حاشية السندي على سنن ابن ماجه · ج1 ص538[بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَبْتَدِئُ الِاعْتِكَافَ وَقَضَاءِ الِاعْتِكَافِ]
١٧٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِخِبَاءٍ فَضُرِبَ لَهَا وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ بِخِبَاءٍ فَضُرِبَ لَهَا فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهُمَا أَمَرَتْ بِخِبَاءٍ فَضُرِبَ لَهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ»
ــ
قَوْلُهُ: (صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ إِلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَشْرَعُ فِي الِاعْتِكَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَشْرَعُ مِنْ لَيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ قَوْمٌ إِلَّا أَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَشْرَعُ مِنْ صُبْحِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَيَحُثُّ الصَّحَابَةَ عَلَيْهِ وَعَدَدُ الْعَشْرِ عَدَدُ اللَّيَالِي فَتَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلَةُ الْأُولَى وَإِلَّا لَا يُتِمُّ هَذَا الْعَدَدَ أَصْلًا وَأَيْضًا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُطْلَبُ بِالِاعْتِكَافِ إِدْرَاكُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا فِيهَا لَا أَنْ يَعْتَكِفَ بَعْدَهَا وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ بِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَانْقَطَعَ فِيهِ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ بَلْ كَانَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي جُمْلَةِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا أَصْبَحَ انْفَرَدَ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْمُعْتَكَفَ حِينَ يُرِيدُ الِاعْتِكَافَ لَا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الشُّرُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ فِي اللَّيْلِ وَأَيْضًا الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الشُّرُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِكَيْفِيَّةِ الشُّرُوعِ ثُمَّ لَازِمُ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يُقَالَ السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَلْبَثَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُلَ فِي الْمُعْتَكَفِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الصُّبْحِ وَلَا يَلْزَمُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ وَعِنْدَ تَرْكِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ وَالْجُمْهُورُ لَا يَقُولُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ وَأَجَابَ الْقَاضِي
أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرُوا بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً قَبْلَ الْعَشْرِ قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّظَرُ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ أَوْلَى وَبِالِاعْتِمَادِ أَحْرَى بَقِيَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ الشُّرُوعَ فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ صُبْحِ الْعِشْرِينَ اسْتِظْهَارًا بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَا بَعْدُ فِي الْتِزَامِهِ وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ لَا يُنَافِيهِ فَإِنَّهُمْ مَا تَعَرَّضُوا لَهُ لَا إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لِدُخُولِهِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَهُوَ حَاصِلُ غَايَةِ الْأَمْرِ أَنَّ قَوَاعِدَهُمْ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ سُنَّةً عِنْدَهُمْ فَلْنَقُلْ وَعَدَمُ التَّعَرُّضِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْعَدَمِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِيرَادِ يَرُدُّ عَلَى جَوَابِ النَّوَوِيِّ مَعَ ظُهُورِ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: (خِبَاءٍ) بِكَسْرٍ وَمَدٍّ فِي الصِّحَاحِ هُوَ وَاحِدُ الْأَخْبِيَةِ وَهُوَ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ وَهُوَ عَلَى عَمُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ قَوْلُهُ: (آلْبِرَّ تُرِدْنَ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ مِثْلَ ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ وَالْبِرَّ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ تُرِدْنَ أَيْ مَا أَرَدْنَ الْبِرَّ وَإِنَّمَا أَرَدْنَ قَضَاءَ مُقْتَضَى الْغَيْرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ