HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٢٥٢

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: «أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ. ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص60
ج ١ ص ٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح مسلم وغيرها
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج١ ص٢٢٢
٥١ - ابن عباس: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد منهم لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حيت تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. ومقصود بإيراد هذه الجملة من حديث هرقل: أن الإيمان يزيد حتى يتم، وأن الدين هو الإيمان؛ فإنه سأله: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ ثم أجاب بأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. والبشاشة: الفرح والاستبشار، ومنه حديث: « لا يوطن أحد المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم » . فدل على أن الإسلام والدين واحد؛ ولك لم يرد بزيادة الإيمان هنا إلا زيادة أهله، وبتمامه قوة أهله وتمكنهم من إظهاره والدعوة إليه. وكلام هرقل - وإن كان لا يحتج به في مثل هذه المسائل العظيمة من أصول الديانات التي وقع الاضطراب فيها - فإن ابن عباس روى هذا الكلام مقررا له مستحسنا وتلقاه عنه التابعون، وعن التابعين أتباعهم كالزهري. فالاستدلال إنما بتداول الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلام وروايته واستحسانه، والله ﷾ أعلم. ٣٩ - فصل خرج البخاري ومسلم من حديث: ٥١ - النعمان بن بشير قال : سمعت النبي ﷺ يقول: « الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل: إنه ثلث العلم أو ربعه. وهو حديث (٢١٣ - أ / ف) صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس ؛ وحديث النعمان أصح أحاديث الباب. ومعنى الحديث: أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي ﷺ لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين: أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين. ومنه: ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك كله ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك. القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم أما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما، وهذا معنى الحديث الآخر: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى، كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه: « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها م الحرام وبعدها عنه. وقد يقع الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه. وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين. وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات . وغيرها من المكيلات، والموزونات والنقود. فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب، ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة، ومن اشتبهت عليه فلم يتقها؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقعه. وفي رواية: « ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ». ومعنى هذا: أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة (٢١٣ - ب / ف) فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في رواية: « ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر » يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه. ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال ولم يتعدوه، وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر. وقوله: « ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه »، وفي رواية: « ألا وإن حمى الله محارمه » : ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى؛ وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات كما يحرم الخلوة بالأجنبية وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكما يمنع من تحرك القبلة شهوته في صيامه من القبلة، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار ما بين سرتها وركبتها، وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم فصاد فيه فإنه يضمن في الصورتين على الأصح. وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها. وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه. ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح فلم تنبعث إلى طاعة الله واجتناب سخطه فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعث في معاصي الله ﷿ وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه. والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه. وقد بوب البخاري على هذا (٢١٤ - أ / ف) الحديث: باب « فضل من استبرأ لدينه ». والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبرىء لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيا نزها بريا، وتارة يكون دنسا متلوثا. والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى. هذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو فإنه يوصف بالنزاهة. قال أبو هريرة: الإيمان نزه، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. خرجه الإمام أحمد في كتاب « الإيمان » ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك . بسم الله الرحمن الرحيم قالَ البخاري - رحمه الله تعالى -: ٥ - كِتَابُ الغُسْلِ وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٤٣] . صدر البخاري - ﵀ - «كتاب الغسل» بهاتين الآيتين؛ لأن غسل الجنابة مذكور فيهما. أما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فأمر للجنب إذا قام إلى الصلاة أن يتطهر. وتطهر الجنب هوَ غسله، كما في تطهر الحائض إذا انقطع دمها؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . والمراد بتطهرهن: اغتسالهن عندَ جمهور العلماء، فلا يباح وطؤها حتى تغتسل، وسيأتي تفسير الآية في «كتاب الحيض» - إن شاء الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فنهي عن قربان الجنب الصلاة حتى يغتسل، فصرح هنا بالغسل، وهو تفسير التطهير المذكور في آية المائدة. وهل المراد: نهي الجنب عن قربان الصلاة حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا - وهو عابر السبيل - فيعدم الماء، فيصلى بالتيمم؟ أو المراد: نهي الجنب عن قربان موضع الصلاة - وهو المسجد - إلا عابر سبيل فيهِ، غير جالس فيهِ، ولا لابث؟ هذا مما اختلف فيهِ المفسرون من السلف. وبكل حال؛ فالآية تدل على أن الجنب ما لم يغتسل منهي عن الصلاة، أو دخول المسجد، وأن استباحة ذَلِكَ يتوقف على الغسل، فيستدل به على وجوب الغسل على الجنب إذا أراد الصلاة، أو دخول المسجد. ١ - بَابُ الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ خرج في حديثين: الحديث الأول: ٢٤٨ - حديث: مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كانَ إذا أغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. غسل اليدين [٠٠ ٠] قبل الوضوء شبه غسلهما للمتوضيء قبل إدخالهما في الإناء. وروى هذا الحديث وكيع، عن هشام، وقال في حديثه: «يغسل يديه ثلاثًا» . خرجه مسلم من طريقه كذلك. واستحسن أحمد هذه الزيادة من وكيع. وقال أبو الفضل ابن عمار: ليست عندنا بمحفوظة. قلت: تابعه - أيضا - على ذكر الثلاث في غسل الكفين: مبارك بن فضالة، عن هشام. خرج حديثه ابن جرير الطبري. ومبارك، ليس بالحافظ. وكذلك رواها ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة. وقد رويت - أيضا - من حديث أبي سلمة، عن عائشة، وسيأتي حديثه. وقد روي، أنه غسلهما قبل الاستنجاء، ثم استنجى، ثم دلكهما بالأرض، ثم غسلهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثًا، وسيأتي ذَلِكَ فيما بعد - إن شاء الله تعالى. وقول عائشة: «ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة» يدل على أنه توضأ وضوءًا كاملًا، قبل غسل رأسه وجسده. وروى أبو معاوية الضرير هذا الحديث، عن هشام، وزاد في آخر الحديث: «ثم غسل رجليه» . خرجه مسلم. وتابعه عليها محمد بن [كناسة]، عن هشام. خرج حديثه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في «كتاب الشافعي» [٠٠] . وذكر أبو الفظل ابن عمار: أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة. قلت: ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام: أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام، وقال فيهِ: «فقلت لهشام: يغسل رجليه بعد ذَلِكَ؟ فقالَ: وضوءه للصلاة، وضوءه للصلاة. أي: أن وضوءه في الأول كاف. ذكره ابن عبد البر. وهذا يدل على أن هشاما فهم من الحديث أن وضوءه قبل الغسل كانَ كاملا بغسل الرجلين، فلذلك لم يحتج إلى إعادة غسلهما. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلا حسنا، ثم يمضمض ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه. خرجه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد. وخرجه ابن جرير الطبري، من طريق حجاج بن منهال، عن حماد، به. وفي روايته: ثم يغسل جسده غسلًا، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه. وخرجه الطبراني في «الأوسط» من طريق مؤمل، عن حماد، عن عطاء ابن السائب وعلي بن زيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كانَ إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثًا قبل أن يغمسهما في الإناء، ثم يأخذ الماء بيمينه فيصبه على شماله، ثم يغسل فرجه، ثم يمتضمض ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم يصب على رأسه الماء واحدًا واحدًا، فإذا خرج من مغتسله غسل قدميه. وخرجه النسائي بمعناه، ولم يذكر غسل رجليه في الآخر، وعنده: أنه صب على رأسه ثلاثًا. وفي رواية لهُ: «ملء كفيه» . وروى الإمام أحمد: ثنا هشيم: أنا خالد، عن رجل من أهل الكوفة، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله - ﷺ - إذا خرج من مغتسله حيث يغتسل من الجنابة يغسل قدميه. وروى الأوزاعي، قالَ: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة - وحدثني عمرو بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر -، أن عمر سأل رسول الله - ﷺ - عن الغسل من الجنابة. قالَ الأوزاعي: واتفقت الأحاديث على هذا، يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثًا، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء، فيصب بها على فرجه، ويده اليسرى على فرجه، فيغسل ما هنالك حتى ينقيه، ثم يضع اليسرى على التراب إن شاء، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها، ثم يغسل يديه ثلاثا ويستنشق ويمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسحه، وأفرغ عليهِ الماء، وهكذا كانَ [غسل] رسول الله - ﷺ -، فيما ذكر لنا. خرجه النسائي. وهذا مما رواه الأوزاعي بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشة وحديث عمر، وليس هوَ لفظ حديثهما، ولكنه إلى لفظ حديث عمر أقرب؛ فإن حديث عمر روي بمعنى مقارب لما قاله الأوزاعي من غير طريقه. خرجه الإمام أحمد من طريق شعبة، عن عاصم بن عمرو البجلي، عن رجل حدثه، أنهم سألوا عمر عن غسل الجنابة، وعن صلاة التطوع في البيت، وعما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالَ: لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ سألت عنه رسول الله - ﷺ -، قالَ: «صلاة الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته»، وقال - في الغسل من الجنابة -: «يغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا»، وقال - في الحائض -: «ما فوق الإزار» . وخرجه الإسماعيلي في «مسند عمر»، من طريق أخرى، عن عاصم. وفي بعض رواياته: «توضأ وضوءك للصلاة، ثم أفض الماء على رأسك، ثم على جسدك، ثم تنح من مغتسلك فاغسل رجليك» وفي رواية لهُ: عن عاصم، عن عمير مولى عمر، أن نفرًا سألوا عمر - فذكر الحديث، وقال في حديثه -: «وأما الغسل فتفرغ بشمالك على يمينك، ثم تدخل يدك في الإناء، ثم تغسل فرجك وما أصابك، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات، تدلك رأسك كل مرة، ثم تغسل سائر جسدك» . ورواه ابن أبي ليلى، عن عاصم بن عمر البجلي، عن عمر بن شرحبيل وهو: أبو ميسرة -، عن عمر - وقد ذكر الحديث، وقال فيهِ -: «وأما الغسل من الجنابة، فصب بيمينك على شمالك واغسلها واغسل فرجك، وتوضأ وضوءك للصلاة، ثم أفض على رأسك وجسدك، ثم تحول فاغسل قدميك» . خرجه الإسماعيلي. وقد فهم الأوزاعي من حديث عمر وعائشة، أن الوضوء يكون ثلاثًا ثلاثًا إلى مسح الرأس، ولا يمسح الرأس، بل يصب عليهِ الماء ثلاث مرات، فيكتفي بغسله للجنابة عن مسحه، ثم يصب الماء على سائر جسده، ويغسل رجليه. فأما القول باستحباب تثليث الوضوء قبل غسل الجنابة، فقد نص عليهِ سفيان الثوري وإسحاق بن رهوايه وأصحابنا، ولم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا، وعلى تثليث صب الماء على الرأس. وأما القول بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليهِ الماء صبًا، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة، فهذا قد روي صريحًا عن ابن عمر. ونص عليهِ إسحاق بن راهويه -: نقله عنه حرب. ونقله أبو داود، عن أحمد. ونقل عنه، قالَ: لا يغسل رجليه قبل الغسل. وروي عن ابن عمر، أنه قالَ: توضأ وضوءك للصلاة، إلا رجليك. وظاهر هذا: أنه يمسح رأسه، ولا يغسل رجليه، وهو قول الثوري وغيره من العلماء. والاكتفاء بغسل الرأس عن مسحه يدل على أن غسل الرأس في الوضوء يجزىء عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يكمل وضوءه كله، بمسح رأسه، وغسل قدميه قبل الغسل، وهو المشهور عندَ أصحابنا، وهو قول الخلال وصحابه أبي بكر، وهو قول مالك والشافعي في أشهر قوليه؛ لظاهر حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا. وقالوا: حديث عائشة، حكاية عن فعل النبي - ﷺ - الدائم في غسله للجنابة، وأما ميمونة التي روت تأخير غسل رجليه، فإنها حكت غسلة في واقعة عين، ولكن قد تبين أنه روي عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة في تأخير غسل القدمين، ولم يأت عنها ولا عن غيرها التصريح بمسح الرأس في الوضوء. ونص أحمد - في رواية جماعة - على أنه مخير بين تكميل الوضوء أولًا، وبين تأخير غسل الرجلين إلى أن يكمل الغسل. وحكي للشافعي في تكميل الوضوء أولًا قبل الغسل قولان: نقل عنه البويطي: تأخير غسل الرجلين. والأصح عندَ أصحابه: التكميل. وقال سفيان الثوري: يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا إلى أن ينتهي إلى رأسه، فيمسحه مرة، ثم يفيض عيه ثلاثًا، ويبالغ بالماء اصول الشعر، وغسل لحيته وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، ثم يفرغ على سائر جسده من الماء، ثم يتنحى عن مكانه، فيغسل قدميه. هكذا حكى أصحابه عنه في كتبهم. والذين قالوا: يكمل وضوءه قبل الغسل، قالوا: لا يعيد غسل قدميه بعده. قاله إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار وهشام بن عروة وأبو الأسود يتيم عروة، ونص عليهِ أحمد. ومن أصحابنا من قالَ: يستحب إعادة غسل قدميه إذا انتقل من مكانه، تطهيرًا لهما وتنظيفًا. وحكى الترمذي في «كتابه» ذَلِكَ عن أهل العلم. وفيه نظر. وقد كانَ الشعبي إذا خرج من الحمام يخوض ماء الحمام، ولا يغسل قدميه. وروى ابن أبي شيبة، عن الأسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله - ﷺ - بعدما يغتسل يخرج من الكنيف، يغسل قدميه. وخرجه عنه بقي بن مخلد في «مسنده» . وهو مختصر من حديث صفة الغسل الذي سبق ذكره. وذكر الكنيف فيهِ غريب. الحديث الثاني: ٢٤٩ - من رواية: الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي - ﷺ - قالت: توضأ النبي - ﷺ - وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليهِ الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما، هذه غسله من الجنابة. خرجه عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، هكذا. وفيه: التصريح بأنه لم يغسل رجليه في أول وضوئه، بل أخر غسل رجليه حتى فرغ من غسله. وخرجه فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من حديث ابن عيينة، عن الأعمش، وقال في حديثه: «فتوضأ وضوءه للصلاة ن فلما فرغ من غسله غسل رجليه» . وهذه الرواية تحتمل أن يكون أعاد غسل رجليه لما أصابهما من التراب، حيث كانَ يغتسل على الأرض في مكان غير مبلط ولا مقير، لكن رواية سفيان صريحة باستثناء غسل رجليه في أول الوضوء. وخرجه - أيضًا - من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، وفي حديثه: «ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض الماء على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه» . وهذه الرواية تدل على أنه لم يمسح رأسه، ولا غسل قدميه أولًا في الوضوء، بل أفاض الماء على رأسه عندَ مسحه. وخرجه - أيضًا - من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، وفي حديثه: «ثم غسل رأسه ثلاثًا، ثم أفرغ على جسده، ثُمَّ تنحى من مقامه فغسل رجليه» . وخرجه من طريق أبي عوانة والفضل بن موسى وأبي حمزة، عن الأعمش، كذلك، إلا أنه لم يذكر التثليث في غسل رأسه. وقد رواه وكيع، عن الأعمش، فذكر في حديثه: أنه غسل وجهه ثلاثًا وذراعيه ثلاثًا. خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه. وقوله في هذه الرواية: «هذا غسله من الجنابة»، مما يشعر بأنه ليس من تمام حديث ميمونة. وقد رواه زائدة، عن الأعمش، وذكر فيهِ: أن غسل الجنابة إنما هوَ من قول سالم بن أبي الجعد. خرجه من طريقه ابن جرير الطبري والإسماعيلي في «صحيحه» . وقد خرج البخاري الحديث في موضع آخر، من رواية سفيان الثوري، عن الأعمش، بأبسط من هذا السياق، وفيه: عن ميمونة، قالت: «سترت النبي - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة» - فذكر الحديث. وخرجه - أيضًا - من رواية ابن عيينة، عن الأعمش، ولفظه: «أن النبي - ﷺ - اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه» -، وذكر الحديث. ومن رواية الفضل بن موسى، عن الأعمش، وفي حديثه: «وضع النبي - ﷺ - وضوءًا للجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله» - وذكر الحديث. وفي هذين الحديثين: دليل على استحباب الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة، وأنه لا يؤخر كله إلى بعد كمال الغسل. وقد روي عن الأسود، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كانَ لا يتوضأ بعد الغسل. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: حسن صحيح. وسئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل؟ فقالَ: وأي وضوء أعم من الغسل. وخرجه الطبراني والحاكم، عنه مرفوعًا. ووقفه أصح. وعن جابر بن عبد الله، قالَ: يكفيك الغسل. وروي إنكاره عن ابن مسعود - أيضًا. وروي عن أصحاب ابن مسعود: علقمة وغيره. وعن سعيد بن جبير والنخعي: وروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل. وكذا روي عن الشعبي، أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة. ولكن قد صحت السنة - بالوضوء قبل الغسل. وأما الوضوء بعد الغسل، فلم يصح فيهِ شيء. وروي الرخصة فيهِ عن علي - ﵁ -. وأنكر صحة ذَلِكَ عنه: النخعي. ونقل يعقوب بن بختان، عن أحمد في الحائض: أنها إن شاءت أخرت الوضوء عن الغسل، وإن شاءت بدأت به. ولعل هذا يختص بغسل الحيض. وكذا قالَ أصحاب الشافعي: إن الجنب مخير، إن شاء توضأ قبل الغسل، وإن شاء بعده. وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل -: نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد. واصل هذا: أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور، لكن الأفضل: أن يتوضأ قبل الغسل، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل. فإن اغتسل ولم يتوضأ، فهل يرتفع حدثاه بذلك، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة، ويبقى حدثه الأصغر، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء؟ هذا فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. أشهرهما: أنه يرتفع حدثاه بذلك، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعًا. والثانية: لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء. وحكي عن مالك وأبي ثور وداود. فإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ. ومن حكى عن أبي ثور وداود: أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنه غالط عليهما. وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك. ومذهب الشافعي: أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر. وذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر: إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء، من الترتيب والمولاة. وأما المضمضمة والاستنشاق، فقد ذكرنا حكهما في الوضوء فيما سبق. وأما في الغسل، فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة، والثوري، وأحمد - في المشهور عنه. وعنه: يجب الاستنشاق وحده. واختلف أصحابنا: هل يجب المبالغة فيهما في الغسل، إذا قلنا: لا يجب ذَلِكَ في الوضوء، أم لا؟ على وجهين. ومذهب مالك والشافعي: أن المضمضمة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء. ٢ - بَابُ غُسْلِ الرَّجلِ مَعَ امرَأَتِهِ خرج فيهِ: ٢٥٠ - حديث: الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت اغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد، من قدح، يقال لهُ: الفرق. هذا الحديث، قد ذكرناه فيما سبق في «باب: الوضوء بالمد»، وتكلمنا عليهِ بما فيهِ كفاية، فأغنى ذَلِكَ عن إعادته هاهنا. وذكرنا حكم اغتسال الرجل مع امرأته في «باب: وضوء الرجل مع المرأة» . ٣ - بَابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ ونَحْوه خرج فيهِ ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: ٢٥١ - من رواية: عبد الصمد، عن شعبة، حدثني أبو بكر بن حفص، قالَ: سمعت أبا سلمة يقول: دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة - ﵂ - فسألها أخوها عن غسل رسول الله - ﷺ -، فدعت بإناء نحو من صاع، فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب. قالَ أبو عبد الله: وقال يزيد بن هارون وبهز والجدي، عن شعبة: قدر الصاع. هذا الحديث، خرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن شعبة - مختصرًا - وفي حديثه: «قدر صاع» - كما أشار إليه البخاري. وخرجه مسلم من طريق معاذ العنبري، عن شعبة، وفي حديثه: «قدر صاع» - أيضًا. ولفظه: عن أبي سلمة، قالَ: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة، فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قالَ: وكان أزواج النبي - ﷺ - يأخذن من رءوسهن حتى يكون كالوفرة. والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن عائشة لما سئلت عن غسل النَّبيّ - ﷺ - دعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت به - وفي رواية: «نحو الصاع» -، وهذا مما يدل على أن تقدير ماء الغسل ليس هوَ على وجه التحديد، بل على التقريب، وقد سبق التنبيه عليهِ. قالَ القرطبي: ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني: أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها وأعلى جسدها، مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليهِ من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا، والآخر أخوها من الرضاعة، وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل. قالَ: وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي - ﷺ - يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يحكى عن ابن عباس، من كراهة ذَلِكَ. انتهى. وقوله: «إن أبا سلمة كانَ ابن أخيها نسبًا»، غلط ظاهر؛ لأن أبا سلمة هوَ ابن عبد الرحمان بن أبي بكر هوَ القاسم. والظاهر: أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيرًا دون البلوغ، والآخر كانَ أخاها من الرضاعة. وقد اختلف العلماء: فيما يباح للمحرم أن ينظره من محارمه من النساء: هل هوَ ما يظهر غالبًا في البيوت، كالرأس واليدين والذراعيين والساقين والوجه والرقبة والشعر؟ أو ما ليس بعورة، وهو الوجه والكفان؟ أو الوجه فقط؟ أو لهُ النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؟ وفي ذَلِكَ خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره. وكذلك اختلفوا: في الصبي المميز، إذا كانَ ذا شهوة: هل هوَ من كالمحرم؟ أو كالأجنبي البالغ؟ وفيه روايتان عن أحمد. وقد روى هذا الحديث ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، قالَ: دخلت على عائشة، فقلت لها: كيف غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة؟ فقالت: أدخل معك يا ابن أخي رجلًا من بني أبي القعيس - من بني أخيها من الرضاعة -، فأخبر أبا سلمة بما تصنع، فأخذت إناء فأكفأته ثلاث مرات على يدها، قبل أن تدخل يدها فيهِ، فقالَ: صبت على يدها من الإناء يا أبا سلمة ثلاث مرات قبل أن تدخل يدها. فقالت: صدق، ثم مضمضت واستنثرت، فقالَ: هي تمضمض وتستنثر. فقالت: صدق، ثم غسلت وجهها ثلاث مرات، ثُمَّ حفنت على رأسها ثلاث حفنات، ثم قالت بيدها في الإناء جميعًا، ثم نضحت على كتفيها ومنكبيها، كل ذَلِكَ تقول إذا أخبر ابن أبي القعيس ما تصنع: صدق. خرجه بقي بن مخلد وابن جرير الطبري. وهذا سياق غريب جدًا. وأسامة بن زيد الليثي، ليس بالقوي. وهذه الرواية تدل على أن ابن أخيها من الرضاعة اطلع على غسلها، وهذا يتوجه على قول من أباح للمحرم أن ينظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، وهو قول ضعيف شاذ. ورواية «الصحيحين» تخالف ذَلِكَ، وتدل على أن أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعًا من وراء حجاب. وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل - هوَ: ابن علية -: نا يونس، عن الحسن، قالَ: قالَ: رجل: قلت لعائشة: ما كانَ يقضي عن رسول الله - ﷺ - غسله من الجنابة؟ قالَ: فدعت بإناء؛ حزره صاعًا بصاعكم هذا. وهذا الإسناد فيهِ انقطاع. وقوله: «بصاعكم هذا»، ربما أشعر بأنه الصاع الذي زيد فيهِ في زمن بني أمية، كما سبق ذكر ذَلِكَ في «باب: الوضوء بالمد» . هذا يشهد لحديث مجاهد، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كانَ يغتسل بنحو ثمانية أرطال - وفي رواية: أو تسعة، أو عشرة -، وقد سبق ذكره - أيضًا. الحديث الثاني: ٢٥٢ - خرجه من رواية: أبي إسحاق: نا أبو جعفر، أنه كانَ عندَ جابر بن عبد الله، هوَ وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقالَ: يكفيك صاع. فقالَ رجل: ما يكفيني. فقالَ جابر: كانَ يكفي من هوَ أوفى منك شعرًا وخيرًا منك. ثم أمنا في ثوب واحد. «أبو جعفر»، هوَ: محمد بن علي بن حسين. وأبوه: علي بن حسين زين العابدين. وفي هذا: دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي - ﷺ - كما كانَ يطلبه غيرهم، فدل ذَلِكَ كذب ما تزعمه الشيعة، أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذَلِكَ جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت - ﵃ -. وخرج النسائي هذا الحديث، بهذا الإسناد، ولفظه: عن أبي جعفر، قالَ: تمارينا في الغسل عندَ جابر بن عبد الله، فقالَ جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من الماء. قلنا: ما يكفي صاع، ولا بد صاعان، فقالَ جابر: قد كانَ يكفي من كانَ خيرًا منكم، وأكثر شعرًا. ومراده بذلك: رسول الله - ﷺ -. وقد روي يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد. خرجه الإمام أحمد وأبو داود. وفي رواية لأحمد: قالَ النبي - ﷺ -: «يجزىء من الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع» . فقالَ رجل: ما يكفيني. قالَ: قد كفى من هوَ خير منك وأكثر شعرًا [رسول الله - ﷺ -] . وخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم من رواية حصين، عن سالم، عن جابر - نحوه. ففي رواية سالم رفع أول الحديث، مع أنه روي أوله موقوفًا - أيضًا - من حديثه، كما في رواية أبي جعفر. ولعل وقف أوله أشبه، وأما آخره فمرفوع. وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قالَ لجابر: «ما يكفيني» هوَ الحسن بن محمد ابن الحنفية، وهو أول من تكلم بالإرجاء. وقيل: إنه كانَ يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة ىاستعمال الماء في الطهارة. والذي في «صحيح مسلم» من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقالَ لهُ الحسن بن محمد: إن شعري كثير؟ قالَ جابر. فقلت لهُ: يا بن أخي، كانَ شعر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك، وأطيب. فليس في هذه الرواية ذكر الصاع، بل ذكر الثلاث حفنات. وقد خرجه البخاري من طريق معمر بن سام، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر - بمعناه. فقد تبين بهذا: أن الذي استقبل الثلاث حثيات في الغسل هوَ محمد بن الحسن ابن الحنيفة، وأما الذي استقبل الصاع، فيحتمل أنه هوَ، وأنه غيره والله أعلم. الحديث الثالث: قالَ البخاري:
مصادر المؤلف (١٦)

١. أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٣٣٤)، والإمام أحمد (٢ / ٣٢٨، ٤٥٣) وغيرهما وفيه اختلاف سندا ومتنا على سعيد المقبري، وقد سود الحافظ الدارقطني في « علله » (٣ب / ق ٦٣ - أ، ب) الخلاف في إسناده فانظره.

٢. باب (٣٩) « فضل من استبرأ لدينه »، وقد ذكر المصنف اسم الباب في أثناء الشرح.

٣. مسلم (١٥٩٩) .

٤. في « اليونينية »: « يقول ».

٥. قوله: « وقع في الحرام » ليس في « اليونينية »، وراجع كلام الحافظ في « الفتح » (١ / ١٢٨)، والعيني في « العمدة » (١ / ٣٤٦) .

٦. في اليونينية «: » كراعي «، وراجع كلام الحافظ في » الفتح « (١ / ١٢٨) .

٧. في « اليونينية »: « أن يوقعه » ولم يشر القسطلاني في « إرشاد الساري » على وجود خلاف في النسخ.

٨. زاد في « اليونينية »: « في أرضه » وهي في رواية غير المستملي، قاله القسطلاني في « إرشاد الساري »، وأشار إليها المصنف في أثناء شرح الحديث.

٩. حديث ابن عمر: خرجه الطبراني في « الأوسط » (٢٨٦٨) وفي ط الصغير « (١ / ٥١) وانظر » العلل « للرازي (٢/ ١٣٢، ١٤٢)، و» الضعفاء « للعقيلي (٢ / ٢٥٢) . وحديث عمار بن ياسر: أخرجه الطبراني في » الأوسط « (١٧٣٥)، وأبو نعيم في » الحلية « (٩ / ٢٣٦)، والعقيلي في » الضعفاء « (٤ / ١٦١) . وحديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في » الكبير « (١٠ / ٣٣٣) وحديث جابر: أخرجه الخطيب في » تاريخه « (٩ / ٧٠) وحديث ابن مسعود: لم نجده.

١٠. راجع « علل ابن أبي حاتم » (٢ / ١٣٧) من حديث ابن عمر، وقال الخليلي في « الإرشاد » (١ / ٤١٦ - ٤١٧): « الصحيح فيه عن ابن عمر قوله ». و« الكامل » لابن عدي (١/ ٢٠٣) من حديث أنس، والحديث عند الترمذي، والحاكم، وابن حبان.

١١. أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥) من حديث عطية الساعدي، قال الحافظ في « الإصابة» (٥ / ٢٧٦): « ذكره بعضهم في الصحابة، وهو غلط » أ. هـ.

١٢. في « ف » تشتبه بـ « المانعات » والموافق للسياق ما أثبتناه.

١٣. أخرجه أبو داود (٣٣٢٩)، والنسائي في « المجتبى » (٧ / ٢٤١ - ٢٤٢)، (٨ / ٣٢٧) .

١٤. راجع التعليق على الحديث في بدايته في الفرق بينها وبين « اليونينية ».

١٥. كتب في « ف » فوق « هو » الثانية علامة « صح »، حتى يدفع إيهام التكرار.

١٦. إلى هن انتهى ما بأيدينا من كتاب الإيمان، وراجع شرح المصنف على هذا الحديث في كتابه « جامع العلوم والحكم» الحديث السادس، فقد تكلم في شرحه بما لا يدع لمتعقب كلاما، فجزاه الله خير الجزاء.

فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج١ ص٣٦٥
بِرِطْلِ بَغْدَادَ، وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ سَبَبَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا لِإِرَادَةِ جَبْرِ الْكَسْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ، قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ بِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، شَارَكَ شَيْخَهُ أَبَا سَلَمَةَ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - فِي كَوْنِهِ زُهْرِيًّا مَدَنِيًّا مَشْهُورًا بِالْكُنْيَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (وَأَخُو عَائِشَةَ) زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَخُوهَا لِأُمِّهَا وَهُوَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ; لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ عَنْهَا فَذَكَرَ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدِي أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا ; لِأَنَّ لَهَا أَخًا آخَرَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ رَضِيعُ عَائِشَةَ رَوَى عَنْهَا أَيْضًا وَحَدِيثُهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بَصْرِيٌّ، وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ كُوفِيٌّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ هُنَا أَحَدَهُمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوٍ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ صِفَةٌ لِإِنَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ نَحْوًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَجْرُورِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي. قَوْلُهُ: (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا رَأَيَا عَمَلَهَا فِي رَأْسِهَا وَأَعَالِي جَسَدِهَا مِمَّا يَحِلُّ نَظَرُهُ لِلْمَحْرَمِ ; لِأَنَّهَا خَالَةُ أَبِي سَلَمَةَ مِنَ الرَّضَاعِ أَرْضَعَتْهُ أُخْتُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ، وَإِنَّمَا سَتَرَتْ أَسَافِلَ بَدَنِهَا مِمَّا لَا يَحِلُّ لِلْمَحْرَمِ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَالَ: وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِاغْتِسَالِهَا بِحَضْرَتِهِمَا مَعْنًى، وَفِي فِعْلِ عَائِشَةَ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْلِيمِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ، وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمِلًا لِلْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ ثَبَتَ لَهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا: أَمَّا الْكَيْفِيَّةُ فَبِالِاقْتِصَارِ عَلَى إِفَاضَةِ الْمَاءِ وَأَمَّا الْكَمِّيَّةُ فَبِالِاكْتِفَاءِ بِالصَّاعِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ (قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا. قَوْلُهُ: (وَبَهْزٌ) بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِمَا مِنَ الْجَنَابَةِ، وَعِنْدَهُمَا أَيْضًا عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ. قَوْلُهُ: (وَالْجُدِّيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ نِسْبَةً إِلَى جُدَّةَ سَاحِلِ مَكَّة، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لَكِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ. قَوْلُهُ: (قَدْرِ صَاعٍ) بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَقَعَ بِمِلْءِ الصَّاعِ مِنَ الْمَاءِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا. ٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا وَخَيْرٌ مِنْكَ. ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. [الحديث ٢٥٢ - طرفاه في: ٢٥٦، ٢٥٥] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَيَّانِيُّ: ثَبَتَ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ