (عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ عَنْ تَفْسِيرِهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وأولادكم عدوا لكم فَاحْذَرُوهُمْ) أَيْ أَنْ تُطِيعُوهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْخَيْرِ كَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ فَإِنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ الإطاعة في ذلك (قال) أي بن عَبَّاسٍ (أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ) أَيْ مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ (أَنْ يَدَعُوهُمْ) أَيْ يَتْرُكُوهُمْ (رَأَوُا النَّاسَ) أَيِ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ بِالْهِجْرَةِ (هَمُّوا) كَذَا فِي النُّسَخِ الحاضرة وفي رواية بن أَبِي حَاتِمٍ فَهَمُّوا بِالْفَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ فَأَرَادُوا (أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ) أَيْ يُعَذِّبُوا أَزْوَاجَهُمْ وَأَوْلَادَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ عَنِ الْهِجْرَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ أَيْ إِنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ أَزْوَاجًا وَالْأَوْلَادِ أَوْلَادًا يُعَادُونَكُمْ وَيَشْغَلُونَكُمْ عَنِ الْخَيْرِ وَعَنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ يُخَاصِمُونَكُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا فَاحْذَرُوهُمْ أَيْ أَنْ تُطِيعُوهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْخَيْرِ (الْآيَةَ) بَقِيَّةُ الْآيَةِ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فإن الله غفور رحيم قَالَ الْخَازِنُ هَذَا فِيمَنْ أَقَامَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَلَمْ يُهَاجِرْ ثُمَّ هَاجَرَ فَرَأَى الَّذِينَ قَدْ سَبَقُوهُ بِالْهِجْرَةِ قَدْ فَقُهُوا فِي الدِّينِ فَهَمَّ أَنْ يُعَاقِبَ زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ الَّذِينَ ثَبَّطُوهُ وَمَنَعُوهُ عَنِ الْهِجْرَةِ لِمَا أَلْحَقُوا بِهِ وَلَا يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُصِيبَهُمْ بِخَيْرٍ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمُ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ بن أبي حاتم وبن جرير والطبراني ٥ - باب ومن سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ آيَةً [٣٣١٨] قَوْلُهُ (لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) أَيْ عَلَى أَنْ أَسْأَلَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ في التفسير ( مكثت سنةأريد أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ أَيْ فِي حَقِّهِمَا إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ خِطَابًا لِحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي مُعَاتَبَتِهِمَا وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أَيْ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَدَلَّ على المحذوف قوله فقد صغت قلوبكما أَيْ مَالَتْ عَنِ الْوَاجِبِ فِي مُخَالَصَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُبِّ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكْرَهُهُ وَوُجِدَ مِنْكُمَا مَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ وَهُوَ أَنَّهُمَا أَحَبَّتَا مَا كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى حَجَّ عُمَرُ) أَيْ خَرَجَ حَاجًّا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ (وَاعَجَبًا لَكَ) قَالَ الْحَافِظُ يَجُوزُ فِي عَجَبًا التَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ قال بن مَالِكٍ وَا فِي قَوْلِهِ وَاعَجَبًا إِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ وَمِثْلُهُ وَاهًا وَوَيْ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ عَجَبًا جِيءَ تَعَجُّبًا وَتَوْكِيدًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَالْأَصْلُ فِيهِ وَاعَجَبِي فَأُبْدِلَتِ الْكَسْرَةُ فَتْحَةً فَصَارَتِ الْيَاءُ أَلِفًا كَقَوْلِهِمْ يَا أَسَفَا وَيَا حَسْرَتَا وَفِيهِ شَاهِدٌ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ وَا فِي مُنَادًى غَيْرِ مَنْدُوبٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ وَهُوَ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ قَالَ وتعجب عمر من بن عَبَّاسٍ مَعَ شُهْرَتِهِ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرُ مَعَ شُهْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ فِي نَفْسِ عُمَرَ وَتَقْدِيمِهِ فِي الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ ومع ما كان بن عَبَّاسٍ مَشْهُورًا بِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَمُدَاخَلَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ وَتَعَجَّبَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ فَنُونِ التَّفْسِيرِ حتى معرفة المبهم (قال الزهري وكره والله مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ) قَالَ الْحَافِظُ اسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ مَا فَهِمَهُ الزُّهْرِيُّ وَلَا بُعْدَ فِيهِ (هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي النِّكَاحِ هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ (ثُمَّ أَنْشَأَ) أَيْ شَرَعَ عُمَرُ (يُحَدِّثُنِي الْحَدِيثَ) أَيِ الْقِصَّةَ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا (مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أَيْ نَحْكُمُ عَلَيْهِنَّ وَلَا يَحْكُمْنَ عَلَيْنَا بِخِلَافِ الْأَنْصَارِ فَكَانُوا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ (فَطَفِقَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ أَيْ جَعَلَ وَأَخَذَ (يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ الْحَافِظُ أَيْ مِنْ سِيرَتِهِنَّ وَطَرِيقَتِهِنَّ (فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي) مِنَ الْمُرَاجَعَةِ أَيْ تُرَادِدُنِي فِي الْقَوْلِ وَتُنَاظِرُنِي فِيهِ (فَقَالَتْ مَا تُنْكِرُ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ (وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ (قَدْ خَابَتْ) مِنَ الْخَيْبَةِ وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ (وَكَانَ مَنْزِلِي بِالْعَوَالِي) جَمْعُ عَالِيَةٍ وَهِيَ قُرًى بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ وَكَانَتْ مَنَازِلَ الْأَوْسِ (فِي بَنِي أُمَيَّةَ) أَيْ نَاحِيَةَ بَنِي أُمَيَّةَ سُمِّيَتِ الْبُقْعَةُ بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا (وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن الحرث الْأَنْصَارِيُّ أَوْ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الراجح لأنه منصوص عليه عند بن سعد والثاني استنبطه بن بَشْكُوَالَ مِنَ الْمُوَاخَاةِ بَيْنَهُمَا وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مقدم قاله القسطلاني (كنا نتناوب النزل) أَيْ مِنَ الْعَوَالِي أَيْ كُنَّا نَجْعَلُهُ نَوْبًا (فَيَنْزِلُ) أَيْ جَارِي الْأَنْصَارِيُّ (وَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ) أَيْ مِنَ الْحَوَادِثِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ بن سَعْدٍ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ وَلَا يَسْمَعُ عُمَرُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ (فَكُنَّا نُحَدِّثُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ (أَنَّ غَسَّانَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ أَيْ قَبِيلَةَ غَسَّانَ وَمَلِكُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شَمِرٍ وَهُمْ كَانُوا بِالشَّامِ (تُنْعِلُ الْخَيْلَ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ الْإِنْعَالِ يُقَالُ نُعِلْتُ وَانْتَعَلْتُ إِذَا لَبِسْتُ النَّعْلَ وَأَنْعَلْتُ الْخَيْلَ إِذَا أَلْبَسْتُهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِعْدَادِهِمْ لِلْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (قَالَ) أَيْ عُمَرُ (فَجَاءَنِي) أَيْ جَارِي (فَضَرَبَ عَلَى الْبَابِ) أَيْ ضَرْبًا شَدِيدًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمَرَ لِكَوْنِ حَفْصَةَ بِنْتَهُ (طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ) إِنَّمَا وَقَعَ الْجُرْمُ بِالطَّلَاقِ لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ بِالِاعْتِزَالِ فَظَنَّ الطَّلَاقَ (قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا) لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُنَّ قَدْ تُفْضِي إِلَى الْغَضَبِ الْمُفْضِي إِلَى الْفُرْقَةِ (شَدَدْتُ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (ثِيَابِي) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلِ بِالثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ لِقَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالْكِبَارِ احْتِرَامًا لَهُمْ (فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ الْغُرْفَةُ (قَالَ فَانْطَلَقْتُ) أَيْ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ حَفْصَةَ (فَأَتَيْتُ غُلَامًا أَسْوَدَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ قَالَ الْحَافِظُ اسْمُ هَذَا الْغُلَامُ رَبَاحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ سَمَّاهُ سِمَاكٌ فِي رِوَايَتِهِ (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أَيْ مِنْ شُغْلِ قَلْبِهِ بِمَا بَلَغَهُ مِنَ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَضَبٍ مِنْهُ وَلِاحْتِمَالِ صِحَّةِ مَا أُشِيعَ مِنْ تَطْلِيقِ نِسَائِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهِنَّ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ فَتَنْقَطِعُ الْوَصْلَةُ بَيْنَهُمَا وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ مَا لَا يَخْفَى (مُتَّكِئٌ عَلَى رِمْلِ حَصِيرٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ قَالَ الْحَافِظُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّسْجُ تَقُولُ رَمَلْتُ الْحَصِيرَ وَأَرْمَلْتُهُ إِذَا نَسَجْتُهُ وَحَصِيرٌ مَرْمُولٌ أَيْ مَنْسُوجٌ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ سَرِيرَهُ كَانَ مَرْمُولًا بِمَا يُرْمَلُ بِهِ الْحَصِيرُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ عَلَى حَصِيرٍ وَقَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي جَنْبِهِ وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ حَصِيرًا تَغْلِيبًا (قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَمَّا ظَنَّ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الِاعْتِزَالَ طَلَاقٌ أَوْ ناشيء عَنْ طَلَاقٍ فَأَخْبَرَ عُمَرَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ جَازِمًا بِهِ فَلَمَّا اسْتَفْسَرَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ حَقِيقَةً كَبَّرَ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَبَّرَ اللَّهَ حَامِدًا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ (وَجَدْنَا قَوْمًا) أَيِ الْأَنْصَارَ (فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ) بَدَأَ بِهَا لِمَكَانَتِهَا مِنْهُ (قَالَتْ) أَيْ حَفْصَةُ (نَعَمْ) أَيْ تراجعه (لَا تُرَاجِعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ لَا تُرَادِدِيهِ فِي الْكَلَامِ وَلَا تَرُدِّي عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ) أَيْ مَا ظَهَرَ لَكِ (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالنُّونِ (أَنْ كَانَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (صَاحِبَتُكِ) أَيْ ضَرَّتُكِ (أَوْسَمَ) مِنَ الْوَسَامَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ أَيْ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَوْضَأَ مِنَ الْوِضَاءِ وَهُوَ الْحُسْنُ (وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) الْمَعْنَى لَا تَغْتَرِّي بِكَوْنِ عَائِشَةَ تَفْعَلُ مَا نَهَيْتُكِ عَنْهُ فَلَا يُؤَاخِذُهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ بِجَمَالِهَا وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا فلا تغتري أنت بذلك لاحتمال أن لا تَكُونِي عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يَكُونُ لَكِ مِنَ الْإِدْلَالِ مِثْلُ الَّذِي لَهَا (فَتَبَسَّمَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أُخْرَى) أَيْ تَبَسُّمَةً أُخْرَى (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْنِسُ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَنْبَسِطُ فِي الْحَدِيثِ وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ لِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بِنْتَهُ كَانَتِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فَخَشِيَ أَنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْتَبَةِ فَبَقِيَ كَالْمُنْقَبِضِ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى اسْتَأْذَنَ فِيهِ (إِلَّا أُهُبَةً ثَلَاثَةً) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَبِفَتْحِهِمَا جَمْعُ إِهَابٍ وَهُوَ الْجِلْدُ وَقِيلَ إِنَّمَا يُقَالُ لِلْجِلْدِ إِهَابٌ قَبْلَ الدَّبْغِ فَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا فَقَالَ أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يا بن الْخَطَّابِ يَعْنِي أَنْتَ فِي شَكٍّ فِي أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا أُولَئِكَ أَيْ فَارِسُ وَالرُّومُ عُجِّلَتْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّعْجِيلِ (قَالَ) أَيْ عُمَرُ ﵁ (وَكَانَ أَقْسَمَ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذلك فجعل له كفارة باليمين) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي النِّكَاحِ فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ فَقَوْلُهُ فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنْ عُمَرَ ﵁ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ فَلِذَلِكَ عَطَفَهُ بِالْفَاءِ وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَيِ اعْتِزَالُهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ إِفْشَاءِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ خَلَا بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَجَاءَتْ فَوَجَدَتْهَا مَعَهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَفْعَلُ هَذَا مَعِي دُونَ نِسَائِكَ فَقَالَ لَا تُخْبِرِي أَحَدًا هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنَّ أَيَّتَهُمَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ أَأَكَلْتَ مَغَافِيرَ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ فَقَالَ لَا ولكني كنت أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعُوتِبَ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ حَلِفِهِ قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ لَا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ الْمَرْوِيَّةِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مَارِيَةَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ قَالَ النَّسَائِيُّ إِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْعَسَلِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ انْتَهَى وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي سَبَبِ اعْتِزَالِهِ ﷺ رِوَايَاتٍ أُخْرَى مِنْهَا ما أخرجه بن مردويه من طريق الضحاك عن بن عَبَّاسٍ قَالَ دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيْتَهَا فَوَجَدَتْ مَعَهُ مَارِيَةَ فَقَالَ لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبَشِّرَكِ بِبِشَارَةٍ إِنَّ أَبَاكِ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أَنَا مِتُّ فَذَهَبَتْ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ أَنْ يُحَرِّمَ مَارِيَةَ فَحَرَّمَهَا ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ أَمَرْتُكِ أَنْ لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتِهَا فَعَاتَبَهَا وَلَمْ يُعَاتِبْهَا عَلَى أَمْرِ الْخِلَافَةِ فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عن بعض وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَسَعَةِ صَدْرِهِ وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ قَالَ وَالرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا قِصَّةُ مَارِيَةَ لِاخْتِصَاصِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِهَا بِخِلَافِ الْعَسَلِ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُنَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ جَمِيعُهَا اجْتَمَعَتْ فَأُشِيرَ إِلَى أَهَمِّهَا وَيُؤَيِّدُهُ شُمُولُ الْحَلِفِ لِلْجَمِيعِ وَلَوْ كَانَ مَثَلًا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ فَقَطْ لَاخْتَصَّ بِحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ انْتَهَى وَقَوْلُهُ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَيُرْوَى حتى عاتبه إنه وَهَذِهِ هِيَ الْأَظْهَرُ وَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ أَيْ لَيْلَةً (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيِّ ﷺ) فِيهِ أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ حَضَرَ يَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ وَلَا أَنْ يُقْرِعَ كَذَا قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَاءَةُ بِعَائِشَةَ لِكَوْنِهِ اتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَهَا قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ شَيْئًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ إِلَخْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ (وَلَمْ يَبْعَثْنِي معنتا) يُقَالُ تَعَنَّتَهُ أَيْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَذَى وَطَلَبَ زَلَّتَهُ وَمَشَقَّتَهُ قَالَ الْحَافِظُ هَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ وَعَائِشَةَ وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ انْتَهَى قُلْتُ حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي آخِرِهِ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ قَالَ لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ٦ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ نون وَالْقَلَمِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٣١٩] قَوْلُهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مع القصة في أَوَاخِرَ أَبْوَابِ الْقَدَرِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ مِنْ طرق عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَوْلُهُ (وفيه عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الطَّبَرَانِيُّ كَمَا فِي تَفْسِيرِ بن كثير ٧ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْحَاقَّةِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٣٢٠] قَوْلُهُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ) الرَّازِيِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ كُوفِيٌّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْعَبَّاسِ حَدِيثَ الْأَوْعَالِ وَعَنْهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ (عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ) بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُصَيْنٍ التَّمِيمِيِّ السَّعْدِيِّ أَبِي بَحْرٍ اسْمُهُ الضَّحَّاكُ وَقِيلَ صَخْرٌ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بْنِ هَاشِمٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ مَشْهُورٌ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَوْ بعدها وهو بن ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ قَوْلُهُ (زَعَمَ) أَيْ قَالَ (أَنَّهُ) أَيِ الْعَبَّاسَ (كَانَ جَالِسًا فِي الْبَطْحَاءِ) أَيْ فِي الْمُخَصَّبِ وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ فَوْقَ مَقْبُرَةِ الْمُعَلَّا وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَكَّةَ وَأَصْلُ الْبَطْحَاءِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى (فِي عِصَابَةٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ قَالَ الطِّيبِيُّ اسْتِعْمَالُ زَعَمَ وَنِسْبَتُهُ إِلَى عَبَّاسٍ رَمْزٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا وَلَا كَانُوا تِلْكَ الْعِصَابَةُ مُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْبَطْحَاءُ هَلْ تَدْرُونَ مَا اسْمُ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى السَّحَابَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُزْنُ أَيْ وَاسْمُ هَذِهِ الْمُزْنُ أَيْضًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُزْنُ هُوَ الْغَيْمُ وَالسَّحَابُ وَاحِدَتُهُ مُزْنَةٌ وَقِيلَ هِيَ السَّحَابَةُ الْبَيْضَاءُ (قَالُوا وَالْمُزْنُ) أَيِ اسْمُهَا أَيْضًا الْمُزْنُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْعَنَانُ كَسَحَابٍ زِنَةً وَمَعْنًى مِنْ عَنَّ أَيْ ظَهَرَ فِي النِّهَايَةِ الْعَنَانُ بِالْفَتْحِ السَّحَابُ وَالْوَاحِدَةُ عَنَانَةٌ وَقِيلَ مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا أَيِ اعْتَرَضَ وَبَدَا لَكَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا أَيْ مِقْدَارَ بُعْدِ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً قيل وإما وأو لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي وَقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ قَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ الرواية في خمس مائة أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ قُوَّةِ الْمَلَكِ وَضَعْفِهِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ فَيَكُونُ بِسَيْرِ الْقَوِيِّ أَقَلَّ وَبِسَيْرِ الضَّعِيفِ أَكْثَرَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ وَإِمَّا ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً انْتَهَى قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ بالسبعون فِي الْحَدِيثِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَيْنَ سماء وسماء مسيرة خمس مائة عَامٍ وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا أَيْ فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا كَذَلِكَ أَيْ فِي الْبُعْدِ وَفَوْقَ ذَلِكَ أَيِ الْبَحْرِ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ جَمْعُ وَعْلٍ وَهُوَ الْعَنْزُ الْوَحْشِيُّ وَيُقَالُ لَهُ تَيْسُ شَاةِ الْجَبَلِ وَالْمُرَادُ مَلَائِكَةٌ عَلَى صُورَةِ الْأَوْعَالِ بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ جَمْعُ ظِلْفٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلدَّابَّةِ وَالْخُفِّ لِلْبَعِيرِ وَرُكَبِهِنَّ جَمْعُ رُكْبَةٍ ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ أَيْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَسْفَلِهِ أَيِ الْعَرْشِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ أَيْ من كشرة الْبُعْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْحَدِّ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ بِجَنْبِ الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ فِي حَدِيثِ وَاللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ أَيْ فَوْقَ الْعَرْشِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الْعِلْمِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْجَهْمِيَّةُ قَدْ أَنْكَرُوا الْعَرْشَ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ فَوْقَهُ وَقَالُوا إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ قَبِيحَةٌ بَاطِلَةٌ وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى دَلَائِلِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالِاطِّلَاعَ عَلَى رَدِّ مَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّةِ الْبَاطِلَةِ فَعَلَيْكَ أَنْ تُطَالِعَ كِتَابَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَكِتَابَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ وَكِتَابَ الْعُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فوقهم يومئذ ثمانية قَوْلُهُ (أَلَا) حَرْفُ التَّحْضِيضِ (حَتَّى يُسْمَعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (هَذَا الْحَدِيثُ) أَيْ لِمَ لَا يَحُجُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ هَذَا الْحَدِيثُ الرَّادُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ اثْنَتَانِ مِنْهَا قَوِيَّتَانِ (وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ سِمَاكٍ نحوه ورفعه) أخرجه أبو داود وبن ماجة من هذا الطريق قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي تَعْلِيقَاتِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَمَّا رَدُّ الْحَدِيثِ بِالْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ فَفَاسِدٌ فَإِنَّ الْوَلِيدَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ عَنْ سِمَاكٍ وَمِنْ حَدِيثِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بن أبي قيس انتهى ورواه بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ سِمَاكٍ وَأَيُّ ذَنْبٍ لِلْوَلِيدِ فِي هَذَا وَأَيُّ تَعَلُّقٍ عَلَيْهِ إِنَّمَا ذَنْبُهُ رِوَايَتُهُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ انْتَهَى كَلَامُهُ مُخْتَصَرًا قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ الرَّازِيُّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ الرَّازِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ بِزِيَادَةِ لَفْظِ عَنْ أَبِيهِ بَيْنَ الرَّازِيِّ وَأَنَّ أَبَاهُ فَإِنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا بِبُخَارَى وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هَكَذَا قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْمَاطِيُّ الْبَصْرِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا بِبُخَارَى إِلَخْ وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الدَّشْتَكِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا بِبُخَارَى إِلَخْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الدَّشْتَكِيُّ هَذَا صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ وَأَبُوهُ سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ مَقْبُولٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (رَأَيْتُ رَجُلًا) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِبُخَارَى عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَقُولُ كَسَانِيهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْأَطْرَافِ قِيلَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدُ الله بن خازم السلمي أمير خرسان وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ السُّلَمِيُّ أَبُو صَالِحٍ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وولي إمرة خرسان وَقُتِلَ بِهَا بَعْدَ قَتْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ يُقَالُ إِنَّهُ الَّذِي رَوَى عنه الدشتكي قال رأيت رجلا بخرسان عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَقُولُ كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهِي (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الرَّجُلِ (عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) وَفِي أَبِي دَاوُدَ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ (يَقُولُ كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) قل استدل بهذا على جواز لبس الخف وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَاهُ عِمَامَةَ الْخَزِّ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ اللُّبْسِ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ جَوَازُ اللُّبْسِ وَهَكَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِحُلَّةٍ سِيَرَاءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ أنه لا يلزم ملي قَوْلِهِ كَسَانِي جَوَازُ اللُّبْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تفسير هذه الصورة لا تعلق بها قلت لعله أورده ها هنا لِبَيَانِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعْدٍ الْمَذْكُورَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الرَّازِيُّ وَأَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ٨ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ وَتُسَمَّى الْمَعَارِجُ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً [٣٣٢٢] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ كَالْمُهْلِ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَرْحِهِ فِي بَابِ صِفَةِ شَرَابِ أَهْلِ النَّارِ ٦٩ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْجِنِّ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ آيَةً [٣٣٢٣] قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ قَوْلُهُ (مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ وَلَا رَآهُمْ) أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ في صحيحه حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَالَ الْحَافِظُ كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَ هَذِهِ اللفظة عمدا لأن بن مَسْعُودٍ أَثْبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْجِنِّ فَكَانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا على نفي بن عَبَّاسٍ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَ عقب حديث بن عباس هذا حديث بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالتَّعَدُّدِ انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هُمَا قَضِيَّتَانِ فَحَدِيثُ بن عَبَّاسٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَأَوَّلِ النُّبُوَّةِ حِينَ أتوا فسمعوا قراءة قل أوحي وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِمَاعَهُمْ حَالَ اسْتِمَاعِهِمْ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَقَضِيَّتُهُ أُخْرَى جَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِهِ وَكَانَ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْإِسْلَامِ (عَامِدِينَ) أَيْ قَاصِدِينَ (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ مَوْسِمٌ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاسِمِهِمْ وَهُوَ نَخْلٌ فِي وُدْيَانِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ يُقِيمُونَ به شوال كُلَّهُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَفَاخَرُونَ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا خَرَجَ ﵊ إِلَى الطَّائِفِ وَرَجَعَ مِنْهَا سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْمَبْعَثِ لَكِنِ اسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَأُجِيبَ بِالتَّعَدُّدِ أَوْ أنه لما رجع لافاه بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَرَافَقُوهُ (وَقَدْ حِيلَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ حُجِزَ وَمُنِعَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (وأرسلت علينا الشُّهُبُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ شِهَابٍ قَالَ الْحَافِظُ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَيْلُولَةَ وَإِرْسَالَ الشُّهُبِ وَقَعَا فِي الزَّمَانِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ وَالَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ تَغَايُرَ زَمَنِ الْقِصَّتَيْنِ وَأَنَّ مَجِيءَ الْجِنِّ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ بِسَنَتَيْنِ وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ يُصَلِّي قَطْعًا وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَلَكِنِ اخْتُلِفَ هَلِ افْتُرِضَ قَبْلَ الْخَمْسِ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَمْ لَا فَيُصْبِحُ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْفَرْضَ أَوَّلًا كَانَ صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ فَيَكُونُ إِطْلَاقُ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ لَا لِكَوْنِهَا إِحْدَى الْخَمْسِ الْمُفْتَرَضَةِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَتَكُونُ قِصَّةُ الْجِنِّ مُتَقَدِّمَةً مِنْ أَوَّلِ الْمَبْعَثِ انْتَهَى (فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا (نَحْوَ تِهَامَةَ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ اسْمٌ لِكُلِّ غَيْرِ عَالٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرِّهَا اشْتِقَاقًا مِنَ التَّهَمِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَسُكُونُ الرِّيحِ وقيل من تهم الشيء إذا تغين قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ هَوَائِهَا قَالَ الْبَكْرِيُّ حَدُّهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَمِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ السَّرْجُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ قَرْيَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًا (وَهُوَ بِنَخْلَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قَالَ الْبَكْرِيُّ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث (استمعوا له) أَيْ أَصْغَوْا إِلَيْهِ (هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي) أَيِ الحدث الذي (فهنالك) ظرف مكان والعمل فيه رجعوا مقدارا يفسره المذكور إنا سمعنا قرآن عجبا أَيْ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ فِي فَصَاحَةِ لَفْظِهِ وَكَثْرَةِ معانية قائمة فيه دلائل الإعجاز وعجبا مَصْدَرٌ وَوُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ذَا عَجَبٍ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أَيْ يَدْعُو إِلَى الصَّوَابِ وَقِيلَ يَهْدِي إِلَى التوحيد والإيمان فآمنا به أَيْ بِالْقُرْآنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ قَالَ وَالْإِيمَانُ يَقَعُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا بِأَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْإِعْجَازِ وَشُرُوطَ الْمُعْجِزَةِ فَيَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكُتُبِ الْأُولَى فِيهَا دَلَائِلُ عَلَى أَنَّهُ النَّبِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي الْجِنِّ مُحْتَمَلٌ وَلَنْ