HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٣٥٠

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ.»
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص79
ج ١ ص ٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح مسلم وغيرها
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٢ ص٣٢٧
٣٥٠ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة ابن الزبير، عن عائشة، قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. تريد عائشة - ﵂ -: أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل - ﵇ - عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة. ويدل عليه: ما خرجه البخاري في «الهجرة» من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ - ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأول. كذا خرجه من رواية يزيد بن زريع، عن معمر، وقال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر. وخرجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر، ولفظه: «فرضت الصلاة على النبي - ﷺ - بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر ركعتين» . وقال: هذا التقييد تفرد به معمر عن الزهري، وسائر الثقات أطلقوه - يعني: لم يذكروا الأربع. انتهى. وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة. وقد ورد ذلك صريحا عنها في رواية أخرى خرجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان أول ما افترض على رسول الله - ﷺ - من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرج الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، إلا المغرب فرضت ثلاثا؛ لأنها وتر. قَالَتْ: وكان رَسُول الله - ﷺ - إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ فإنها وتر، والصبح؛ لأنه يطول فيها القراءة. وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد: كان أول ما افترض على رسول الله - ﷺ - ركعتان ركعتان، إلا المغرب؛ فإنها كانت ثلاثا، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محبوب بن الحسن، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ولفظه: فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة زيد في صلاة الحضر، وتركت صلاة الفجر، لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار. وخرجه البيهقي من وجه أخر عن داود كذلك. وهذه الرواية إسنادها متصل، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخرالى ما بعد الهجرة إلى المدينة. وكذلك روى أبو داود الطيالسي: ثنا حبيب بن يزيد الانماطي: ثنا عمرو ابن هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بمكة ركعتين - تعني: الفرائض -، فلما قدم إلى المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للسفر. وخرج الطبراني هذا المعنى - أيضا - بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي - ﵁ -. وخرج الإسماعيلي في «مسند عمر» من رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد: أما بعد، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين، فقال الناس: إنا قد امرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي - ﷺ - تطوعهم صلاها أربعًا، وأمرهُ الله بذلك، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويعلن بالثانية، فافعلوا ذلك. هذا إسناد ضَعِيف منقطع، ومتن منكر. وقد عارض هذا كله: ما روي أن جبريل أم النبي - ﷺ - عند البيت أول ما فرضت الصلاة، وصلى به أربعًا. فخرج الدارقطني من طريق جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، أن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي - ﷺ -، وقام الناس خلف رسول الله - ﷺ -. قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول الله - ﷺ -، ويأتم رسول الله - ﷺ - بجبريل ﵇، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله - ﷺ - ويأتم رسول الله - ﷺ - بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. ثم خرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - بنحوه مرسلًا. وهذا المرسل اصح، وروايات جرير بن حازم عن قتادة خاصة فيها منكرات كثيرة، لا يتابع عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ: منهم أحمد وابن معين وغيروهما. ومراسيل الحسن. فيها ضعف عند الاكثرين، وفيه نكارة في متنه في ذكر التاذين للصلاة؛ والأذان لَمْ يكن بمكة، إنما شرع بالمدينة. خرجه البيهقي من طريق شيبان، عَن قتادة، قَالَ: حدّث الْحَسَن – فذكره مرسلا، وذكر أنه نودي لهم:: «الصلاة جامعة» . وخرجه أبو داود «في مراسيله» من رواية سعيد عن قتادة عن الحسن. وروى البيهقي باسنادة من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود، قال: أتى جبريل النبي - ﷺ -، قال: قم فصل؛ وذلك دلوك الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين. ثم قال: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه. وقد نقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق بن راهويه، قال: كل صلاة صلى النبي - ﷺ - بمكة كانت ركعتين ركعتين، إلا المغرب ثلاثا، ثم هاجر إلى المدينة، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين، إلا الفجر والمغرب، تركهما على حالهما. قال: وصلى جبريل بالنبي - ﷺ - بمكة عند المقام مرتين. وممن قال: أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين: الشعبي، والحسن في رواية، وابن إسحاق. وقالت طائفة: فرضت الصلاة اول ما فرضت أربعًا، إلا المغرب والصبح، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم، والحسن في رواية، وابن جريج، وهو اختيار إبراهيم الحربي، ورجحه ابن عبد البر، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه، ولا يعارض حديث عائشة. وفي حديث عائشة فوائد كثيرة تتعلق بقصر الصلاة في السفر، تذكر في أبواب قصر المسافر - أن شاء الله تعالى. ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله - ﷿ - ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد ويذكر عن سلمة بن الأكوع، أن النبي - ﷺ - قال: «يزره ولو بشوكة» . وفي إسناده نظر. ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى وأمر النبي - ﷺ - أن لا يطوف بالبيت عريان. أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، واجمع عليه المفسرون من السلف بعده. وقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكره قصة ادم ﵇، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوراتهما، فقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧] . ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨] . والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم عراة كما كان عادة أهل الجاهلية. ثم قال بعد ذلك: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . والمراد بذلك: أن يستروا عوراتهم عند المساجد، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك. وقال طائفة من العلماء: أن الآية تدل على اخذ الزينة عند المساجد، وذلك قدر زائد على ستر العورة، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش، وسترها من الزينة، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته؛ ولهذا قَالَ تعالى عقب ذَلِكَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] . وروى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له» . خرجه الطبراني وغيره. وقد روى جماعة هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أو عن عمر - بالشك في ذلك. خرجه البزاز وغيره. وخرجه أبو داود. كذلك بالشك، ولم يذكر فيه «فإن الله أحق من تزين له» . وروي ذكر التزين من قول ابن عمر، فروي عن أيوب، عن نافع، قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، قال: الم أكسك ثوبين؟ قلت: نعم، قال: فلو أرسلتك في حاجة كنت تذهب هكذا؟: قلت: لا. قال: فالله أحق أن تزين له. أخرجه الحاكم وغيره. والمحفوظ في هذا الحديث رواية من رواه بالشك في رفعه -: قاله الدارقطني. وممن أمر بالصلاة في ثوبين: عمر، وابن مسعود، وقال ابن مسعود: إذ وسع الله فهو أزكى. واستدل من قال: أن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار بأن النبي - ﷺ - نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، وبان من صلى عاريا خاليا لا تصح صلاته، وبان المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر. وأما الصلاة في ثوب واحد ملتحفا به، ففيه عدة أحاديث عن النبي - ﷺ -؛ وقد خرج البخاري بعضها، وستأتي في موضعها - أن شاء الله. وأما حديث سلمة بن الأكوع الذي علقه البخاري، وقال: في إسناده نظر؛ فهو من رواية موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قَالَ: «نَعَمْ، زره ولو بشوكة» . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان فِي «صحيحه»، والحاكم وصححه. واستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديث على كراهة الصلاة في قميص محلول الإزار، منهم: إسحاق بن راهويه، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني وغيرهم. وقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميص ليس عليه غيره: يزره ويشده. وقال - أيضا -: ينبغي أن يزره. وقد روى هذا الحديث عن موسى بن إبراهيم: الدراوردي - ومن طريقه خرجه أبو داود - وعطاف بن خالد - ومن طريقه خرجه الإمام أحمد والنسائي. وموسى هذا، زعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وذكر ذلك عن البرقاني، وأنه نقله عن أبي داود، فلزم من ذلك أمران يضعفان إسناده: أحدهما ضعف موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي؛ فإنه متفق عليه. والثاني: انقطاعه؛ فإن موسى هذا لم يرو عن سلمة، إنما يروي عن أبيه، عن سلمة. وذكر أن الطحاوي رواه عن ابن أبي داود، عن ابن أبي قتيلة، عن الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة. قال: فحديث أبي داود علي هذا منقطع. هذا مضمون ما ذكره ابن القطان، وزعم أن هذا هو النظر الذي أشار إليه البخاري بقوله: في إسناده نظر. والصحيح: أن موسى هذا هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، نص على ذلك علي بن المديني -: نقله عنه القاضي إسماعيل في كتاب «أحكام القرآن»، وكذا نقله المفضل الغلابي في «تاريخه» عن مصعب الزبيري، وكذا ذكره أبو بكر الخلال في كتاب «العلل»، وصرح به - أيضا - من المتأخرين عبد الحق الإشبيلي وغيره، ولذلك خرج هذا الحديث ابن حبان في «صحيحه»؛ فإنه لا يخرج فيه لموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي شيئا؛ للاتفاق على ضعفه. وقد فرق بين الرجلين يحيى بن معين - أيضا -، ففي «تاريخ الغلابي» عن يحيى بن معين: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي يضعف، جاء بأحاديث منكرات. ثم بعد ذلك بقليل، قال: موسى بن إبراهيم المديني، يروي عن سلمة بن الأكوع، عن النبي - ﷺ - في الصلاة في القميص الواحد: «زره ولو بشوكة» - ثبت. وفي «تاريخ مضر بن محمد»، عن ابن معين نحو هذا الكلام - أيضا -، إلا أنه قال في الذي روى حديث الصلاة في القميص: ليس به بأس، ولم يقل: ثبت. وكذلك أبو حاتم الرازي، صرح بالفرق بين الرجلين. قال ابن أبي حاتم في «كتابه»: موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، روى عن سلمة بن الأكوع، وعن أبيه عن أنس، روى عنه عطاف بن خالد، وعبد الرحمان بن أبي الموالي، وعبد العزيز ابن محمد، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي خلاف هذا، ذاك شيخ ضعيف الحديث. انتهى. وتضعيفه التيمي دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف. وكذا فرق بينهما علي بن ألمديني، فيما نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في «سؤالاته له»، وقال في التيمي: ضعيف، ضعيف، وقال في الذي يروي عن سلمة: كان صالحا وسطا. وكذلك فرق بينهما ابن حبان، وذكر موسى بن إبراهيم هذا في «ثقاته» . وكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على «أوهام تاريخ البخاري» . وقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة: فروى الشافعي: أنا عطاف بن خالد والدراوردي، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الاكوع، قال: قلت يا رسول الله، أنا نكون في الصيد، فيصلي احدنا في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وليزره، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة» . وروى الإمام أحمد في «المسند: ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عطاف، عن موسى بن أبي ربيعة، قال: سمعت بن الاكوع - فذكر الحديث. ورواه الاثرم في «سننه»: ثنا هشام بن بهرام: ثنا عطاف، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن أبي بيعة المخزومي، أن سلمة بن الاكوع كان إذا قدم المدينة نزل على ابنه إبراهيم في داره، قال: فسمعتة يقول: قلت: يا رسول الله، أني أكون في الصيد، وليس علي إلاّ قميص واحد، أفأصلي فيه؟ قال «نعم، وزره وان لم تجد إلا شوكه» . وكذلك رواه علي بن المديني، عن الدراوردي: أخبرني موسى بن عبد الرحمان، أنه سمع سلمة بن الاكوع - فذكره. ففي هذه الروايات التصريح بنسبته وبسماعه من سلمة. وأما رواية ابن أبي قتيله، عن الدراوردي فلا يلتفت إليها؛ فإن الشافعي وعلي بن المديني وقتيبة بن سعيد وغيرهم رووه عن الدراوردي على صواب، ولم يكن ابن أبي قتيلة من أهل الحديث، بل كان يعيبهم ويطعن عليهم، وقد ذكر عند الإمام أحمد أنه قال: أهل الحديث قوم سوء! فقال أحمد: زنديق! زنديق! زنديق! . وقد روه أبو أويس، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة - أيضا. ذكره البخاري في «تاريخه» عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه - قال البيهقي: والأول أصح. يعني: رواية من لم يذكر في اسنادة: «عن أبيه» . وذكر البخاري في «تاريخه»: موسى بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة، سمع سلمة بن الأكوع، روى عنه عطاف بن خالد. وروى عبد الرحمان بن أبي الموالي، عن موسى بن إبراهيم بن أبي ربيعة عن أبيه، عن أنس، أنه رأى النبي - ﷺ - صلى في ثوب واحد ملتحفاُ فيه. وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد، عن أبي عامر العقدي، عن ابن أبي الموالي. فهذا هو النظر الذي أشار البخاري إلى إسناده في «صحيحه»، وهو الاختلاف فِي إسناد الحَدِيْث على موسى بن إبراهيم. وفي كونه علة مؤثرة نظر؛ فإن لفظ الحديثين مختلف جدا، فهما حديثان مختلفان إسنادًا ومتنا. نعم؛ لرواية ابن أبي الموالي، عن موسى، عن أبيه، عن أنس علة مؤثرة، وهي أن عبد الله بن عكرمة رواه عن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو: والد موسى -، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، وقد خرج حديثه الإمام أحمد. ولعل هذة الرواية أشبه؛ فإن متن هذا الحديث معروف عن جابر بن عبد الله، لا عن أنس. لكن نقل ابن أبي حاتم، عن أبيه في كلام جاء على «أوهام تاريخ البخاري»: أن رواية موسى عن أبيه عن أنس، ورواية إبراهيم والد موسى عن جابر من غير رواية ابنه موسى. وهذا يدل على أن الإسنادين محفوظان. وأما حديث الصلاة في القميص وزره بالشوكة، فلا يعرف إلا بهذا الإسناد عن سلمة، فلا يعلل بحديث غيره. والله أعلم. وأما قوله: «من صلى في الثوب الذي يجامع فية إذا لم ير فيه أذى»، فهذا فيه غير حديث، لكنها ليست على شرطه: فروى يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سال أخته أم حبيبة زوج النبي - ﷺ - هل كان النبي - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى. خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وخرج الإمام أحمد من رواية ضمرة بن حبيب، أن محمد بن أبي سفيان الثقفي حدثه، أنه سمع أم حبيبة تقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، وعلي وعليه ثوب واحد، فيه كان ما كان. وروى الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: دخلت على أم حبيبة ورسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد، فقلت: إلا أراه يصلي كما أرى؟ قالتا: نعم، وهو الثوب الذي كان فيه ما كان. خرجه أبو يعلى الموصلي. ويعيش ثقة، إلا أني لا أظنه أدرك معاوية. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سال رجل النبي - ﷺ - أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قالَ: «نعم، إلا أن ترى شيئا فتغسله» . وقال أبو حاتم الرازي والدارقطني: الصواب وقفه على جابر بن سمرة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: هذا الحديث لا يرفع عن جابر بن سمرة. يشير إلى أن من رفعه فقد وهم. وخرج ابن ماجه من رواية الحسن بن يحيى ألخشني: ثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدر داء، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ورأسه يقطر ماء، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به، قد خالف بين طرفيه، فلما انصرف قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، تصلي بنا في ثوب واحد؟ قَالَ: «نعم، اصلي فيه، وفيه» - أي: قد جامعت فيه. والخشني هذا، قال ابن معين فيه: ليس بشيء. وأما أمر النبي - ﷺ - أن لا يطوف بالبيت عريان؛ فهو حديث صحيح، وقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي هريرة، وسيأتي قريبا - أن شاء الله. وهو من أحسن ما يستدل به على النهي عن الصلاة عريانا؛ لأن الطواف يشبه بالصلاة، فالمشبه به أولى. وقد روي عن ابن عباس - مرفوعا، وموقوفا -: «الطواف بالبيت صلاة» . خرج البخاري في هذا الباب حديث أم عطية: فقال:
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج١ ص٤٦٤
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فِي الْحَبَائِلِ قِيلَ: هِيَ الْقَلَائِدُ وَالْعُقُودُ، أَوْ هِيَ مِنْ حِبَالِ الرَّمْلِ أَيْ فِيهَا لُؤْلُؤٌ مِثْلُ حِبَالِ الرَّمْلِ جَمْعُ حَبْلٍ وَهُوَ مَا اسْتَطَالَ مِنَ الرَّمْلِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَبَائِلَ لَا تَكُونُ إِلَّا جَمْعَ حِبَالَةٍ أَوْ حَبِيلَةٍ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَنِ اعْتَنَى بِالْبُخَارِيِّ: الْحَبَائِلُ جَمْعُ حِبَالَةٍ وَحِبَالَةٌ جَمْعُ حَبْلٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ فِيهَا عُقُودًا وَقَلَائِدَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ. ٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. [الحديث ٣٥٠ - طرفاه في: ٣٩٣٥، ١٠٩٠] قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) كَرَّرَتْ لَفْظَ رَكْعَتَيْنِ لِتُفِيدَ عُمُومَ التَّثْنِيَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا فَعَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَوْلِهِ هُنَا وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْحَنَفِيَّةُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، وَاحْتَجَّ مُخَالِفُوهُمْ بِقَوْلِهِ ﷾ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ لِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزِيمَةِ، وَالْقَصْرُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ أَطْوَلَ مِنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، وَبِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَدْ زَمَانَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكِ الْقِصَّةَ يَكُونُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ أَدْرَكَ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ، وَقَالُوا أَيْضًا: يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا تَعَارُضَ، وَأَلْزَمُوا الْحَنَفِيَّةَ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِيمَا إِذَا عَارَضَ رَأْيُ الصَّحَابِيِّ رِوَايَتَهُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْعِبْرَةُ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى، وَخَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهَا غَيْرُ ثَابِتٍ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَنَّ عُرْوَةَ الرَّاوِيَ عَنْهَا قَدْ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ إِتْمَامِهَا فِي السَّفَرِ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ، فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتِهَا وَبَيْنَ رَأْيِهَا، فَرِوَايَتُهَا صَحِيحَةٌ وَرَأْيُهَا مَبْنِيُّ عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ - أَنَّ الصَّلَوَاتَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَقِبَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرَ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ اهـ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ نُزُولَ آيَةِ الْخَوْفِ كَانَ فِيهَا، وَقِيلَ كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. ذَكَرَهُ الدُّولَابِيُّ وَأَوْرَدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِلَفْظِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ، لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ فَالْبَحْثُ فِيهِ يَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. (فَائِدَةٌ): ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ مَفْرُوضَةً رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ مَفْرُوضَةً ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَصَارَ الْفَرْضُ قِيَامَ بَعْضِ اللَّيْلِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَنْكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَالْقِتَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، اهـ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ وَاضِحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَكَأَنَّهُ ﷾ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَعْجِيلِ التَّخْفِيفِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي عَلِمَ أَنَّهَا سَتَقَعُ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢ - بَاب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ. فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ طَاوُسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قَالَ: الثِّيَابُ، وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) هَكَذَا ثَبَتَ لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ هُنَا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُنَا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ الْمُعَلَّقِ بَعْدَهُ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ) قَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي تَرْكِ جَزْمِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ). وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَتَصَيَّدُ، أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، زُرَّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ، زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ. فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ مُوسَى، وَسَلَمَةَ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ أَبِي أُوَيْسٍ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ