٥٦٣ - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو: ثنا عبد الوارث، عن الحسين: ثنا عبد الله بن بريدة: حدثني عبد الله المزني، أن النبي - ﷺ - قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب» . قال: وتقول الأعراب: هي العشاء.
عبد الله المزني، هو: ابن مغفل – ﵁.
وقد استدل بهذا الحديث من كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول الشافعي وغيرهم.
وقال أصحابنا: لا يكره ذلك، واستدلوا بأن العشاء تسمى العشاء الآخرة، كما قال النبي - ﷺ -: «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» .
خرجه مسلم.
وسيأتي بعض الأحاديث المصرحة بذلك، فدل على أن المغرب العشاء الأولى.
وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى.
وقد حكي عن الاصمعي، انه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يلتفت إلى ذلك.
وفي «صحيح مسلم» عن علي، أن النبي - ﷺ - صلى العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء.
قال أصحابنا: وحديث أبن مغفل يدل على أن تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك.
ومن متأخريهم من قال: حديث ابن مغفل إنما يدل على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب حتى يهجر اسم المغرب، أو يقل تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأماإذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجه النهي حينئذ إليه.
وقد تقدم أنها تسمى صلاة البصر - أيضا - فإذا سميت بذلك من غير أن يهجر تسميتها بالمغرب، ويغلب تسميتها بذلك؛ جاز.
٢٠ - باب
ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا
مراده: أن العشاء الآخرة تسمى العشاء، وتسمى العتمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل اتباعًا لقول الله ﷿:
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] .
وهذا قول كثير من العلماء، أو اكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعي في «الأم»: أحب إلي أن لا تسمى العشاء الآخرة عتمة، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.
ومنهم من قال: يكره أن تسمى عتمة، وهو وجه ضعيف لأصحابنا.
وقد روي عن طائفة من السلف، منهم: ابن عمر وكان يكرهه كراهة شديدة، ويقول أول من سماها بذلك الشيطان. وكرهه - أيضا - ابنه سالم وابن سيرين.
وخرج مسلم من حديث عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل» .
وفي رواية له - أيضا -: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله
العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل» .
كذا رواه ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة.
وابن أبي لبيد كان يتهم بالقدر. وقال العقيلي: كان يخالف في بعض حديثه.
وتابعه عليه ابن أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ.
ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
وقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة – مرفوعًا.
خرجه ابن ماجه. وليس بمحفوظ.
وفيه – أيضا -: عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -.
وفي إسناده جهالة.
وقد حمله بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء وغلبة اسم العتمة علها كفعل الإعراب.
وتسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يكره تسميتها صلاة الصبح.
خرج البخاري في هذا الباب حديثًا مسندًا، وذكر فيه أحاديث كثيرة تعليقًا، وقد خرج عامتها في مواضع أخر من كتابه، فقال:
وقال أبو هريرة، عن النبي - ﷺ -: «أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر) . وقال: (لو يعلمون ما في العتمة والفجر» .
حديث أبي هريرة قد أسنده في «باب: فضل صلاة العشاء في جماعة»، وخرج قبله في «باب: فضل التهجير إلى الظهر» من حديث أبي هريرة – مرفوعًا -: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح» . وخرجه أيضا – في «باب: الأستهمام على الأذان» ثم قال البخاري:
فالاختيار أن يقول: العشاء؛ لقول الله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:
٥٨] .
قال:
ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب إلى النبي - ﷺ - عند صلاة العشاء، فأعتم بها.
حديث أبي موسى هذا قد خرجه بعد هذا قريبًا في «باب: فضل العشاء»، وخرجه في مواضع أخر، وقد علقه هنا بقوله: «ويذكر»، فدل على أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفًا فيما علقه بها، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف، إلا أن أغلب ما يعلق بها ما ليس على شرطه.
ثم قال:
وقال ابن عباس وعائشة: أعتم النبي - ﷺ -[بالعشاء.
وقال بعضهم: عن عائشة أعتم النبي - ﷺ -] بالعتمة.
حديث عائشة خرجه في «باب: فضل العشاء»، ولفظ: «أعتم بالعشاء» .
وحديث ابن عباس خرجه في «باب: النوم قبل العشاء»، بلفظ حديث عائشة.
وخرج مسلم حديث عائشة، ولفظه: «أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة
بصلاة العشاء، وهي التي تدعى العتمة» .
وخرج النسائي حديث عائشة وابن عباس، وعنده فيهما: أعتم رسول الله - ﷺ - بالعتمة.
وخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري، قال: صلينا مع رسول الله - ﷺ - صلاة العتمة.
ومن حديث معاذ بن جبل، قال: أبقينا النبي - ﷺ - في صلاة العتمة.
ثم قال البخاري:
وقال جابر: كان النبي - ﷺ - يصلي العشاء.
حديث جابر قد خرجه البخاري في الباب الذي بعد هذا، وقد خرجه فيما مضى – أيضا.
قال:
وقال أبو برزة: كان رسول الله - ﷺ - يؤخر العشاء.
حديث أبي برزة هذا خرجه فيما مضى في «باب: وقت العصر» ولفظه: «وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي
تدعونها العتمة» .
ثم قال:
وقال أنس: أخر رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة.
حديث أنس هذا خرجه النسائي، وخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: «أخر العشاء» .
وخرج مسلم من حديث ابن عمر، قال: مكثنا ليلة ننتظر رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة.
ثم قال البخاري:
وقال ابن عمر وأبو أيوب: صلى النبي - ﷺ - المغرب والعشاء.
وحديثهما في جمع النبي - ﷺ - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وقد خرجه البخاري في «كتاب الحج» . وخرجه مسلم – أيضا.
وأماالحديث الذي أسنده في هذا الباب:
فقال: