حاشية السندي على سنن ابن ماجه · ج1 ص31٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِنْفَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ»
ــ
قَوْلُهُ: (صِنْفَانِ) الصِّنْفُ النَّوْعُ وَالصِّنْفَانِ مُبْتَدَأٌ قَوْلُهُ: (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) صِفَةٌ قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ) خَبَرُهُ وَرُبَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يُكَفِّرُ الْفَرِيقَيْنِ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُسَارَعَ إِلَى تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُتَأَوِّلِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ اخْتِيَارَ الْكُفْرِ وَقَدْ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ غَيْرُ مَا زَعَمُوا فَهُمْ إِذَنْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ وَالْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ نَظَرًا وَاحْتِيَاطًا فَيَجْرِي قَوْلُهُ لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ مَجْرَى الْإِشَاعَةِ فِي بَيَانِ سُوءِ حَظِّهِمْ وَقِلَّةِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ نَحْوَ قَوْلِكِ: لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبٌ انْتَهَى
قُلْتُ فِي صَلَاحِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الْفُرُوعِ نَظَرٌ كَمَا سَتَعْرِفُ فَضْلًا عَنِ الْأُصُولِ وَالْمَطْلُوبُ فِيهَا الْقَطْعُ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي التَّكْفِيرِ قَوْلُهُ: (الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا وَجَعْلُهُ بَدَلًا مِنْ صِنْفَانِ يُؤَدِّي إِلَى الْفَصْلِ بِأَجْنَبِيٍّ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرٍ لَهُمَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ الْبَدَلَ مِنَ الرَّابِطِ وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي مَشْهُورٌ فِي مِثْلِهِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ
وَالْمُرْجِئَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرْجَأْتُ الْأَمْرَ بِالْهَمْزَةِ وَأَرْجَيْتُ بِالْيَاءِ أَيْ أَخَّرْتُ وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْإِسْلَامِ يَعْتَقِدُونْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّهُ
لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْجَأَ تَعْذِيبَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَيْ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ وَبَعَّدَهُ وَقِيلَ: هُمُ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ كَالْجَمَادِ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونْ إِلَى اللَّهِ
وَالْقَدَرِيَّةُ بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ سُكُونِ الدَّالِ اشْتَهَرَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مَنْ يَقُولُ بِالْقَدَرِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَرِ وَأَقَامُوا الْأَدِلَّةَ بِزَعْمِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوَغَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى اشْتُهِرُوا بِهَذَا الِاسْمِ وَبِسَبَبِ تَوَغُّلِهِمْ وَكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِمْ صَارُوا هُمْ أَحَقَّ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمُثْبِتَ أَحَقُّ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مِنَ النَّافِي عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا النَّافِي فَانْدَفَعَ تَوَهُّمُ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُثْبِتُ لِلْقَدَرِ لَا النَّافِي ثُمَّ الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَطَرِيقٍ آخَرَ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِطَرِيقٍ آخَرَ وَزَعَمَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ بُعْدَهُ وَبَيَّنْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ ثُمَّ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ بِمَا يُبْعِدُهُ عَنِ الْوَضْعِ وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْحُسْنِ وَجَعَلَ نَظَرَهُمَا هُوَ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ وَالْحَدِيثُ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ بِطَرِيقِ مُعَاذِ وَكَثْرَةُ الطُّرُقِ تُفِيدُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْفَعُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فِي الْأُصُولِ.