HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٩٤٤

حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج2 ص14
ج ٢ ص ١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن النسائي
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٨ ص٣٦٣
٩٤٤ - حدثنا حيوة بن شريح: نا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قالَ: قام النبي - ﷺ - وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوامعه، ثم قام للثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا اخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضا. وخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد، وزاد فيه الفاظا بعد قوله: «ثم قام إلى الركعة فتاخر الذين سجدوا معه وحرسوا أخوانهم» . ورواه النعمان بن راشد، عن الزهري بهذا الإسناد، وزاد فيه زيادات كثيرة، ولفظه: «قام رسول الله - ﷺ - وقمنا خلفه صفين، فكبر وركع وركعنا جميعا، الصفان كلاهما، ثم رفع رأسه، ثم خر ساجدا، وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياما يحرسون أخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجودا، فسجد سجدتين، ثم قاموا فتأخر الصف المقدم الذي بين يديه، وتقدم الصف المؤخر، فركع وركعوا جميعا، وسجد رسول الله - ﷺ - والصف الذي يليه، وثبت الآخرون قياما يحرسون أخوانهم، فلما قعد رسول الله - ﷺ - خر الصف المؤخر سجودا، ثم سلم النبي - ﷺ -. خرجه الدارقطني، ومن طريقه البيهقي. وفي هذه الرواية: أن الصفين ركعوا معه، ورواية الزبيدي تدل على أن بعضهم ركع معه، وبعضهم لم يركع. ورواه أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - صلى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين، صف خلفه، موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا. خرجه النسائي من طريق سفيان، عنه. وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بذي قرد - أرض من أرض بني سليم -، فصف الناس خلفه صفين، صفا موازي العدو، وصفا خلفه، فصلى بالذي يليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة أخرى. وفي رواية أخرى لهُ: ثم سلم، فكانت للنبي - ﷺ - ركعتين، ولكل طائفة ركعة وهذه الزيادة مدرجة من قول سفيان؛ كذلك هوَ في رواية البيهقي. وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» . وقال البخاري في «المغازي»: «وقال ابن عباس: صلى رسول الله - ﷺ - الخوف بذي قرد» – ولم يزد على ذَلِكَ. وقال الشافعي: هو حديث لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله. قالَ: وإنما تركناه لاجتماع الأحاديث على خلافه، ولأنه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده. انتهى. وإذا اختلف أبو بكر بن أبي الجهم والزهري، فالقول قول الزهري، ولعل مسلما ترك تخريج هذا الحديث للاختلاف في متنه، وقد صحح الإمام أحمد إسناده. قال - في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف -: قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلاّ أنه كان للنبي - ﷺ - ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي - ﷺ - كلها صحاح. وقال – في رواية حرب -: كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح الإسناد، وكل ما فعلت منه فهو جائز. وقد حمل بعضهم معنى رواية أبي بكر أبي الجهم على معنى رواية الزهري، وقال: إنما المراد أن الصفين صلوا مع النبي - ﷺ -، ثم حرس أحد الصفين في الركعة الأولى، والآخر في الثانية، وإنما لم يقضوا بعد سلام النبي - ﷺ - لأنهم قضوا ما تخلفوا به عنه قبل سلامه، كما في رواية النعمان بن راشد، عن الزهري. وأما قوله: «فكانت للنبي - ﷺ - ركعتان وللقوم ركعة»، فهو من قول سفيان، كما هو مصرح به في رواية البيهقي، وذلك ظن ظنه، قد خالفه غيره فيهِ. ويشهد لهذا التأويل: أنه قد روي عن ابن عباس التصريح بهذا المعنى من وجه. خرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قالَ: ما كانت صلاة الخوف إلا كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء إلاّ أنها كانت عقبا، قامت طائفة منهم وهم جميعا مع رسول الله - ﷺ -، وسجدت معه طائفة، ثم قام رسول الله - ﷺ - وسجد الذين كانوا قياما لأنفسهم، ثم قام الرسول الله - ﷺ - وقاموا معه جميعًا، ثم ركع وركعوا معه جميعًا، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قياما أول مرة، فلما جلس رسول الله - ﷺ - والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم سجد الذين كانوا قياما لأنفسهم، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله - ﷺ - بالتسليم. وخرج الإمام أحمد من رواية النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قالَ: خرج رسول الله - ﷺ -؟ في غزاة فلقي المشركين بعسفان فأنزل الله ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية، فلما صلى رسول الله - ﷺ - العصر وكانوا في القبلة صلى المسلمون خلفه صفين فكبر رسول الله - ﷺ - فكبروا معه - فذكر صلاة الخوف - وفيه: تأخر الصف الذين يلونه في الركعة الثانية وتقدم الآخرين - وقال في آخر الحديث: فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم، قالوا: لقد أخبروا بما أردناهم. وقال: صحيح على شرط البخاري. وليس كما قال؛ والنضر أبو عمر، ضعيف جدا. وخرجه البزار - أيضا. وقد تقدم حديث أبي عياش الزرقي في صلاة النبي - ﷺ - بعسفان بهذا المعنى. وروي - أيضا - من حديث جابر، من رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، قالَ: شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، وصفنا صفين، صف خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي - ﷺ -؟ وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - ﷺ - السجود، وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله؟ - ﷺ - وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي - ﷺ - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي - ﷺ - وسلمنا جميعا. قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء [بأمرائهم] . خرجه مسلم. وخرجه - أيضا - من رواية أبي الزبير، عن جابر، قالَ: غزونا مع رسول الله - ﷺ - قوما من جهينة، فقاتلونا قتالا شديدا - ثم ذكره بمعناه. وروي - أيضا - من حديث حذيفة. خرجه الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقالَ حذيفة: أنا، فأخر أصحابك يقومون طائفتين، طائفة خلفك وطائفة بازاء العدو، فتكبر فيكبرون جميعا، ثُمَّ تركع فيركعون جميعا، ثُمَّ ترفع فيرفعون جميعا، ثُمَّ تسجد ويسجد معك الطائفة التي تليك، والطائف التي بازاء العدو قيام بازاء العدو، فإذا رفعت رأسك من السجود [يسجدون]، ثُمَّ يتأخر هؤلاء ويتقدم الآخرون، فقاموا مقامهم، فتركع ويركعون جميعا، ثُمَّ ترفع ويرفعون جميعا، ثُمَّ تسجد فتسجد الطائفة التي تليك، والطائفة الأخرى قائمة بازاء العدو، فإذا رفعت رأسك من السجود سجدوا، ثُمَّ سلمت ويسلم بعضهم على بعض، وتأمر أصحابك أن هاجهم هيج من العدو، فقد حل لهم القتال والكلام. وسليم بن عبد، ذكره ابن حبان في «ثقاته» . وقد روي حديث حذيفة بالفاظ محتملة، وهذه الرواية مفسرة لما أجمل في تلك. كما روى الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم، قالَ: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام، فقال: إيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقالَ حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، وانفضوا. خرجه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا لفظه. وخرجه النسائي، ولفظه: فقام حذيفة، فصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا. وفي رواية: قال له حذيفة: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بطائفة ركعة، صف خلفه، وأخرى بينه وبين العدو، فصلى بالطائفة التي تليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف أولئك، فصلى بهم ركعة. وروى أبو روق، عن مخمل بن دماث، قال: غزونا مع سعيد بن الحارث، فقال: من شهد منكم صلاة الخوف مع رسول الله - ﷺ -؟ فقالَ حذيفة: أنا، صلى بإحدى الطائفتين ركعة؛ والأخرى مستقبلة العدو، ثُمَّ ذهبت هذه الطائفة فقامت مقام أصحابهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله - ﷺ - ركعة، فصار رسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. وقد خرجه الإمام أحمد وغيره - أيضا. فهذا الإختلاف في حديث حذيفة يشبه الاختلاف في حديث ابن عباس، وبعضه محتمل، وبعضه مفسر، فيرد المحتمل إلى المفسر المبين، كما قلنا في حديث ابن عباس. والله –﷾ - أعلم. وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحة الصلاة على وجه الحرس، على ما في حديث أبي عياش الزرقي وما وافقه من رواية جابر وابن عباس وحذيفة، وقد أمر بها حذيفة كما سبق. وروى حطان بن عبد الله، أن أبا موسى صلاها في بعض حروبه، واستحبها طائفة منهم إذا كان العدو في جهة القبلة، منهم: سفيان وإسحاق وأبويوسف. وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز الصلاة بها، ولا يجوز إلا على حديث ابن مسعود وما وافقه، كما سبق. والصلاة بهذه الصفة والعدو في جهة القبلة إذا لم يخش لهم كمين حسن؛ فإن أكثر ما فيها تأخر كل صف عن متابعة الإمام في السجدتين وقضاؤهما في الحال قبل سلامه، وتكون الحراسة في السجود خاصة، وهذا قول الشافعي وأصحابه. وللشافعية وجه آخر: أنهم يحرسون في الركوع مع السجود، وقد سبق في رواية البخاري لحديث ابن عباس ما يدل عليهِ. وأعلم؛ أن البخاري لم يخرج في «أبواب صلاة الخوف» مما ورد عن النَّبيّ - ﷺ - في أنواع صلاة الخوف سوى حديث ابن عمر، وابن عباس، وخرج في «المغازي» حديث جابر وسهل بن أبي حثمة، وذكر حديث أبي هريرة – تعليقًا. فأما حديث جابر، فقال: «وقال أبان: نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: كنا مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع –فذكر الحديث إلى أن قال -: وأقيمت الصَّلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي - ﷺ - أربع ركعات وللقوم ركعتين» . هكذا ذكره تعليقًا. وخرجه مسلم مسندًا من حديث أبان، ولفظه: قالَ: فنودي بالصلاة –وذكره. في الحديث: دليل على أن صلاة الخوف ينادي لها بالإذان والإقامة كصلاة الأمن، ولا أعلم في هذا خلافًا، إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم، عنه، أنه قالَ: ليس في صلاة الخوف إذان ولا إقامة في حضر ولا سفر. وخرج الدارقطني من حديث الحسن، عن جابر، أن النبي - ﷺ - كان يحاصر بني محارب بنخل، ثم نودي في الناس: أن الصلاة جامعة – وذكر معنى حديث أبي سلمة، وصرح فيه بأن النبي - ﷺ - سلم بين كل ركعتين. وقد خرجه النسائي - مختصرًا - من رواية حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن جابر - بذكر السلام - أيضا، وليس فيه: ذكر الصلاة جامعة. ورواه قتادة –أيضا - عن سليمان اليشكري، عن جابر –بذكر السلام بين كل ركعتين، وفيه: أن يومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح، وفي الحديث أن ذلك كان بنخلٍ. والحسن، لم يسمع من جابر، وقتادة، لم يسمع من سليمان اليشكري. وقد رواه أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ -، أنه صلى في خوف ثقيف ركعتين، ثم سلم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت للنبي - ﷺ - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في «صحيحه» . وعند أبي داود: وبذلك كان يفتي الحسن. وصلاة الخوف على هذه الصفة: أن يصلي الإمام أربع ركعات ويصلي كل طائفة خلفه ركعتين، لها صورتان: إحداهما: أن يسلم الإمام من كل ركعتين، فهو جائز عن الشافعي وأصحابه. واختلفوا: هل هي أفضل من صلاة ذات الرقاع - التي يأتي ذكرها؟ على وجهين لهم. وكذلك اختار الجوزجاني هذه الصلاة على غيرها من أنواع صلوات الخوف؛ لما فيها من تكميل الجماعة لكل طائفة. واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من أجازها في صلاة الخوف دون غيرها، وهو منصوص أحمد، وهو قول الحسن البصري - أيضا - واختاره طائفة من أصحابنا. ومن أصحابنا من قال: هي مُخرجة على الاختلاف عن أحمد في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، كما سبق ذكره. ومنع منها أصحاب أبي حنيفة؛ لذلك. والصورة الثانية: أن لايسلم الإمام، ويكون ذلك في سفر، فينبني على أنه: هل يصح أن يقتدي القاصر بالمتم في السفر؟ والأكثرون على أنه إذا اقتدى المسافر بمن يتم الصلاة فأدرك معه ركعة فصاعدًا، فإنه يلزمه الإتمام. فإن أدرك معه دون ركعة، فهل يلزمه الإتمام؟ قالَ الزهري وقتادة والنخعي ومالك: لا يلزمه، وهو رواية أحمد. والمشهور، عنه: أنه يلزمه الإتمام بكل حال، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور. وقالت طائفة: لا يلزمه الإتمام، وله القصر بكل حال وهو قول الشعبي وطاوس وإسحاق. فعلى قول هؤلاء: لاتردد في جواز أن يصلي الإمام أربع ركعات في السفر، وتصلي معه كل طائفة ركعتين. وعلى قول الأولين: فهل يجوز ذلك في صلاة الخوف خاصة؟ فيه لأصحابنا وجهان. ومن منع ذلك قال: ليس في حديث جابر تصريح بأن النبي - ﷺ - لم يسلم بين كل ركعتين بل قد ورد ذلك صريحًا في روايات متعددة، فتحمل الروايات المحتملة على الروايات المفسرة المبينة. ثم قال البخاري: «وقال أبو الزبير، عن جابر: كنا مع رسول الله - ﷺ - بنخل، فصلى الخوف» . وقال –أيضا -: «وقال معاذ: ثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا مع النبي - ﷺ - بنخل - فذكر صلاة الخوف» . وقد خرجه النسائي من رواية سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قالَ: كنا مع رسول الله - ﷺ - بنخل، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي - ﷺ - فكبروا جميعًا، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما قاموا سجد الآخرون مكانهم الذي كانوا فيهِ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - والصف الذين يلونه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وجلسوا سجد الآخرون مكانهم، ثم سلم. قال جابر: كما يفعل أُمراؤكم. وخرجه مسلم - بمعناه - من رواية زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، وليس عنده: «بنخلٍ» . وذكر البخاري – أيضًا - تعليقًا، عن جابر من طريقين آخرين، فقال: «وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى، أن جابرًا حدثهم: صلى النبي - ﷺ - بهم يوم محارب وثعلبة. وقال ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان: سمعت جابرًا: خرج النبي - ﷺ - إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعًا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضًا، فصلى النبي - ﷺ - ركعتي الخوف» . انتهى. وأبو موسى، ليس هو الأشعري، بل تابعي، ذكره أبو داود، وذكر في حديثه: أنه كان للنبي - ﷺ - ركعتان، ولكل طائفة ركعة. وقد رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة بهذا الإسناد، أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، بكل طائفة ركعة وسجدتين. وذكر أبو مسعود الدمشقي وغيره: أن أبا موسى هذا هو علي بن رباح اللخمي، وقيل: إنه أبو موسى الغافقي، واسمه: مالك بن عبادة، وله صحبةٌ. قال صاحب «التهذيب»: والقول الأول أولى. والله ﷾ أعلم. وأما حديث سهل بن أبي حثمة: فقال البخاري: «ثنا قتيبة، عن مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وطائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، ووجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة، فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين. حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي - ﷺ -. حدثنا محمد بن عبيد الله: ثنا ابن أبي حازم، عن يحيى: سمع القاسم: أخبرني صالح بن خوات، عن سهل، حدثه - قوله» . حاصل الاختلاف في إسناد هذا الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا: أن يزيد بن رومان رواه عن صالح بن خوات، عمن شهد النبي - ﷺ - يوم ذات الرقاع، ولم يسمه. ورواه القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، واختلف عليه في رفعه ووقفه: فرواه يحيى بن سعيد الانصاري، عن القاسم، فوقفه على سهل. وقد خرجه البخاري هاهنا من طريق يحيى القطان وابن أبي حازم، عن يحيى الأنصاري. كذلك رواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، فرفعه إلى النبي - ﷺ -. قال الإمام أحمد: رفعه عبد الرحمن، ويحيى لم يرفعه. ثم قالَ: حسبك بعبد الرحمن، هو ثقة ثقة ثقة. قيل له: فرواه عن عبد الرحمن غير شعبة؟ قالَ: ما علمت. ثم قال: قد رواه يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي - ﷺ -، فهذا يشد ذاك. يريد: أنه يقوي رفعه. ونقل الترمذي في «العلل» عن البخاري، أنه قال: حديث سهل بن أبي حثمة هوحديث حسن، وهومرفوع، رفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم. انتهى. ولكن رواه حرب الكرماني، عن إسحاق بن راهويه، عن الثقفي، عن يحيى الأنصاري، وقال في حديثه: «من السنة» . وهذا –أيضا - رفعٌ له. وهو غريب عن الأنصاري. ورواه عبد الله العمري، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -. وأخطأَ في قوله: «عن أبيه»، إنما هو: «عن سهل»: قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان. وقالا –أيضا - رواه أبو أويس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن أبيه - أيضا -، وأخطأ –أيضًا - في قوله: «عن أبيه» . وقد ذكر أبو حاتم الرازي وغيره: أن الذي قال صالح بن خوات في رواية يزيد بن رومان، عنه: «حدثني من شهد النبي - ﷺ -»، هو سهل بن أبي حثمة، كما قاله القاسم، عن صالح. قال أبو حاتم: وسهل بن أبي حثمة بايع تحت الشجرة، وكان دليل النبي - ﷺ - ليلة أحد، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا. قالَ عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت رجلًا من ولده، سأله أبي عن ذلك، فأخبره به. ولكن ذكر أكثر أهل السير كالواقدي والطبري وغيرهما: أن سهل بن أبي حثمة توفي النبي - ﷺ - وهو ابن ثمان سنين. قال الواقدي والطبري: وقد حفظ عنه، وقيل: إن الذي كان دليل النبي - ﷺ - إلى أحد وشهد معه المشاهد هو أبو حثمة والد سهل. والله سبحانه أعلم. وقد ذكر الإمام أحمد وأبو داود أن رواية يحيى بن سعيد، عن القاسم تخالف رواية يزيد بن رومان في السلام؛ فإن في رواية يزيد بن رومان: أن النَّبيّ - ﷺ -؟ سلم بالطائفة الثانية، وفي رواية يحيى بن سعيد: أنهم قضوا الركعة بعد سلامه. وقد خرجه أبو داود من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد كذلك، وفي حديثه: فركع بهم وسجد بهم ويسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون. وقد روى يحيى القطان الحديث، عن يحيى الأنصاري، ورواه عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، وقال: لا أحفظ حديثه، ولكنه مثل حديث يحيى. كذا خرجه الترمذي وابن ماجه. وكذلك في رواية البخاري: أن يحيى القطان رواه عن شعبة مثل حديث يحيى بن سعيد. ولكن بينهما فرق في السلام: فقد رواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن عبد الرحمن بهذا الإسناد، وقال فيه: وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم. كذلك خرجه مسلم من طريقه. ورجح ابن عبد البر رواية يحيى القطان، عن شعبة، على رواية معاذ بن معاذ، عنه، وقال في القطان: هو أثبت الناس في شعبة. وخالفه البيهقي، ورجح رواية معاذ بن معاذ؛ لان يحيى القطان لم يحفظ حديث شعبة. وقال: رواه –أيضا - روح بن عبادة، عن شعبة، كما رواه عنه معاذ. قالَ: وكذلك رواه الثوري، عن يحيى الأنصاري بخلاف رواية مالك، عنه. قالَ: وهذا أولى أن يكون محفوظًا؛ لموافقته رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، ورواية مالك. عن يزيد بن رومان. قلت: فقد رواه أحمد، عن غندر، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم، وقال: أما عبد الرحمن فرفعه، وساق الحديث، وفي آخره: ثم يقعد حتى يقضوا ركعة أخرى، ثم يسلم عليهم. وهذا يوافق رواية معاذ، وغندر مقدم في أصحاب شعبة. وقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي - ﷺ - بذات الرقاع في هذا الحديث. قال القاسم بن محمد: ما سمعت في صلاة الخوف أحب إلي منه. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والثوري - في رواية - وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وحكاه الترمذي، عن إسحاق. وصرح إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به، ولا يختاره على غيره من الوجوه. إلاّ أنهم اختلفوا: هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام، أو بعده؟ فعند الشافعي وأحمد وداود: تقضي قبل سلام الإمام، ثُمَّ يسلم بهم وهو رواية عن مالك، ثُمَّ رجع عنها، وقال: إنما يقضون بعد سلام الإمام، وهو قول أبي ثور وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، ذكره في كتابه «الشافي» . ونص أحمد على أن هذه الصلاة تصلى وأن كان العدو في جهة القبلة. وقال القاضي أبو يعلى: إنما تصلى إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وكذلك حمل بعض أصحاب سفيان قوله على ذلك. قال بعض أصحابنا: نص أحمد محمول على ما إذا لم يمكن صلاة عسفان لاستتار العدو، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكن أن يصلوا صلاة عسفان لظهور العدو. وكذا قال أصحاب الشافعي، لكنهم جعلوا ذلك شرطا لاستحباب صلاة ذات الرقاع، لا لجوازها. قال البخاري: «وقال أبو هريرة: صليت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة نجد صلاة الخوف» وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية حيوة وابن لهيعة - إلا أن النسائي كنى عنه برجل آخر – كلاهما، عن أبي الاسود، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث، عن مروان بن الحكم، أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قالَ أبو هريرة: نعم. قالَ مروان: متى؟ قالَ أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله - ﷺ - إلى صلاة العصر، فقامت طائفة معه، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى الكعبة، فكبر رسول الله - ﷺ - فكبروا جميعا: الذين معه والذين مقابلو العدو، ثُمَّ ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة، وركعت الطائفة الذين معه، ثُمَّ سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثُمَّ قام رسول الله - ﷺ - وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوه، واقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قائم كما هوَ، ثُمَّ قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثُمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - قاعد، ومن كان معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله - ﷺ - وسلموا جميعا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة. واللفظ لأبي داود. ولفظ النسائي: فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان. فتحمل - حينئذ - رواية أبي داود على أنه كان لكل واحد من الطائفتين ركعة مع النبي - ﷺ - والركعة الأخرى هو صلاها لنفسه، وعلى مثل ذلك تحمل كثير من أحاديث صلاة الركعة في الخوف. ورواية ابن إسحاق، عن أبي الاسود، عن عروة أنه سمع أبا هريرة ومروان بن الحكم يسأله - فذكر الحديث بمعناه. خرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» . ورواية من روى عن عروة، عن مروان، عن أبي هريرة أشبه بالصواب -: قاله الدارقطني. ونقل الترمذي في «علله» عن البخاري، أنه قال: حديث عروة، عن أبي هريرة، حسن. وقد روي هذا الحديث عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن أبي هريرة. خرجه الأثرم. وليس في حديثه: أن الطائفتين كبَرت مع النبي - ﷺ - في أول صلاته. وروي عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة. خرجه أبو داود. ولفظ حديثه: قالت: كبَر رسول الله - ﷺ - وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله - ﷺ - جالسا، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقري حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائف [الأخرى فقاموا] فكبروا، ثُمَّ ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله - ﷺ - فسجدوا معه، ثم قام رسول الله - ﷺ - ثم سجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعا فصلوا مع النبي - ﷺ - فركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعا، ثم عاد فسجد الثانية فسجدوا معه سريعا كأسرع الإسراع جاهدا، لا يألون إسراعا، ثم سلم رسول الله - ﷺ - فسلموا، فقام رسول الله - ﷺ - وقد شاركه الناس في الصلاة كلها. فقد اضطرب ابن إسحاق في لفظ الحديث وإسناده. وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه - مرسلا -، بنحو حديث أبي عياش الزرقي. ذكره أبو داود - تعليقا. وقد أجاز الإمام أحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وابن جرير وجماعة من الشافعية صلاة الخوف على كل وجه صح عن النبي - ﷺ -، وأن رجحوا بعض الوجوه على بعض. وأما صلاة الخوف ركعة، فيأتي الكلام عليه فيما بعد - إن شاء الله - ﷾ -. وظاهر كلام البخاري: أنه يجوز. وقد نقل الترمذي عنه في «العلل»، أنه قال: كل الروايات في صلاة الخوف عندي صحيح، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف، إلا حديث مجاهد، عن أبي عياش، فإني أراه مرسلا. وهذا يدل على أنه يستعمل كل وجه من وجوه صلاة الخوف على قدر ما تقتضيه حال الخوف، ويكون ذلك الوجه أصلح له. وروي نحو ذلك عن سليمان بن داود الهاشمي، وحكي عن إسحاق - أيضا -، وقاله بعض أصحابنا. ٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الايماء أخروا [الصلاة] حتى ينكشف القتال أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير. ويؤخرونها حتى يامنوا. وبه قال مكحول. إنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب. قال الفزاري، عن يزيد بن السمط، عن مكحول، قال: إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا، لم يطيقوا أن يصلوا، أخروا الصلاة حتى يصلوا علىالأرض، وقال: صلاة الطالب: أن ينزل فيصلي، فيؤثر صلاته على ما سواها، وصلاة الهارب: أن يصلي حيث كان ركعة. قال أبو إسحاق، وقال الأوزاعي: الصلاة حيث وجهوا على كل حال، لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب، وصلاة الخوف: أن يصلي القوم كما صلى النبي - ﷺ - فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى، مستقبلي القبلة، يركعون ويسجدون، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا، فيقضوها. قالَ: وقال الأوزاعي: إن ثلموا في الحصن ثلمة، وحضرت الصلاة فإن قدروا أن يصلوا جلوسا أو يومئون إيماءً أو يتعاقبون فعلوا وإلاّ أخروا الصلاة إن خافوا إن صلّوا أن يغلبوا عليهِ، وقد طمعوا في فتحه، صلوا حيث كانت وجوههم، ويتمموا أن خافوا. وقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل. منها: أن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب، وهو رواية عن أحمد. وقال إسحاق - فيما نقله عن حرب -: يصلي بالأرض ويومىء إيماءً. وفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس، وهو مما تفرد به ابن إسحاق. وذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلاّ بالأرض صلاة الأمن، إلاّ أن يخاف، منهم: الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وقد سبق ذكر ذَلِكَ. ومنها: أن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة، بل فرادى، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذَلِكَ. ومنها: أنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا. وممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه، وهو قال أبي حنيفة وأصحابه. وحكى ابن عبد البر، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلاّ إلى القبلة، ولا يصلي في حال المسايفة، بل يؤخر الصلاة. وعن أحمد رواية: أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير. قال أبو داود: سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار، فيؤخرون الصلاة حتى تطلع الشمس، أو يصلون على دوابهم؟ قَالَ: كلٌ أرجوا. واستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر فِي بني قريظة وفي الطريق، وأنه لم يعنف واحد منهما، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا – إن شاء الله - ﷾ -. وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال، وتصلى على حسب حاله، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال. فكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضًا عن وقته، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع. فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء. وقول ابن عباس: جمع رسول الله؟ - ﷺ - بالمدينة من غير خوف، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف؛ فإن الخوف عذر ظاهر، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما. فأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر، فالجمهور على منعه. وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه، مخرجة عن رواية حنبل عنه، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو. وروي عن عثمان بن عفإن، أنه قالَ: لايقصر الصلاة إلاّ من كان شاخصًا أو بحضرة العدو. وظاهره: أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر - أيضًا - وبذلك فسره أبو عبيدة في «غريبه» . وذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان –أيضًا. وقد يفسر بأنه لايجوز القصر إلاّ في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال العدو، وهذا قول كثير من العلماء، ويأتي بيانه في «كتاب قصر الصَّلاة» إن شاء الله - ﷾ -. وسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة الخوف. ومنها: أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامةً. وهذا قول كثير من العلماء، منهم: ابنُ عباس. ففي «صحيح مسلم»، عنه، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعًا، وفي الخوف ركعة. وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر، وقد سبق ذكر قولهما. ورواه الحسن، عن حطان الرقاشي، عن أبي موسى - أيضًا - أنه فعله. وهو مروي - أيضًا - عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي. حتى قاله في صلاة الصبح، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لاينقص عن ركعتين وثلاث، في خوف ولا أمن، في حضر ولا سفرٍ. ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولاسفر، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصَّلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعةٍ واحدةٍ. وحكي رواية عن أحمد، وهوظاهر كلامه في رواية جماعة، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا، والمشهورعنه: المنع. وقد نقل جماعة عنه، أنه قال: لايعجبني ذلك. وهو قول [....] أصحابنا. والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي. وتقدم من حديث ابن عباس، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - ﷺ - ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا. ومن حديث حذيفة - أيضًا - وما في ذلك من التأويل. وروى يزيد الفقير، عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، فصلى لهم رسول الله - ﷺ - ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي - ﷺ -؟ ركعتان، ولهم ركعة. خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحهما» . وفي رواية النسائي: ثم إن النبي - ﷺ - سلم فسلم الذين خلفه، وسلم أولئك. وذكر أبو داود في «سننه»: أن بعضهم قال في حديث يزيد الفقير: أنهم قضوا ركعة أخرى. وروى عبد الله بن شقيق: نا أبوهريرة، أن رسول الله - ﷺ - نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: أن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من آباهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلةً واحدة، وأن جبريل أتى النبي - ﷺ - فأمره أن يقيم أصحابه شطرين، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا … حذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الأخرون ويصلون معه ركعة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة، ولرسول الله - ﷺ - ركعتان. خرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في «صحيحه» . وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. ونقل الترمذي في «العلل» عن البخاري، أنه قال: هوحديثٌ حسنٌ. وقد حمله بعضهم على أن كل واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعة مع النبي - ﷺ -، فأما الأخرى فإنها صلتها مفردة. وخرجه النسائي عنده: يكون لهم مع رسول الله - ﷺ - ركعتان. وخرج ابن حبان في «صحيحه» هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت، عن النبي - ﷺ -، وأصله في «سنن النسائي» . وقد أجاب بعضهم بأن الروايات إذا اختلفت، وكان في بعضها عدم القضاء، وفي بعضها القضاء، فالحكم للإثبات؛ لأن المثبت قد حفظ ما خفي على الباقي وهذا صحيح أن لو كانت الروايات كلها حكاية عن واقعة واحدة، فأما مع التعدد فيمكن أن القضاء وجد في واقعة ولم يوجد في الأخرى. وقد زعم مجاهد: أن النبي - ﷺ - لم يصل صلاة الخوف إلاّ مرتين، مرة بذات الرقاع، ومرة بعسفان. واختلاف الروايات في صفة صلاة الخوف يدل على أن ذلك وقع أكثر من مرتين. واستدل بعض من رأى أن صلاة الخوف ركعة بأن ظاهر القرآن يدل عليهِ؛ فإن الله تعالى ذكر أن الطائفة الأولى تصلي معه حتَّى يسجد، فتكون من وراء الناس، وأن الطائفة الثانية التي لم تصل تأتي وتصلي معه، فظاهره: أن الطائفة الأولى تجتزئ بما صلت معه من تلك الركعة، وأن الثانية تكتفي بما أدركت معه، ولم يذكر قضاء على واحدة من الطائفتين. ومنها: أنهم إذا عجزوا عن الصلاة بأركانها في حال الخوف، فقال الأوزاعي: لا يجزئهم التكبير بمجرده. وإلى هذا ذهب الأكثرون، وهو: أنه لا يجزئ في حال شدة الخوف الاقتصار على التكبير، وهوقول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. ونقل ابن منصور، عن أحمد وإسحاق، قإلاّ: لابد من القراءة، ولا يجزئهم التكبير. ونقل جماعة عن أحمد، أنه قال: لابد في صلاة الخوف من القراءة والتشهد والسلام. وذهب آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبير. روي عن جابر وابن عمر: تجزئهم تكبيرةٌ واحدة، وعن مجاهد والسدي. وكذا قال عبد الوهاب بن بخت، وزاد: وإن لم يقدر على التكبير، فلا يتركها في نفسه. يعني: النية. وروي عن عبد الله بن الزبير، أنه ارتث يوم الجمل قبل غروب الشمس، فقيل له: الصلاة. فقال: لا استطيع أن أصلي، ولكني أكبر. وعن الضحاك: إن لم يستطع أن يومئ كبر تكبيرة أو تكبيرتن. وقال الثوري: إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبير في كل خفض ورفع، وإن لم يستطع أن يتوضأ تيمم بغبار سرجه. وكذلك مذهب الثوري في المريض المدنف: إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه، فإنه يكبر لكل ركعة تكبيرة، مستقبل القبلة، وتجزئه. ونقل حرب، عن إسحاق، قال: إن لم يقدروا على ركعة فسجدة واحدة، فإن لم يقدروا فتكبيرةٌ واحدة، واستدل بقولِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . فإذا قدر على الإتيان بشيء من الصلاة، وعجز عن الباقي لزمه أن يأتي به في وقته ويجزئه، ولا يجوز له تأخيره عن الوقت. وذكر ابن جرير بإسناده، أن هرم بن حيان كان معه أصحابه يقاتلون العدو مستقبلي المشرق، فحضرت الصلاة، فقالوا: الصلاة الصلاة، فسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة، وهم مستقبلوا المشرق. ويستدل للجمهور بأن ما دون الركعة ليس بصلاة، فلا يكون مأمورًا به من عجز عن الصلاة، وأقل ما ورد في صلاة الخوف أنها ركعة، فما دون الركعة ليس بصلاة، ولا يؤمر به في خوف ولا غيره، ولا يسقط به فرض الصلاة. ثم قال البخاري - ﵀ -: وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند صلاة الفجر - واشتد اشتعال القتال -، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصل إلاّ بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذه الواقعة كانت في زمن عمر –﵁ - سنة عشرين. قال خليفة بن خياط في «تاريخه»: نا ابن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قالَ: لم نصل يومئذ صلاة الغداة حتى انتصف النهار، فما يسرني بتلك الصلاة الدنيا كلها. قال خليفة: وذلك سنة عشرين. ثم قال البخاري:
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج٢ ص٤٣٣
الْخَوْفِ: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا وَرُكْبَانًا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَالرَّاجِحُ رَفْعُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ إِنْ كَانَ الْعَدُوَّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَوْفَ إِذَا اشْتَدَّ وَالْعَدُوَّ إِذَا كَثُرَ فَخِيفَ مِنَ الِانْقِسَامِ لِذَلِكَ جَازَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَجَازَ تَرْكُ مُرَاعَاةِ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ، فَيَنْتَقِلُ عَنِ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ، وَعَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَلَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْشَى فَوَاتُ الْوَقْتِ، وَسَيَأْتِي مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ. (تَنْبِيهٌ): ابْنُ جُرَيْجٍ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ نَافِعٍ، وَقَدْ أَدْخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَافِعٍ، مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، فَفِي هَذَا التَّقْوِيَةُ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي نَافِعٍ، وَلِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. ٣ - بَاب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَوْلُهُ: (بَابُ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْخَوْفِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَحَلُّ هَذِهِ الصُّورَةِ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَلَا يَفْتَرِقُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْمَاضِيَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ بِبَيَانِهِ ﷺ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ عَنْهُ، وَافَقَهُ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلَّا النُّعْمَانُ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا وُهَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ اهـ. وَرِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ تَرُدُّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ مَعَهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَتَأَخَّرَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ. قَوْلُهُ: (فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا) فِي رِوَايَتِهِمَا أَيْضًا فَرَكَعُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. قَوْلُهُ: (فِي صَلَاةٍ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ يُكَبِّرُونَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ هَلْ أَكْمَلُوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ أَمْ لَا، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ مِنْ شَيْخِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فَزَادَ فِي آخِرِهِ وَلَمْ يَقْضُوا وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً وَبِالِاقْتِصَارِ فِي الْخَوْفِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُ إِسْحَاقُ، وَالثَّوْرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَالَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ