ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن
أبي قلابة، قال: قام مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة رسول الله - ﷺ -، وذلك في غير وقت الصلاة، فقام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصت هنية. قال: فصلى بنا صلاة شيخنا هذا: أبي بريد، وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة أستوى قاعدًا، ثم نهض.
قوله: «فأنصت» –يعني من الإنصات، والمعنى: أنه سكت هنية بعد رفع رأسه من الركوع، والمراد بإنصاته: أنه لم يجهر بذكر يسمع منه، لا أنه لم يقل شيئًا في نفسه.
ويروى: «فأنتصب» من الإنتصاب، وهو القيام.
وقوله: «هنَّية»، هو بالياء المشددة بغير همز، ويروى
بالهمز، ويروى
«هنيهة» بهاءين، والكل بمعنى، وهو تصغير «هنَّة»، وهي كلمة يكنى بها عن
الشيء، أي: شيئًا قليلًا من الزمان.
وفي هذا الحديث: أن قيامه بعد الركوع كان قليلًا، بخلاف ما دل عليه حيديث أنس، لعل سائر أركان الصلاة كانت خفيفة، فناسب ذلك تقصير القيام من الركوع، ويكون حديث أنس في حالة يطيل فيه الركوع والسجود.
وحديث البراء بن عازب يدل على هذا الجمع؛ فأنه يدل على أن ركوعه واعتداله وسجوده وقعوده من سجوده كان متقاربا.
وقوله: «صلاة شيخنا هذا أبي بريد»، يريد به: عمرو بن سلمة الجرمي، وسلمة بكسر الام.
ووقع في عامة الروايات: «يزيد» –بالياء المثناة والزاي المعجمة.
وقال مسلم: إنما هو: أبو بريد –بالباء الموحدة والراء المهملة.
قال عبد الغني بن سعيد: لم أسمع من أحد إلا بالزاي، لكن مسلم أعلم باسماء المحدثين.
وكذا ذكره الدارقطني وأبو ذر الهروي كما ذكره مسلم.
وكذا ضبطه أبو نصر الكلاباذي بخطه.
وذكر ابن ماكولا أنه أبو بريد – بالباء والراء -، ثم قال، وقيل: أبو يزيد.
***
١٢٨ -
باب
يهوي بالتكبير حين يسجد
وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه.
بوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود.
وذكر فيه أحكامًا أخرى من أحكام السجود.
فأما التكبير في حال الهوي، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة.
وكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير، فكانه في أرجوحة حتى يسجد.
وقال النخعي: كبر وأنت تهوي، وأنت تركع.
يشير إلى أن التكبير للركوع يكون –أيضًا - في حال الهوي إليه كالسجود.
والهوي: هو السقوط والأنخفاض، وهو بتشديد الياء، وأما الهاء فمضمومة. وقيل: بفتحها: ثم قيل: هما لغتان. وقيل: بل هو بالضم
الصعود، وبالفتح النزول.
وقال بعض أصحابنا: يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الأنتقال، وأنتهاؤه مع أنتهائه، فإن كمله في جزء من الانتقال، ولم يستوعبه به أجزأه، لأنه لم يخرج به عن محله، وأن شرع فيه قبله أو كمله بعده، فوقع بعضه خارجًا منه، فهو كتركه، لأنه لم يكمله في محله، فهو كمن تمم قراءته في الركوع.
قال: هذا هو قياس المذهب.
قال: ويحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي ابطال الصلاة بعمده، وإيجاب السجود لسهوه مشقة.
وقال أصحاب الشافعي: يبتدئ تكبير الركوع قائمًا، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع.
قالوا: هذا هو الذي نص عليه الشافعي في «الأم» . وقطع به العراقيون.
وحكى الخراسانيون قولين: أحدهما: هذا. قالوا: وهو الجديد.
والثاني –وهو القديم -: لا يديم التكبير بل يسرع به.
قالوا: والقولان جاريان في جميع تكبيرات الأنتقالات: هل تحذف، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها؟ والصحيح: المد.
وقالوا في تكبير السجود: أنه يشرع به من حين يشرع في الهوي، ولم يقولوا: أنه يبتدئه قائمًا، كما قالوا في تكبير الركوع، وهو خلاف نص الشافعي؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في «الأم»: أحب أن يبتدئ التكبير قائمًا وينحط مكانه ساجدًا. قال: وأن أخر التكبير عن ذلك - يعني: عن الإنحطاط -، أو كبر معتدلًا، أو ترك التبكير كرهت ذلك. أنتهى.
وهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الأنحطاط وتقديمه عليه كتركه.
وممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره. مالك والثوري وأحمد وغيرهم.
وأما ما ذكره البخاري، عن نافع –تعليقًا -، قال: كان ابن عمر يضع يديه
قبل ركبتيه.
فخَّرج ابن خزيمة في «صحيحه» والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج، عن الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي - ﷺ - يفعل ذلك.
وخَّرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة، عن الدراوردي، به.
وقال البيهقي: ما أراه إلا وهمًا – يعني: رفعه.
وقد رواه ابن أخي ابن وهب، عن عمه، عن الدراوردي كذلك.
وقيل: أن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك.
ورواه أبو نعيم الحلبي، عن الدراوردي، فوقفه على ابن عمر.
قال الدارقطني: وهو الصواب.
وروى عن ابن عمر خلاف ذلك؛ روى ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه.
خرَّجه ابن أبي شيبة.
وروى شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
خرَّجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.
وخَّرجه الحاكم، وصححه.
وهو مما تفرد به شريك، وليس بالقوي.
وخَّرجه أبو داود من طريق همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن
وائل، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -.
قال همام: ونا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -
بمثله.
فهذا الثاني مرسل، والأول منقطع، لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه.
وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة، لا تخلو من ضَّعف.
وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة، ولا يثبت –أيضًا -، وأجود طرقه: من رواية محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل
ركبتيه» .
خرَّجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصرًا، وقال: غريب.
وقال حمزة الكناني: هو منكر.
ومحمد راويه، ذكره البخاري في «الضعفاء»، وقال: يقال: ابن حسن، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد، أم لا؟
فكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور، ثم قتله المنصور بها.
وزعم حمزة الكناني، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له: الديباج، وهو بعيد.
واختلفت العلماء في الساجد: هل يضع ركبتيه قبل يديه، أم يديه قبل ركبتيه؟ فقال الأكثرون: يضع ركبتيه قبل يديه.
قال الترمذي:
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله.
وهو قول مسلم بن يسار، وأبي قلابة، وابن سيرين، والنخعي والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال حجاج، عن أبي إسحاق: كان أصحاب عبد الله إذا أنحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم.
وكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: هل يفعله إلا مجنون؟!
وقالت طائفة: يبدأ بيديه قبل ركبتيه، وهو مروي عن الحسن، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم، وحكي رواية عن أحمد.
ومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة، وهو أصح.
وقال الأوزاعي: أدركت الناس يصنعونه.
وهو قول مالك. وروي عنه، أنهما سواء.
وقال قتادة: فيضع أهون ذلك عليه.
خَّرج البخاري في هذا الباب حديثين:
الحديث الأول:
٨٠٣ -