تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج9 ص306انْتَهَى
وَقِيلَ تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ وَالسِّجِلَّاتِ
وَقَالَ الْحَافِظُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو داود والترمذي وصححه بن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ
قَالَ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ سَبَبِ ثِقَلِ الْحَسَنَةِ وَخِفَّةِ السَّيِّئَةِ فَقَالَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارُتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلْنَكَ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا وَالسَّيِّئَةُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا يَحْمِلْنَكَ خِفَّتُهَا عَلَى ارْتِكَابِهَا انْتَهَى حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ تَثْنِيَةُ حَبِيبَةٍ وَهِيَ الْمَحْبُوبَةُ لِأَنَّ فِيهِمَا الْمَدْحَ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا التَّنْزِيهُ وَبِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَمْدُ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ قَائِلَهَا مَحْبُوبُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْخَيْرِ لَهُ وَالتَّكْرِيمِ وَخَصَّ الرَّحْمَنَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ
فَإِنْ قِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَوْصُوفُهُ مَعَهُ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ التَّذْكِيرِ إِلَى التَّأْنِيثِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَقِيلَ أنث لمناسبة الثقيلتين والخفيفتين سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ
وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالتَّوْحِيدِ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ عند مسلم وبن مَاجَهْ
قَالَ الْحَافِظُ قِيلَ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَبِحَمْدِهِ لِلْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ أُسَبِّحُ اللَّهَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِي لَهُ مِنْ أَجْلِ تَوْفِيقِهِ
وَقِيلَ عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَتَلَبَّسُ بِحَمْدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ وَالتَّقْدِيرُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ فَيَكُونُ سُبْحَانَ اللَّهِ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً وَبِحَمْدِهِ جُمْلَةٌ أُخْرَى انْتَهَى
قُلْتُ الْوَاوُ إِذَا كَانَتْ لِلْحَالِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَنَحْنُ مُتَلَبِّسُونَ بِحَمْدِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد والشيخان والنسائي وبن ماجة وبن حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ الْحَافِظُ وَجْهُ الْغَرَابَةِ فِيهِ هُوَ تَفَرُّدُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَشَيْخُهُ وَشَيْخُ شَيْخِهِ وَصَحَابيهِ انْتَهَى
[٣٤٦٨] قَوْلُهُ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ مُجْتَمَعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً كَانَ أَيْ مَا ذَكَرَ لَهُ أَيْ لِلْقَائِلِ بِهِ عِدْلُ عَشْرِ
رِقَابٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى الْمِثْلِ أَيْ ثَوَابُ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ وَهُوَ جَمْعُ رَقَبَةٍ وهي في الأصل العنق فجعلته كِنَايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْإِنْسَانِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِبَعْضِهِ أَيْ يُضَاعَفُ ثَوَابُهُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ ثَوَابِ الْعِتْقِ الْمَذْكُورِ وَكُتِبَتْ أَيْ ثَبَتَتْ مِائَةُ حَسَنَةٍ بِالرَّفْعِ وَمُحِيَتْ أَيْ أُزِيلَتْ وَكَانَ حِرْزًا أي حفظا وَمَعْنًى مِنَ الشَّيْطَانِ أَيْ مِنْ غَوَائِلِهِ وَوَسَاوِسِهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ أَيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَهُ فِيهِ حَتَّى يُمْسِيَ ظَاهِرُ التَّقَابُلِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ فِي اللَّيْلِ كَانَ لَهُ حِرْزًا مِنْهُ لَيْلَةَ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي أَوْ تُرِكَ لِوُضُوحِ الْمُقَابَلَةِ وَتَخْصِيصُ النَّهَارِ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ فِيهِ إِلَى الْحِفْظِ قاله القارىء
قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ كَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَحُفِظَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وزاد من قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي كَانَ لَهُ مثل ذلك ومثل ذلك
في طريق أُخْرَى يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا بَعْدُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَحْصُلُ هَذَا الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لِمَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ وَكَذَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ لَيْلِهِ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَيْ بِأَيِّ عَمَلٍ كَانَ مِنَ الْحَسَنَاتِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْيَوْمِ كَانَ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمِائَةِ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ آخَرُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْحُدُودِ الَّتِي نَهَى عَنِ اعْتِدَائِهَا وَمُجَاوَزَةِ أَعْدَادِهَا وَأَنَّ زِيَادَتَهَا لَا فَضْلَ فِيهَا أَوْ تُبْطِلُهَا كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَدِ الطَّهَارَةِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الزِّيَادَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ لَا مِنْ نَفْسِ التَّهْلِيلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ التَّهْلِيلِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ ظَاهِرُهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي التَّهْلِيلِ مُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ مِنَ التَّهْلِيلِ لِأَنَّ عَدَدَ زَبَدِ الْبَحْرِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْمِائَةِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّهْلِيلِ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا
إِنَّ التَّهْلِيلَ الْمَذْكُورَ أَفْضَلُ وَيَكُونُ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَسَنَاتِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ
وَمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ عِتْقِ الرِّقَابِ وَكَوْنُهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ زَائِدًا عَلَى فَضْلِ التَّسْبِيحِ وَتَكْفِيرِ الْخَطَايَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ
وَقَدْ حَصَلَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِيرُ جَمِيعِ الْخَطَايَا