HadithLab
RU
سنن النسائي · (٢٨) التغليظ فيمن قاتل تحت راية عمية

رقم الحديث 4114

أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رَبَاحٍ (^١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:Sahih
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج3 ص105
  • زبير علي زئي:Sahih Muslim
т. 7 с. 123

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 3 سنن ابن ماجه, صحيح مسلم, مسند أحمد
عَصَبِيَّةٍ
( بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الصَّادِ ) ( عَصَبَ ) * فِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفِتَنَ وَقَالَ : فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَتْهُ أَبْدَالُ الشَّامِ وَعَصَائِبُ الْعِرَاقِ فَيَتْبَعُونَهُ . الْعَصَائِبُ : جَمْعُ عِصَابَةٍ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ ، وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ ، وَالْعَصَائِبُ بِالْعِرَاقِ " أَرَادَ أَنَّ التَّجَمُّعَ لِلْحُرُوبِ يَكُونُ بِالْعِرَاقِ . وَقِيلَ : أَرَادَ جَمَاعَةً مِنَ الزُّهَّادِ وَسَمَّاهُمْ بِالْعَصَائِبِ ; لِأَنَّهُ قَرَنَهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ . [3/244] ( هـ ) وَفِيهِ ثُمَّ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَمِيرُ الْعُصَبِ ، هِيَ جَمْعُ عُصْبَةٍ كَالْعِصَابَةِ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَكَى إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَقَالَ : اعْفُ عَنْهُ فَقَدْ كَانَ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ شَرِقَ بِذَلِكَ ، يُعَصِّبُوهُ ، أَيْ : يُسَوِّدُوهُ وَيُمَلِّكُوهُ . وَكَانُوا يُسَمُّونَ السَّيِّدَ الْمُطَاعَ : مُعَصَّبًا ; لِأَنَّهُ يُعَصَّبُ بِالتَّاجِ أَوْ تُعَصَّبُ بِهِ أُمُورُ النَّاسِ : أَيْ تُرَدُّ إِلَيْهِ وَتُدَارُ بِهِ . [ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْمُعَمَّمُ ] وَالْعَمَائِمُ : تِيجَانُ الْعَرَبِ ، وَتُسَمَّى الْعَصَائِبَ ، وَاحِدَتُهَا : عِصَابَةٌ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ ، وَهِيَ كُلُّ مَا عَصَبْتَ بِهِ رَأْسَكَ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ خِرْقَةٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ " فَإِذَا أَنَا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ " كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا جَاعَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشُدَّ جَوْفَهُ بِعِصَابَةٍ ، وَرُبَّمَا جَعَلَ تَحْتَهَا حَجَرًا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " فِرُّوا إِلَى اللَّهِ وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ " أَيْ بِمَا افْتَرَضَهُ عَلَيْكُمْ وَقَرَنَهُ بِكُمْ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ : ارْجِعُوا وَلَا تُقَاتِلُوا وَاعْصِبُوهَا بِرَأْسِي ، يُرِيدُ السُّبَّةَ الَّتِي تَلْحَقُهُمْ بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَالْجُنُوحِ إِلَى السَّلْمِ ، فَأَضْمَرَهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ ، أَيِ : اقْرُنُوا هَذِهِ الْحَالَ بِي وَانْسُبُوهَا إِلَيَّ وَإِنْ كَانَتْ ذَمِيمَةً . ( س ) وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ أَيْضًا لَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ ، أَيْ : رَكِبَهُ وَعَلِقَ بِهِ ، مِنْ : عَصَبَ الرِّيقُ فَاهُ إِذَا لَصِقَ بِهِ . وَيُرْوَى " عَصَمَ " بِالْمِيمِ ، وَسَيَجِيءُ . ( هـ ) وَفِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ " لَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ " هِيَ شَجَرَةٌ وَرَقُهَا الْقَرَظُ ، وَيَعْسُرُ خَرْطُ وَرَقِهَا فَتُعْصَبُ أَغْصَانُهَا ; بِأَنْ تُجْمَعَ وَيُشَدَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِحَبْلٍ ، ثُمَّ تُخْبَطُ بِعَصًا فَيَتَنَاثَرُ وَرَقُهَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ إِذَا أَرَادُوا قَطْعَهَا حَتَّى يُمْكِنَهُمُ الْوُصُولُ إِلَى أَصْلِهَا . [3/245] ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةَ " إِنَّ الْعَصُوبَ يَرْفُقُ بِهَا حَالِبُهَا فَتَحْلُبُ الْعُلْبَةَ " ، الْعَصُوبُ مِنَ النُّوقِ : الَّتِي لَا تَدِرُّ حَتَّى يُعْصَبَ فَخِذَاهَا ، أَيْ : يُشَدَّانِ بِالْعِصَابَةِ . * وَفِيهِ : الْمُعْتَدَّةُ لَا تَلْبَسُ الْمُصَبَّغَةَ إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، الْعَصْبُ : بُرُودٌ يَمَنِيَّةٌ يُعْصَبُ غَزْلُهَا : أَيْ يُجْمَعُ وَيُشَدُّ ثُمَّ يُصْبَغُ وَيُنْسَجُ فَيَأْتِي مَوْشِيًّا لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَأْخُذْهُ صِبْغٌ . يُقَالُ : بُرْدٌ عَصْبٍ ، وَبُرُودٌ عَصْبٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ . وَقِيلَ : هِيَ بُرُودٌ مُخَطَّطَةٌ . وَالْعَصْبُ : الْفَتْلُ ، وَالْعَصَّابُ : الْغَزَّالُ ، فَيَكُونُ النَّهْيُ لِلْمُعْتَدَّةِ عَمَّا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ عَصْبِ الْيَمَنِ " ، وَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّهُ يُصْبَغُ بِالْبَوْلِ . ثُمَّ قَالَ : نُهِينَا عَنِ التَّعَمُّقِ . ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِثَوْبَانَ : اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصْبٍ ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي " الْمَعَالِمِ " : إِنْ لَمْ تَكُنِ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَا هِيَ ، وَمَا أُرَى أَنَّ الْقِلَادَةَ تَكُونُ مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ " الْعَصَبُ " بِفَتْحِ الصَّادِ ، وَهِيَ أَطْنَابُ مَفَاصِلِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَهُوَ شَيْءٌ مُدَوَّرٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَصَبَ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ فَيَقْطَعُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ شِبْهَ الْخَرَزِ ، فَإِذَا يَبِسَ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ الْقَلَائِدَ ، وَإِذَا جَازَ وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عِظَامِ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهَا الْأَسْوِرَةُ جَازَ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عَصَبِ أَشْبَاهِهَا خَرَزٌ تُنْظَمُ مِنْهُ الْقَلَائِدُ . قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ : أَنَّ الْعَصَبَ سِنُّ دَابَّةٍ تُسَمَّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ ، يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَزُ وَغَيْرُ الْخَرَزِ مِنْ نِصَابِ سِكِّينٍ وَغَيْرِهِ ، وَيَكُونُ أَبْيَضَ . * وَفِيهِ الْعَصَبِيُّ مَنْ يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ ، الْعَصَبِيُّ : هُوَ الَّذِي يَغْضَبُ لِعَصَبَتِهِ وَيُحَامِي عَنْهُمْ . وَالْعَصَبَةُ : الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَهُ وَيَعْتَصِبُ بِهِمْ : أَيْ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَشْتَدُّ بِهِمْ . [3/246] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ ، أَوْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً ، الْعَصَبِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ : الْمُحَامَاةُ وَالْمُدَافَعَةُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْعَصَبَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ لَمَّا أَقْبَلَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ وَسُئِلَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ : عَلِقْتُهُمْ إِنِّي خُلِقْتُ عُصْبَهْ قَتَادَةً تَعَلَّقَتْ بِنُشْبَهْ الْعُصْبَةُ : اللَّبْلَابُ ، وَهُوَ نَبَاتٌ يَتَلَوَّى عَلَى الشَّجَرِ . وَالنُّشْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ : الَّذِي إِذَا عَلِقَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكَدْ يُفَارِقُهُ . وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ الشَّدِيدِ الْمِرَاسِ : قَتَادَةٌ لُوِيَتْ بِعُصْبَةٍ . وَالْمَعْنَى خُلِقْتُ عُلْقَةً لِخُصُومِي . فَوَضَعَ الْعُصْبَةَ مَوْضِعَ الْعُلْقَةِ ، ثُمَّ شَبَّهَ نَفْسَهُ فِي فَرْطِ تَعَلُّقِهِ وَتَشَبُّثِهِ بِهِمْ بِالْقَتَادَةِ إِذَا اسْتَظْهَرَتْ فِي تَعَلُّقِهَا وَاسْتَمْسَكَتْ بِنُشْبَةٍ : أَيْ بِشَيْءٍ شَدِيدِ النُّشُوبِ . وَالْبَاءُ الَّتِي فِي " بِنُشْبَةٍ " لِلِاسْتِعَانَةِ ، كَالَّتِي فِي : كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ . * وَفِي حَدِيثِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ " فَنَزَلُوا الْعُصْبَةَ " وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ قُبَاءٍ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ . ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسِيرٍ [ فَرَفَعَ صَوْتَهُ ] فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ اعْصَوْصَبُوا أَيِ : اجْتَمَعُوا وَصَارُوا عِصَابَةً وَاحِدَةً وَجَدُّوا فِي السَّيْرِ ، وَاعْصَوْصَبَ السَّيْرُ : اشْتَدَّ ، كَأَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَصِيبِ وَهُوَ الشَّدِيدُ .
عِمِّيَّةٍ
( عَمَا ) [ هـ ] فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ؟ فَقَالَ : كَانَ فِي عَمَاءٍ ، تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَفَوْقَهُ هَوَاءٌ ، الْعَمَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ : السَّحَابُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُدْرَى كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ . وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ فِي عَمًا " بِالْقَصْرِ ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ . وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ وَالْفِطَنُ . وَلَا بُدَّ فِي قَوْلِهِ : أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا مِنْ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ ، كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ : أَيْ نُجْرِي اللَّفْظَ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّوْمِ : فَإِنْ عُمِّيَ عَلَيْكُمْ ، هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ ، قِيلَ : هُوَ مِنَ الْعَمَاءِ : السَّحَابُ الرَّقِيقُ : أَيْ حَالَ دُونَهُ مَا أَعْمَى الْأَبْصَارَ عَنْ رُؤْيَتِهِ . * وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ : لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي ، مِنَ التَّعْمِيَةِ وَالْإِخْفَاءِ وَالتَّلْبِيسِ ، حَتَّى لَا يَتْبَعَكُمَا أَحَدٌ . ( هـ س ) وَفِيهِ مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةِ عِمِّيَّةٍ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ قِيلَ : هُوَ فِعِّيلَةٌ ، مِنَ الْعَمَاءِ : الضَّلَالَةُ ، كَالْقِتَالِ فِي الْعَصَبِيَّةِ وَالْأَهْوَاءِ . وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهَا ضَمَّ الْعَيْنِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ " لِئَلَّا نَمُوتَ مِيتَةَ عِمِّيَّةٍ " أَيْ : مِيتَةَ فِتْنَةٍ وَجَهَالَةٍ . [3/305] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ خَطَأٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي عِمِّيَةٍ فِي رِمِّيَّا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْحِجَارَةِ فَهُوَ خَطَأٌ ، الْعِمِّيَّا بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ وَالْقَصْرِ : فِعِّيلَى مِنَ الْعَمَى ، كَالرِّمِّيَّا مِنَ الرَّمْيِ ، وَالْخِصِّيصَى مِنَ التَّخْصِيصِ ، وَهِيَ مَصَادِرُ . وَالْمَعْنَى أَنْ يُوجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ يَعْمَى أَمْرُهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ قَاتِلُهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ قَتِيلِ الْخَطَأِ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : يَنْزُو الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ دَمًا فِي عَمْيَاءَ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ ، أَيْ : فِي غَيْرِ جَهَالَةٍ مِنْ غَيْرِ حِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ . وَالْعَمْيَاءُ : تَأْنِيثُ الْأَعْمَى ، يُرِيدُ بِهَا الضَّلَالَةَ وَالْجَهَالَةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْأَعْمَيَيْنِ ، هُمَا السَّيْلُ وَالْحَرِيقُ ; لِمَا يُصِيبُ مَنْ يُصِيبَانِهِ مِنَ الْحَيْرَةِ فِي أَمْرِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُمَا إِذَا حَدَثَا وَوَقَعَا لَا يُبْقِيَانِ مَوْضِعًا وَلَا يَتَجَنَّبَانِ شَيْئًا ، كَالْأَعْمَى الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ ، فَهُوَ يَمْشِي حَيْثُ أَدَّتْهُ رِجْلُهُ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ " سُئِلَ مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذِمَّتِنَا ؟ فَقَالَ : مِنْ عَمَاكَ إِلَى هُدَاكَ " أَيْ : إِذَا ضَلَلْتَ طَرِيقًا أَخَذْتَ مِنْهُمْ رَجُلًا حَتَّى يَقِفَكَ عَلَى الطَّرِيقِ . وَإِنَّمَا رَخَّصَ سَلْمَانَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ وَشُرِطَ عَلَيْهِمْ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُشْرَطْ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ . وَقَوْلُهُ : " مِنْ ذِمَّتِنَا " : أَيْ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا . ( س ) وَفِيهِ : إِنَّ لَنَا الْمَعَامِيَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الْمَجْهُولَةَ الْأَغْفَالِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ ، وَاحِدُهَا : مَعْمًى ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْعَمَى ، كَالْمَجْهَلِ . * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ " تَسَفَّهُوا عَمَايَتَهُمْ " الْعَمَايَةُ : الضَّلَالَةُ ، وَهِيَ فَعَالَةٌ مِنَ الْعَمَى . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ صَكَّةَ عُمَيٍّ ، يُرِيدُ أَشَدَّ الْهَاجِرَةِ . يُقَالُ : لَقِيتُهُ صَكَّةَ عُمَيٍّ : أَيْ نِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَلَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْقَيْظِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَرَجَ وَقْتَئِذٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَيْهِ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي حَرْفِ الصَّادِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُغِيرُ عَلَى الصِّرْمِ فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ " أَيْ : فِي بَقِيَّةِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . [3/306] ( هـ ) وَفِيهِ : مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ شَاةٍ بَيْنَ رَبِيضَيْنِ ، تَعْمُو إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً ، يُقَالُ : عَمَا يَعْمُو إِذَا خَضَعَ وَذَلَّ ، مِثْلَ عَنَا يَعْنُو ، يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَمِيلُ إِلَى هَذِهِ وَإِلَى هَذِهِ .
لِعَصَبِيَّةٍ
( بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الصَّادِ ) ( عَصَبَ ) * فِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفِتَنَ وَقَالَ : فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَتْهُ أَبْدَالُ الشَّامِ وَعَصَائِبُ الْعِرَاقِ فَيَتْبَعُونَهُ . الْعَصَائِبُ : جَمْعُ عِصَابَةٍ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ ، وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ ، وَالْعَصَائِبُ بِالْعِرَاقِ " أَرَادَ أَنَّ التَّجَمُّعَ لِلْحُرُوبِ يَكُونُ بِالْعِرَاقِ . وَقِيلَ : أَرَادَ جَمَاعَةً مِنَ الزُّهَّادِ وَسَمَّاهُمْ بِالْعَصَائِبِ ; لِأَنَّهُ قَرَنَهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ . [3/244] ( هـ ) وَفِيهِ ثُمَّ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَمِيرُ الْعُصَبِ ، هِيَ جَمْعُ عُصْبَةٍ كَالْعِصَابَةِ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَكَى إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَقَالَ : اعْفُ عَنْهُ فَقَدْ كَانَ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ شَرِقَ بِذَلِكَ ، يُعَصِّبُوهُ ، أَيْ : يُسَوِّدُوهُ وَيُمَلِّكُوهُ . وَكَانُوا يُسَمُّونَ السَّيِّدَ الْمُطَاعَ : مُعَصَّبًا ; لِأَنَّهُ يُعَصَّبُ بِالتَّاجِ أَوْ تُعَصَّبُ بِهِ أُمُورُ النَّاسِ : أَيْ تُرَدُّ إِلَيْهِ وَتُدَارُ بِهِ . [ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْمُعَمَّمُ ] وَالْعَمَائِمُ : تِيجَانُ الْعَرَبِ ، وَتُسَمَّى الْعَصَائِبَ ، وَاحِدَتُهَا : عِصَابَةٌ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ ، وَهِيَ كُلُّ مَا عَصَبْتَ بِهِ رَأْسَكَ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ خِرْقَةٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ " فَإِذَا أَنَا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ " كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا جَاعَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشُدَّ جَوْفَهُ بِعِصَابَةٍ ، وَرُبَّمَا جَعَلَ تَحْتَهَا حَجَرًا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " فِرُّوا إِلَى اللَّهِ وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ " أَيْ بِمَا افْتَرَضَهُ عَلَيْكُمْ وَقَرَنَهُ بِكُمْ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ : ارْجِعُوا وَلَا تُقَاتِلُوا وَاعْصِبُوهَا بِرَأْسِي ، يُرِيدُ السُّبَّةَ الَّتِي تَلْحَقُهُمْ بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَالْجُنُوحِ إِلَى السَّلْمِ ، فَأَضْمَرَهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ ، أَيِ : اقْرُنُوا هَذِهِ الْحَالَ بِي وَانْسُبُوهَا إِلَيَّ وَإِنْ كَانَتْ ذَمِيمَةً . ( س ) وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ أَيْضًا لَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ ، أَيْ : رَكِبَهُ وَعَلِقَ بِهِ ، مِنْ : عَصَبَ الرِّيقُ فَاهُ إِذَا لَصِقَ بِهِ . وَيُرْوَى " عَصَمَ " بِالْمِيمِ ، وَسَيَجِيءُ . ( هـ ) وَفِي خُطْبَةِ الْحَجَّاجِ " لَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ " هِيَ شَجَرَةٌ وَرَقُهَا الْقَرَظُ ، وَيَعْسُرُ خَرْطُ وَرَقِهَا فَتُعْصَبُ أَغْصَانُهَا ; بِأَنْ تُجْمَعَ وَيُشَدَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِحَبْلٍ ، ثُمَّ تُخْبَطُ بِعَصًا فَيَتَنَاثَرُ وَرَقُهَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ إِذَا أَرَادُوا قَطْعَهَا حَتَّى يُمْكِنَهُمُ الْوُصُولُ إِلَى أَصْلِهَا . [3/245] ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةَ " إِنَّ الْعَصُوبَ يَرْفُقُ بِهَا حَالِبُهَا فَتَحْلُبُ الْعُلْبَةَ " ، الْعَصُوبُ مِنَ النُّوقِ : الَّتِي لَا تَدِرُّ حَتَّى يُعْصَبَ فَخِذَاهَا ، أَيْ : يُشَدَّانِ بِالْعِصَابَةِ . * وَفِيهِ : الْمُعْتَدَّةُ لَا تَلْبَسُ الْمُصَبَّغَةَ إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، الْعَصْبُ : بُرُودٌ يَمَنِيَّةٌ يُعْصَبُ غَزْلُهَا : أَيْ يُجْمَعُ وَيُشَدُّ ثُمَّ يُصْبَغُ وَيُنْسَجُ فَيَأْتِي مَوْشِيًّا لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَأْخُذْهُ صِبْغٌ . يُقَالُ : بُرْدٌ عَصْبٍ ، وَبُرُودٌ عَصْبٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ . وَقِيلَ : هِيَ بُرُودٌ مُخَطَّطَةٌ . وَالْعَصْبُ : الْفَتْلُ ، وَالْعَصَّابُ : الْغَزَّالُ ، فَيَكُونُ النَّهْيُ لِلْمُعْتَدَّةِ عَمَّا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ عَصْبِ الْيَمَنِ " ، وَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّهُ يُصْبَغُ بِالْبَوْلِ . ثُمَّ قَالَ : نُهِينَا عَنِ التَّعَمُّقِ . ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِثَوْبَانَ : اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصْبٍ ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي " الْمَعَالِمِ " : إِنْ لَمْ تَكُنِ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَا هِيَ ، وَمَا أُرَى أَنَّ الْقِلَادَةَ تَكُونُ مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ " الْعَصَبُ " بِفَتْحِ الصَّادِ ، وَهِيَ أَطْنَابُ مَفَاصِلِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَهُوَ شَيْءٌ مُدَوَّرٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَصَبَ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ فَيَقْطَعُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ شِبْهَ الْخَرَزِ ، فَإِذَا يَبِسَ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ الْقَلَائِدَ ، وَإِذَا جَازَ وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عِظَامِ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهَا الْأَسْوِرَةُ جَازَ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عَصَبِ أَشْبَاهِهَا خَرَزٌ تُنْظَمُ مِنْهُ الْقَلَائِدُ . قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ : أَنَّ الْعَصَبَ سِنُّ دَابَّةٍ تُسَمَّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ ، يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَزُ وَغَيْرُ الْخَرَزِ مِنْ نِصَابِ سِكِّينٍ وَغَيْرِهِ ، وَيَكُونُ أَبْيَضَ . * وَفِيهِ الْعَصَبِيُّ مَنْ يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ ، الْعَصَبِيُّ : هُوَ الَّذِي يَغْضَبُ لِعَصَبَتِهِ وَيُحَامِي عَنْهُمْ . وَالْعَصَبَةُ : الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَهُ وَيَعْتَصِبُ بِهِمْ : أَيْ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَشْتَدُّ بِهِمْ . [3/246] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ ، أَوْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً ، الْعَصَبِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ : الْمُحَامَاةُ وَالْمُدَافَعَةُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْعَصَبَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ لَمَّا أَقْبَلَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ وَسُئِلَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ : عَلِقْتُهُمْ إِنِّي خُلِقْتُ عُصْبَهْ قَتَادَةً تَعَلَّقَتْ بِنُشْبَهْ الْعُصْبَةُ : اللَّبْلَابُ ، وَهُوَ نَبَاتٌ يَتَلَوَّى عَلَى الشَّجَرِ . وَالنُّشْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ : الَّذِي إِذَا عَلِقَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكَدْ يُفَارِقُهُ . وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ الشَّدِيدِ الْمِرَاسِ : قَتَادَةٌ لُوِيَتْ بِعُصْبَةٍ . وَالْمَعْنَى خُلِقْتُ عُلْقَةً لِخُصُومِي . فَوَضَعَ الْعُصْبَةَ مَوْضِعَ الْعُلْقَةِ ، ثُمَّ شَبَّهَ نَفْسَهُ فِي فَرْطِ تَعَلُّقِهِ وَتَشَبُّثِهِ بِهِمْ بِالْقَتَادَةِ إِذَا اسْتَظْهَرَتْ فِي تَعَلُّقِهَا وَاسْتَمْسَكَتْ بِنُشْبَةٍ : أَيْ بِشَيْءٍ شَدِيدِ النُّشُوبِ . وَالْبَاءُ الَّتِي فِي " بِنُشْبَةٍ " لِلِاسْتِعَانَةِ ، كَالَّتِي فِي : كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ . * وَفِي حَدِيثِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ " فَنَزَلُوا الْعُصْبَةَ " وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ قُبَاءٍ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ . ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسِيرٍ [ فَرَفَعَ صَوْتَهُ ] فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ اعْصَوْصَبُوا أَيِ : اجْتَمَعُوا وَصَارُوا عِصَابَةً وَاحِدَةً وَجَدُّوا فِي السَّيْرِ ، وَاعْصَوْصَبَ السَّيْرُ : اشْتَدَّ ، كَأَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَصِيبِ وَهُوَ الشَّدِيدُ .
مِيتَةً
( مَوَتَ ) * فِي دُعَاءِ الِانْتِبَاهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أَمَاتَنَا ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ، سَمَّى النَّوْمَ مَوْتًا ، لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ الْعَقْلُ وَالْحَرَكَةُ ، تَمْثِيلًا وَتَشْبِيهًا ، لَا تَحْقِيقًا . وَقِيلَ : الْمَوْتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى السُّكُونِ . يُقَالُ : مَاتَتِ الرِّيحُ : أَيْ سَكَنَتْ . وَالْمَوْتُ يَقَعُ عَلَى أَنْوَاعٍ بِحَسَبِ أَنْوَاعِ الْحَيَاةِ ، فَمِنْهَا مَا هُوَ بِإِزَاءِ الْقُوَّةِ النَّامِيَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا . وَمِنْهَا زَوَالُ الْقُوَّةِ الْحِسِّيَّةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا . وَمِنْهَا زَوَالُ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ ، وَهِيَ الْجَهَالَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ، وَ : إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى . وَمِنْهَا الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ الْمُكَدِّرُ لِلْحَيَاةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ . وَمِنْهَا الْمَنَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا . وَقَدْ قِيلَ : الْمَنَامُ : الْمَوْتُ الْخَفِيفُ ، وَالْمَوْتُ : النَّوْمُ الثَّقِيلُ . وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْمَوْتُ لِلْأَحْوَالِ الشَّاقَّةِ ، كَالْفَقْرِ ، وَالذُّلِّ ، وَالسُّؤَالِ ، وَالْهَرَمِ ، وَالْمَعْصِيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " أَوَّلُ مَنْ مَاتَ إِبْلِيسُ " لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَى . ( س ) وَحَدِيثُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ " قِيلَ لَهُ : إِنَّ هَامَانَ قَدْ مَاتَ ، فَلَقِيَهُ ، فَسَأَلَ رَبَّهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَفْقَرْتُهُ فَقَدْ أَمَتُّهُ . ( س ) وَحَدِيثُ عُمَرَ " اللَّبَنُ لَا يَمُوتُ " أَرَادَ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا رَضَعَ امْرَأَةً مَيِّتَةً حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ وَلَدِهَا وَقَرَابَتِهَا مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ لَوْ كَانَتْ حَيَّةً وَقَدْ رَضِعَهَا . [4/370] وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِذَا فُصِلَ اللَّبَنُ مِنَ الثَّدْيِ وَأُسْقِيَهُ الصَّبِيُّ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِمُفَارَقَةِ الثَّدْيِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَا انْفَصَلَ مِنَ الْحَيِّ مَيِّتٌ إِلَّا اللَّبَنَ وَالشَّعْرَ وَالصُّوفَ ، لِضَرُورَةِ الِاسْتِعْمَالِ . * وَفِي حَدِيثِ الْبَحْرِ : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ : اسْمٌ لِمَا مَاتَ فِيهِ مِنْ حَيَوَانِهِ ، وَلَا تُكْسَرُ الْمِيمُ . * وَفِي حَدِيثِ الْفِتَنِ : فَقَدَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، هِيَ بِالْكَسْرِ حَالَةُ الْمَوْتِ : أَيْ كَمَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْفُرْقَةِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ : لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَحَزِّقِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ ، يُقَالُ : تَمَاوَتَ الرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ التَّخَافُتَ وَالتَّضَاعُفَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَالصَّوْمِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " رَأَى رَجُلًا مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ فَقَالَ : ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِمَرِيضٍ " . وَرَأَى رَجُلًا مُتَمَاوِتًا فَقَالَ : لَا تُمِتْ عَلَيْنَا دِينَنَا ، أَمَاتَكَ اللَّهُ . ( س ) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ كَادَ يَمُوتُ تَخَافُتًا ، فَقَالَتْ : مَا لِهَذَا ؟ فَقِيلَ : إِنَّهُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَقَالَتْ : كَانَ عُمَرُ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ ، كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ وَإِذَا قَالَ أَسْمَعَ وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ : أَرَى الْقَوْمَ مُسْتَمِيتِينَ ، أَيْ مُسْتَقْتِلِينَ وَهُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْمَوْتِ . ( س ) وَفِيهِ : يَكُونُ فِي النَّاسِ مُوتَانٌ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ، الْمُوتَانُ بِوَزْنِ الْبُطْلَانِ : الْمَوْتُ الْكَثِيرُ الْوُقُوعِ . * وَفِيهِ : مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، الْمَوَاتُ : الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُزْرَعْ وَلَمْ تُعْمَرْ ، وَلَا جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ أَحَدٍ . وَإِحْيَاؤُهَا : مُبَاشَرَةُ عِمَارَتِهَا ، وَتَأْثِيرُ شَيْءٍ فِيهَا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، يَعْنِي مَوَاتَهَا الَّذِي لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ . [4/371] وَفِيهِ لُغَتَانِ : سُكُونُ الْوَاوِ ، وَفَتْحُهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ . وَالْمَوَتَانُ أَيْضًا : ضِدُّ الْحَيَوَانِ . * وَفِيهِ " كَانَ شِعَارُنَا يَا مَنْصُورُ أَمِتْ " هُوَ أَمْرٌ بِالْمَوْتِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّفَاؤُلُ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْإِمَاتَةِ ، مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ لِلشِّعَارِ ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَامَةً بَيْنَهُمْ يَتَعَارَفُونَ بِهَا لِأَجْلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . * وَفِي حَدِيثِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ : مَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا ، أَيْ : فَلْيُبَالِغْ فِي طَبْخِهَما لِتَذْهَبَ حِدَّتُهُمَا وَرَائِحَتُهُمَا . * وَفِي حَدِيثِ الشَّيْطَانِ : أَمَّا هَمْزُهُ فَالْمُوتَةُ : يَعْنِي الْجُنُونَ . وَالتَّفْسِيرُ فِي الْحَدِيثِ . فَأَمَّا " غَزْوَةُ مُؤْتَةَ " فَإِنَّهَا بِالْهَمْزِ ، وَهِيَ مَوْضِعٌ مِنْ بَلَدِ الشَّامِ .
وَفَارَقَ
( فَرِقَ ) ( س هـ ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ : الْفَرَقُ " الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ : مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا ، أَوْ ثَلَاثَةُ آصُعٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ . وَقِيلَ : الْفَرَقُ خَمْسَةُ أَقْسَاطٍ ، وَالْقِسْطُ : نِصْفُ صَاعٍ ، فَأَمَّا الْفَرْقُ بِالسُّكُونِ فَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مَا أَسْكَرَ الْفَرْقُ مِنْهُ فَالْحُسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ " . ( هـ ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ " مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ فَرْقِ الْأَرُزِّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ " . [3/438] ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرُقِ عَسَلٍ فَرَقٌ " الْأَفْرُقُ : جَمْعُ قِلَّةٍ لِفَرَقٍ ، مِثْلَ جَبَلٍ وَأَجْبُلٍ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ " فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا " الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ : الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ . يُقَالُ : فَرِقَ يَفْرَقُ فَرَقًا . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ " أَبِاللَّهِ تُفَرِّقُنِي ؟ " أَيْ : تُخَوِّفُنِي . ( هـ ) وَفِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَقَ " أَيْ : إِنْ صَارَ شَعْرُهُ فِرْقَيْنِ بِنَفْسِهِ فِي مَفْرَقِهِ تَرَكَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَرِقْ لَمْ يَفْرِقْهُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ " لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ " قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي حَرْفِ الْجِيمِ وَالْخَاءِ مَبْسُوطًا . وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ بِالْكُوفَةِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَبِالْبَصْرَةِ أَرْبَعُونَ كَانَ عَلَيْهِ شَاتَانِ ؛ لِقَوْلِهِ : " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ " ; وَلَوْ كَانَ لَهُ بِبَغْدَادَ عِشْرُونَ وَبِالْكُوفَةِ عِشْرُونَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَلَوْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى ; إِنْ جُمِعَتْ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ ، وَإِنْ لَمْ تُجْمَعْ لَمْ تَجِبْ فِي كُلِّ بَلَدٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ . ( س ) وَفِيهِ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : " مَا لَمْ يَفْتَرِقَا " ، اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفَرُّقِ الَّذِي يَصِحُّ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِوُجُوبِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا : إِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَمَامِهِ " أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ [3/439] أَنْ يُتِمَّ الْبَيْعَ مَشَى خُطُوَاتٍ حَتَّى يُفَارِقَهُ " وَإِذَا لَمْ يُجْعَلِ التَّفَرُّقُ شَرْطًا فِي الِانْعِقَادِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبُولُ الْبَيْعِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ خِيَارُهُ ثَابِتٌ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ . وَالتَّفَرُّقُ وَالِافْتِرَاقُ سَوَاءٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ ، وَالِافْتِرَاقَ فِي الْكَلَامِ . يُقَالُ : فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَافْتَرَقَا ، وَفَرَّقْتُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَتَفَرَّقَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ " أَيْ : ذَهَبَ كُلٌّ مِنْكُمْ إِلَى مَذْهَبٍ وَمَالَ إِلَى قَوْلٍ وَتَرَكْتُمُ السُّنَّةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " فَرِّقُوا عَنِ الْمَنِيَّةِ وَاجْعَلُوا الرَّأْسَ رَأْسَيْنِ " يَقُولُ : إِذَا اشْتَرَيْتُمُ الرَّقِيقَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا تُغَالُوا فِي الثَّمَنِ ، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِ الرَّأْسِ الْوَاحِدِ رَأْسَيْنِ ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاحِدُ بَقِيَ الْآخَرُ ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ فَرَقْتُمْ مَالَكُمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ يُفَرِّقُ بِالشَّكِّ وَيَجْمَعُ بِالْيَقِينِ " يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَمْرٍ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَلَا يُعْلَمُ مَنِ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ ، فَكَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِنْ صُوَرِ الشَّكِّ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الشَّكِّ الْيَقِينُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا . * وَفِيهِ : مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ، مَعْنَاهُ كُلُّ جَمَاعَةٍ عَقَدَتْ عَقْدًا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَارِقَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ ، فَإِنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ " : أَيْ يَمُوتُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ . * وَفِي حَدِيثِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ : مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ، الْفُرْقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ : أَيْ أَنَّهُ فَارِقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْحَلَّالِ وَالْحَرَامِ . يُقَالُ : فَرَقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَفْرُقُ فَرْقًا وَفُرْقَانًا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ " أَيْ : يَفْرُقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بِتَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " أَنَّ اسْمَهُ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فَارِقُ لِيَطَا " أَيْ : يَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . [3/440] * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فَرَقَ لِي رَأْيٌ " أَيْ : بَدَا وَظَهَرَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الرِّوَايَةُ " فُرِقَ " عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . * وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ " قَالَ لَخَيْفَانَ : كَيْفَ تَرَكْتَ أَفَارِيقَ الْعَرَبِ ؟ " الْأَفَارِيقُ : جَمْعُ أَفْرَاقٍ ، وَأَفْرَاقٌ : جَمْعُ فِرْقٍ ، وَالْفِرْقُ وَالْفَرِيقُ وَالْفِرْقَةُ بِمَعْنًى . ( هـ ) وَفِيهِ : مَا ذِئْبَانِ عَادِيَانِ أَصَابَا فَرِيقَةَ غَنَمٍ ؟ الْفَرِيقَةُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ تَشِذُّ عَنْ مُعْظَمِهَا . وَقِيلَ : هِيَ الْغَنَمُ الضَّالَّةُ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ " سُئِلَ عَنْ مَالِهِ ، فَقَالَ : فِرْقٌ لَنَا وَذَوْدٌ " الْفِرْقُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ طَهْفَةَ " بَارِكْ لَهُمْ فِي مَذْقِهَا وَفِرْقِهَا " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَهُوَ مِكْيَالٌ يُكَالُ بِهِ اللَّبَنُ . ( س ) وَفِيهِ تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، أَيْ : قِطْعَتَانِ . * وَفِيهِ " عُدُّوا مَنْ أَفَرَقَ مِنَ الْحَيِّ " أَيْ : بَرَأَ مِنَ الطَّاعُونِ . يُقَالُ : أَفْرَقَ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ إِذَا أَفَاقَ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِلَّا فِي عِلَّةٍ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مَرَّةً ، كَالْجُدَرِيِّ وَالْحَصْبَةِ . * وَفِيهِ " أَنَّهُ وَصَفَ لِسَعْدٍ فِي مَرَضِهِ الْفَرِيقَةَ " هِيَ تَمْرٌ يُطْبَخُ بِحُلْبَةٍ ، وَهُوَ طَعَامٌ يُعْمَلُ لِلنُّفَسَاءِ .