- أَقْصَاهُمْ
- ( قَصَا ) ( س ) فِيهِ : الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، أَيْ : أَبْعَدُهُمْ ، وَذَلِكَ فِي الْغَزْوِ ، إِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَوَجَّهَ الْإِمَامُ مِنْهُ السَّرَايَا ، فَمَا غَنِمَتْ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَتْ مِنْهُ مَا سُمِّيَ لَهَا ، وَرُدَّ مَا بَقِيَ عَلَى الْعَسْكَرِ ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْغَنِيمَةَ رِدْءٌ لِلسَّرَايَا وَظَهْرٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ . [4/75] ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ : " كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ تَقَصَّيْتُهَا " أَيْ : صِرْتُ فِي أَقْصَاهَا وَهُوَ غَايَتُهَا ، وَالْقَصْوُ : الْبُعْدُ ، وَالْأَقْصَى : الْأَبْعَدُ . * وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ ، قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ لَقَبُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْقَصْوَاءُ : النَّاقَةُ الَّتِي قُطِعَ طَرَفُ أُذُنِهَا ، وَكُلُّ مَا قُطِعَ مِنَ الْأُذُنِ فَهُوَ جَدْعٌ ، فَإِذَا بَلَغَ الرُّبْعَ فَهُوَ قَصْعٌ ، فَإِذَا جَاوَزَهُ فَهُوَ عَضْبٌ ، فَإِذَا اسْتُؤْصِلَتْ فَهُوَ صَلْمٌ ، يُقَالُ : قَصَوْتُهُ قَصْوًا فَهُوَ مَقْصُوٌّ ، وَالنَّاقَةُ قَصْوَاءُ ، وَلَا يُقَالُ بَعِيرٌ أَقْصَى . وَلَمْ تَكُنْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْوَاءَ ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لَقَبًا لَهَا ، وَقِيلَ : كَانَتْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ نَاقَةٌ تُسَمَّى : " الْعَضْبَاءَ " ، وَنَاقَةٌ تُسَمَّى : " الْجَدْعَاءَ " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : " صَلْمَاءَ " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " مُخَضْرَمَةً " هَذَا كُلُّهُ فِي الْأُذُنِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ صِفَةَ نَاقَةٍ مُفْرَدَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ صِفَةَ نَاقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَسَمَّاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا تَخَيَّلَ فِيهَا . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَلِّغُ أَهْلَ مَكَّةَ سُورَةَ بَرَاءَةٍ ، فَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَكِبَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْقَصْوَاءَ " ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ : " الْعَضْبَاءَ " وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا : " الْجَدْعَاءَ " فَهَذَا يُصَرِّحُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ صِفَةُ نَاقَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَةٍ جَدْعَاءَ وَلَيْسَتْ بِالْعَضْبَاءِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ . * وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ : " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْجَدْعَاءُ " . ( س ) وَفِيهِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ ، يَأْخُذُ الْقَاصِيَةَ وَالشَّاذَّةَ ، الْقَاصِيَةُ : الْمُنْفَرِدَةُ عَنِ الْقَطِيعِ الْبَعِيدَةُ مِنْهُ ، يُرِيدُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْخَارِجِ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ .
- بِذِمَّتِهِمْ
- ( ذَمَمَ ) * قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الذِّمَّةِ وَالذِّمَامِ وَهُمَا بِمَعْنَى الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ وَالضَّمَانِ وَالْحُرْمَةِ وَالْحَقِّ . وَسُمِّيَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لِدُخُولِهِمْ فِي عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَانِهِمْ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَيْ : إِذَا أَعْطَى أَحَدُ الْجَيْشِ الْعَدُوَّ أَمَانًا جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْفِرُوهُ ، وَلَا أَنْ يَنْقُضُوا عَلَيْهِ عَهْدَهُ . وَقَدْ أَجَازَ عُمَرُ أَمَانَ عَبْدٍ عَلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي دُعَاءِ الْمُسَافِرِ اقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ أَيِ ارْدُدْنَا إِلَى أَهْلِنَا آمِنِينَ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ أَيْ إِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ اللَّهِ عَهْدًا بِالْحِفْظِ وَالْكَلَاءَةِ ، فَإِذَا أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، أَوْ فَعَلَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ ، أَوْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ خَذَلَتْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى . * وَفِيهِ لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَرَضِيَهُمْ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَمَالِيكُ وَأَرَضُونَ وَحَالٌ حَسَنَةٌ ظَاهِرَةٌ كَانَ أَكْثَرَ لِجِزْيَتِهِمْ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى قَدْرِ الْحَالِ ، وَقِيلَ فِي شِرَاءِ أَرَضِيهِمْ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِأَجْلِ الْخَرَاجِ الَّذِي يَلْزَمُ الْأَرْضَ لِئَلَّا يَكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا اشْتَرَاهَا فَيَكُونَ ذُلًّا وَصَغَارًا . * وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ قِيلَ لَهُ : مَا يَحِلُّ مِنْ ذِمَّتِنَا أَرَادَ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ . [2/169] * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ذِمَّتِي رَهِينَةٌ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أَيْ ضَمَانِي وَعَهْدِي رَهْنٌ فِي الْوَفَاءِ بِهِ . ( هـ ) وَفِيهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ ؟ فَقَالَ : غُرَّةٌ : عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ الْمَذَمَّةُ بِالْفَتْحِ مَفْعَلَةٌ مِنَ الذَّمِّ ، وَبِالْكَسْرِ مِنَ الذِّمَّةِ وَالذِّمَامِ . وَقِيلَ : هِيَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْحَقُّ وَالْحُرْمَةُ الَّتِي يُذَمُّ مُضَيِّعُهَا . وَالْمُرَادُ بِمَذَمَّةِ الرَّضَاعِ : الْحَقُّ اللَّازِمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ ، فَكَأَنَّهُ سَأَلَ مَا يُسْقِطُ عَنِّي حَقَّ الْمُرْضِعَةِ حَتَّى أَكُونَ قَدْ أَدَّيْتُهُ كَامِلًا ؟ وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُعْطُوا لِلْمُرْضِعَةِ عِنْدَ فِصَالِ الصَّبِيِّ شَيْئًا سِوَى أُجْرَتِهَا . ( هـ ) وَفِيهِ خِلَالُ الْمَكَارِمِ كَذَا وَكَذَا وَالتَّذَمُّمُ لِلصَّاحِبِ هُوَ أَنْ يَحْفَظَ ذِمَامَهُ وَيَطْرَحَ عَنْ نَفْسِهِ ذَمَّ النَّاسِ لَهُ إِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ . ( هـ ) وَفِيهِ أُرِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي مَنَامِهِ احْفِرْ زَمْزَمَ لَا تُنْزَفُ وَلَا تُذَمُّ أَيْ لَا تُعَابُ ، أَوْ لَا تُلْفَى مَذْمُومَةً ، مِنْ قَوْلِكَ : أَذْمَمْتُهُ : إِذَا وَجَدْتَهُ مَذْمُومًا . وَقِيلَ : لَا يُوجَدُ مَاؤُهَا قَلِيلًا ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بِئْرٌ ذَمَّةٌ : إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَتَيْنَا عَلَى بِئْرٍ ذَمَّةٍ فَنَزَلْنَا فِيهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَذْمُومَةٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ طَلَعَ فِي طَرِيقٍ مُعْوِرَةٍ حَزْنَةٍ ، وَإِنَّ رَاحِلَتَهُ أَذَمَّتْ أَيِ انْقَطَعَ سَيْرُهَا ، كَأَنَّهَا حَمَلَتِ النَّاسَ عَلَى ذَمِّهَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَّانِي تِلْكَ ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ أَيْ حَبَسَتْهُمْ لِضَعْفِهَا وَانْقِطَاعِ سَيْرِهَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمِقْدَادِ حِينَ أَحْرَزَ لِقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا فِيهَا فَرَسٌ أَذَمُّ أَيْ كَالٌّ قَدْ أَعْيَا فَوَقَفَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ الْحُوتَ قَاءَهُ رَذِيَّا ذَمًّا أَيْ مَذْمُومًا شِبْهَ الْهَالِكِ ، وَالذَّمُّ وَالْمَذْمُومُ وَاحِدٌ . * وَفِي حَدِيثِ الشُّؤْمِ وَالطِّيَرَةِ ذَرُوهَا ذَمِيمَةً أَيِ اتْرُكُوهَا مَذْمُومَةً ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُوِلَةٍ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إِبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إِنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ سُكْنَى الدَّارِ ، [2/170] فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَزَالَ مَا خَامَرَهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ . * وَفِي حَدِيثِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذِمَامَةٌ أَيْ حَيَاءٌ وَإِشْفَاقٌ ، مِنَ الذَّمِّ وَاللَّوْمِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ صَيَّادٍ فَأَصَابَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ .
- تَتَكَافَأُ
- ( بَابُ الْكَافِ مَعَ الْفَاءِ ) ( كَفَأَ ) ( هـ ) فِيهِ : الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، أَيْ : تَتَسَاوَى فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ . وَالْكُفْءُ : النَّظِيرُ وَالْمُسَاوِي ، وَمِنْهُ الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُسَاوِيًا لِلْمَرْأَةِ فِي حَسَبِهَا وَدِينِهَا وَنَسَبِهَا وَبَيْتِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : كَانَ لَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ : مَعْنَاهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى رَجُلٍ نِعْمَةً فَكَافَأَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَبِلَ ثَنَاءَهُ ، وَإِذَا أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْهَا . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : هَذَا غَلَطٌ ، إِذْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَنْفَكُّ مِنْ إِنْعَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلنَّاسِ كَافَّةً ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا مُكَافِئٌ وَلَا غَيْرُ مُكَافِئٍ . وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَرْضٌ لَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : لَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ [4/181] إِسْلَامِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ ؛ أَيْ : مِنْ مُقَارِبٍ غَيْرِ مُجَاوِزٍ حَدَّ مِثْلِهِ وَلَا مُقَصِّرٍ عَمَّا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ : عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، يَعْنِي : مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي السِّنِّ ؛ أَيْ : لَا يُعَقُّ عَنْهُ إِلَّا بِمُسِنَّةٍ ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَكُونَ جَذَعًا كَمَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا . وَقِيلَ : مُكَافِئَتَانِ ؛ أَيْ : مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُتَقَارِبَتَانِ ، وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ الْأَوَّلَ . وَاللَّفْظَةُ " مُكَافِئَتَانِ " بِكَسْرِ الْفَاءِ ، يُقَالُ : كَافَأَهُ يُكَافِئُهُ فَهُوَ مُكَافِئُهُ ؛ أَيْ : مُسَاوِيهِ . قَالَ : وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ : " مُكَافَأَتَانِ " بِالْفَتْحِ ، وَأَرَى الْفَتْحَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ شَاتَيْنِ قَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا ، أَوْ مُسَاوًى بَيْنَهُمَا . وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ أَيَّ شَيْءٍ سَاوَيا ، وَإِنَّمَا لَوْ قَالَ " مُتَكَافِئَتَانِ " كَانَ الْكَسْرُ أَوْلَى . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُكَافِئَتَيْنِ والْمُكَافَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ إِذَا كَافَأَتْ أُخْتَهَا فَقَدْ كُوفِئَتْ ، فَهِيَ مُكَافِئَةٌ وَمُكَافَأَةٌ . أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ : مُعَادِلَتَانِ لِمَا يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ مِنَ الْأَسْنَانِ ، وَيَحْتَمِلُ مَعَ الْفَتْحِ أَنْ يُرَادَ مَذْبُوحَتَانِ ، مِنْ كَافَأَ الرَّجُلُ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ، إِذَا نَحَرَ هَذَا ثُمَّ هَذَا مَعًا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ شَاتَيْنِ يَذْبَحُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . * وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ : وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ أَيْ : جِبْرِيلُ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا مِثْلٌ . [4/182] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : مَنْ يُكَافِئُ هَؤُلَاءِ ؟ ( س ) وَحَدِيثُ الْأَحْنَفِ : " لَا أُقَاوِمُ مَنْ لَا كِفَاءَ لَهُ " يَعْنِي : الشَّيْطَانَ ، وَيُرْوَى : " لَا أُقَاوِلُ " . [ هـ ] وَفِيهِ : لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا ، هُوَ تَفْتَعِلُ ، مِنْ كَفَأْتُ الْقِدْرَ ، إِذَا كَبَبْتَهَا لِتُفْرِغَ مَا فِيهَا ، يُقَالُ : كَفَأْتُ الْإِنَاءَ وَأَكْفَأْتُهُ إِذَا كَبَبْتَهُ ، وَإِذَا أَمَلْتَهُ . وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِإِمَالَةِ الضَّرَّةِ حَقَّ صَاحِبَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا إِلَى نَفْسِهَا إِذَا سَأَلَتْ طَلَاقَهَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْهِرَّةِ : " أَنَّهُ كَانَ يُكْفِئُ لَهَا الْإِنَاءَ " ؛ أَيْ : يُمِيلُهُ لِتَشْرَبَ مِنْهُ بِسُهُولَةٍ . ( س ) وَحَدِيثُ الْفَرَعَةِ : " خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ يَلْصَقُ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ ، وَتُكْفِئُ إِنَاءَكَ وَتُوَلِّهُ نَاقَتَكَ " أَيْ : تَكُبُّ إِنَاءَكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَكَ لَبَنٌ تَحْلُبُهُ فِيهِ . ( س ) وَحَدِيثُ الصِّرَاطِ : آخِرُ مَنْ يَمُرُّ رَجُلٌ يَتَكَفَّأُ بِهِ الصِّرَاطُ ، أَيْ : يَتَمَيَّلُ وَيَنْقَلِبُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ [ دُعَاءِ ] الطَّعَامِ : " غَيْرُ مُكْفَئٍ وَلَا مُوَدَّعٍ رَبَّنَا " أَيْ : غَيْرُ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الطَّعَامِ . وَقِيلَ : " مَكْفِيٌّ " مِنَ الْكِفَايَةِ ، فَيَكُونُ مِنَ الْمُعْتَلِّ ، يَعْنِي : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُطْعِمُ وَالْكَافِي ، وَهُوَ غَيْرُ مُطْعَمٍ وَلَا مَكْفِيٍّ ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ " وَلَا مُوَدَّعٍ " أَيْ : غَيْرِ مَتْرُوكِ الطَّلَبِ إِلَيْهِ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " رَبَّنَا " فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ مَنْصُوبًا عَلَى النِّدَاءِ الْمُضَافِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ ، وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ ؛ أَيْ : رَبُّنَا غَيْرُ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ رَاجِعًا إِلَى الْحَمْدِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ؛ أَيْ : عَنِ الْحَمْدِ . [4/183] * وَفِي حَدِيثِ الضَّحِيَّةِ : ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا ، أَيْ مَالَ وَرَجَعَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ " . * وَفِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ : وَتَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً ، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ . وَفِي رِوَايَةٍ : يَتَكَفَّؤُهَا ، يُرِيدُ الْخُبْزَةَ التِّي يَصْنَعُهَا الْمُسَافِرُ وَيَضَعُهَا فِي الْمَلَّةِ ، فَإِنَّهَا لَا تُبْسَطُ كَالرُّقَاقَةِ ، وَإِنَّمَا تُقْلَبُ عَلَى الْأَيْدِي حَتَّى تَسْتَوِيَ . [ هـ ] وَفِي صِفَةِ مَشْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّى تَكَفِّيًا ، أَيْ : تَمَايَلَ إِلَى قُدَّامٍ ، هَكَذَا رُوِيَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ ، وَالْأَصْلُ الْهَمْزُ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ مَهْمُوزًا ؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّحِيحِ تَفَعُّلٌ ، كَتَقَدَّمَ تَقَدُّمًا وَتَكَفَّأَ تَكَفُّأً ، وَالْهَمْزَةُ حَرْفٌ صَحِيحٌ ، فَأَمَّا إِذَا اعْتَلَّ انْكَسَرَتْ عَيْنُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ ، نَحْوُ : تَحَفَّى تَحَفِّيًا ، وَتَسَمَّى تَسَمِّيًا ، فَإِذَا خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ الْتَحَقَتْ بِالْمُعْتَلِّ ، وَصَارَ تَكَفِّيًا ، بِالْكَسْرِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : " وَلَنَا عَبَاءَتَانِ نُكَافِئُ بِهِمَا عَيْنَ الشَّمْسِ " أَيْ : نُدَافِعُ ، مِنَ الْمُكَافَأَةِ : الْمُقَاوَمَةُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ : رَأَى شَاةً فِي كِفَاءِ الْبَيْتِ ، هُوَ شُقَّةٌ أَوْ شُقَّتَانِ تُخَاطُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي مُؤَخَّرِ الْبَيْتِ ، وَالْجَمْعُ : أَكْفِئَةٌ ، كَحِمَارٍ ، وَأَحْمِرَةٍ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : " أَنَّهُ انْكَفَأَ لَوْنُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ " أَيْ : تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ : " مَا لِي أَرَى لَوْنَكَ مُنْكَفِئًا ؟ قَالَ : مِنَ الْجُوعِ " . ( هـ ) وَفِيهِ : " أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مَعْدِنًا بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِعٍ ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ : إِنَّكَ اشْتَرَيْتَ ثَلَاثَمِائَةِ شَاةٍ أُمَّهَاتُهَا مِائَةٌ ، وَأَوْلَادُهَا مِائَةٌ ، وَكُفْأَتُهَا مِائَةٌ " أَصْلُ الْكُفْأَةِ فِي الْإِبِلِ : أَنْ تُجْعَلَ قِطْعَتَيْنِ يُرَاوَحُ بَيْنَهُمَا في النتاج ، يُقَالُ : أَعْطِنِي كُفْأَةَ نَاقَتِكَ وَكَفْأَتَهَا ؛ أَيْ : نِتَاجَهَا ، وَأَكْفَأْتُ إِبِلِي كُفْأَتَيْنِ ، إِذَا جَعَلْتَهَا نِصْفَيْنِ يُنْتَجُ كُلَّ عَامٍ نِصْفُهَا وَيُتْرَكُ نِصْفُهَا ، وَهُوَ أَفْضَلُ النِّتَاجِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِالْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ . [4/184] وَيُقَالُ : وَهَبْتُ لَهُ كُفْأَةَ نَاقَتِي ؛ أَيْ : وَهَبْتُ لَهُ لَبَنَهَا وَوَلَدَهَا وَوَبَرَهَا سَنَةً . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : جَعَلْتُ كُفْأَةَ مِائَةِ نِتَاجٍ ، فِي كُلِّ نِتَاجٍ مِائَةٌ ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تُجْعَلُ قِطْعَتَيْنِ ، وَلَكِنْ يُنْزَى عَلَيْهَا جَمِيعًا وَتَحْمِلُ جَمِيعًا ، وَلَوْ كَانَتْ إِبِلًا كَانَتْ كُفْأَةُ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ خَمْسِينَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ النَّابِغَةِ : " أَنَّهُ كَانَ يُكْفِئُ فِي شِعْرِهِ " الْإِكْفَاءُ فِي الشِّعْرِ : أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ حَرَكَاتِ الرَّوِيِّ رَفْعًا وَنَصْبًا وَجَرًّا ، وَهُوَ كَالْإِقْوَاءِ . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ قَوَافِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُ حَرْفًا وَاحِدًا .