HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب كتابة العلم

رقم الحديث 114

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص34
ج 1 ص 34

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح مسلم, مسند أحمد
فتح الباري · ابن حجر · ج1 ص208
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ، وَالْإِذْنَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْإِذْنَ فِي تَفْرِيقِهِمَا، أَوِ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالْإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا. وَقِيلَ: النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الْحِفْظِ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ: الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا، لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتِ الْهِمَمُ وَخَشِيَ الْأَئِمَّةُ ضَيَاعَ الْعِلْمِ دَوَّنُوهُ، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ ثُمَّ التَّصْنِيفُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. [الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٧٣٦٦، ٥٦٦٩، ٤٤٣٢، ٤٤٣١، ٣١٦٨، ٣٠٥٣] قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (لَمَّا اشْتَدَّ) أَيْ: قَوِيَ. قَوْلُهُ: (وَجَعُهُ) أَيْ: فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ الْوَفَاةُ وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. قَوْلُهُ: (بِكِتَابٍ) أَيْ: بِأَدَوَاتِ الْكِتَابِ، فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ وَالْمُرَادُ بِالْكَتِفِ عَظْمُ الْكَتِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهَا. قَوْلُهُ: (أَكْتُبْ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَفِيهِ مَجَازٌ أَيْضًا، أَيْ: آمُرُ بِالْكِتَابَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِطَبَقٍ - أَيْ: كَتِفٍ - يَكْتُبُ مَا لَا تَضِلُّ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ. قَوْلُهُ: (كِتَابًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: بِكِتَابٍ فِيهِ الْجِنَاسُ التَّامُّ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمَجَازِ. قَوْلُهُ: (لَا تَضِلُّوا) هُوَ نَفْيُ وَحُذِفَتِ النُّونِ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ جَوَابِ الْأَمْرِ، وَتَعَدُّدُ جَوَابِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ جَائِزٌ. قَوْلُهُ: (غَلَبَهُ الْوَجَعُ) أَيْ: فَيَشُقُّ عَلَيْهِ إِمْلَاءُ الْكِتَابِ أَوْ مُبَاشَرَةُ الْكِتَابَةِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّطْوِيلَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: ائْتُونِي أَمْرٌ، وَكَانَ حَقُّ الْمَأْمُورِ أَنْ يُبَادِرَ لِلِامْتِثَالِ، لَكِنْ ظَهَرَ لِعُمَرَ ﵁ مَعَ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُكَلِّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ اسْتِحْضَارِهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. وَظَهَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكْتَبَ لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَدَلَّ أَمْرُهُ لَهُمَ بِالْقِيَامِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَلِهَذَا عَاشَ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَمْ يُعَاوِدْ أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتْرُكْهُ لِاخْتِلَافِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ التَّبْلِيغَ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمَ امْتَثَلُوا. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ عُدَّ هَذَا مِنْ مُوَافَقَةِ عُمَرَ ﵁. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ، فَقِيلَ: كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يَنُصُّ فِيهِ عَلَى الْأَحْكَامِ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلَافُ، وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَسَامِي الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ، قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي أَوَائِلِ مَرَضِهِ وَهُوَ عِنْدَ عَائِشَةَ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْمُصَنِّفِ مَعْنَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ عُمَرَ: كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. أَيْ: كَافِينَا. مَعَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ عُمَرُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَصَّ بِمَا يُزِيلُ الْخِلَافِ لَبَطَلَتْ فَضِيلَةُ الْعُلَمَاءِ وَعُدِمَ الِاجْتِهَادُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى شَيْءٍ أَوْ أَشْيَاءَ لَمْ يَبْطُلِ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا خَافَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ مَا يَكْتُبُهُ فِي حَالَةِ غَلَبَةِ الْمَرَضِ فَيَجِدُ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى كَانَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ مَا اخْتَارَهُ عُمَرُ صَوَابًا إِذْ لَمْ يَتَدَارَكْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا، وَتَمَسَّكَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فَلَمْ يُصَلُّوا، فَمَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِ الِاجْتِهَادِ الْمُسَوِّغِ وَالْمَقْصِدِ الصَّالِحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ خَرَجَ قَائِلًا هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْوَاقِعِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِرُ، بَلْ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَمَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهِ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ. وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. وَجَزَمَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ بِمَا قُلْتُهُ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ، إِلَّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو فَهُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا حَدَّثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ خَرَجَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. . . إِلَخْ. وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ تَابِعِيٌّ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ سَمِعَهَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (الرَّزِيئَةُ) هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا يَاءٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ وَتُشَدَّدُ الْيَاءُ، وَمَعْنَاهَا الْمُصِيبَةُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ أَيْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ كِتَابَةِ الْكِتَابِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَعَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي حِرْمَانِ الْخَيْرِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ فِيهِ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (تَنْبِيهٌ): قَدَّمَ حَدِيثَ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَطْرُقُهُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَتَبَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِذْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْجَوَازِ مِنَ الْأَمْرِ أَنْ يَكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَنْ يَكُونُ أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ هَمَّ أَنْ يَكْتُبَ لِأُمَّتِهِ كِتَابًا يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ لَا يَهُمُّ إِلَّا بِحَقٍّ.